فلسطين التاريخ / الواقع والمأمول

لا يضرب بعضكم رقاب بعض ؟!

لا يضرب بعضكم رقاب بعض ؟!

 

أيام حزينة وأوقات عصيبة نعيشها ونحن نرى ونتابع ما يحدث على أرض فلسطين، فتسارع الأحداث لإشعال نار الحرب الأهلية وإثارة الفتنة بين أبناء الشعب الواحد من منتسبي الحركات كفتح وحماس، يقف وراءها فئات كانت وما زالت غير معنية بالدم الفلسطيني، ولا يعنيها إن غرق الفلسطينيين بدمائهم!!

ولا شك أن الوضع الحالي في فلسطين بهذه الصورة هو أمنية وحلم يهودي طالما عملوا من أجله ... صراع داخلي بين الحكومة والرئاسة، قيادة برأسين كل يريد أن يثبت وجوده وينفذ قراراته ... حصار وتجويع ... قتل وتصفية ... تهويد وتدنيس للمقدسات ... تجاوز لكل الاتفاقات المبرمة والمعاهدات الدولية ... تحالف عالمي لقطع جميع التحويلات حتى ولو كانت لمسح دمعة أرملة وكسوة يتيم وإغاثة لمسكين لا يجد قطعة خبز!!

إن أهل فلسطين لا بد أن يدركوا خطر الفتن التي قال عنها حذيفة رضي الله عنه: "تكون فتنةٌ تعوّج فيها عقول الرجال، حتى لا تكاد ترى رجلاً عاقلاً" وعنه رضي الله عنه أنه سئل أي الفتن أشد؟ قال: "أن يعرض عليك الخير والشر، فلا تدري أيهما تركب".

ما يحدث جريمة في حق شعب محاصر مطالب بتوجيه كل جهوده لمواجهة العدو المشترك بدلاً من تشتيته في أمور لا منتصر فيها ... لا خيار من حلها إلا عبر الحوار لا عن طريق السلاح، فلا نريد أن نسمع شعارات ونداءات التهدئة ... كحرمة الدم الفلسطيني، لا لسفك الدماء .. نحن مع الوحدة الوطنية!! ونرى الواقع خلاف ذلك فالدم بين أبناء الوطن الواحد قد أستبيح وانتهك ودُنست حرمته ولا زالوا يتحدثون عن حرمة الدم الفلسطيني؟!

كلمة نقولها للجميع لا مكان للسلاح الفلسطيني ضد الفلسطيني، الذي سيحل على الشعب الفلسطيني مأساة أكبر من الاحتلال – كفانا الله وإياكم من شرها -  فالحرب الأهلية لا تبقي ولا تذر .. وعلامات الخطر منذرة وشديدة الوطأة .. وتبعاتها كبيرة لا يتحملها أهل القطاع ولا غيرهم.

يا أهل فلسطين لقد عصم الله تعالى هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وجعل النجاة فيها لمن استمسك بالكتاب والسنة ولزم الجماعة. فاحذروا حفظكم الله أن تنخروا السفينة، وأن توجهوا سهامكم إلى أنفسكم، لتكونوا أنتم أول الخاسرين وآخرهم، فليس منكم رابح، ولتعلموا أن العواقب وخيمة والآثار مدمرة إن استمرت على هذه الحال ..

وهذا ما أكده الشيخ تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي على حرمة الدم الفلسطيني الزكي، وعلى حرمة إراقته أو المساس به لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه". حيث شدد الشيخ التميمي على وجوب الاتفاق والوفاق بين الأخوة، فالوحدة الوطنية هي الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها المؤامرات التي تحاك ضد الشعب الفلسطيني، وهي السلاح الأقوى في مواجهة العدوان الذي يشنه عليه الاحتلال اليهودي الغاشم. وقد ناشد جميع الفصائل والقوى الفلسطينية ضرورة الإسراع في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لرفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني وضرورة تكريس سيادة القانون ووضع حد للفلتان الأمني الذي بات يهدد إنجازات الشهداء الأبرار وتضحيات الأسرى في سجون الاحتلال.

وهنا كلمة نوجهها للجميع ألم تلاحظوا أن الممارسات اليهودية في هذه الأيام هدئت تماماً لتفسح المجال أمام المتقاتلين لينالوا من بعضهم البعض، فتوقف اليهود عن أي تصعيد يمكن أن يساعد في إعادة العقل والغفلة إلى المتقاتلين ليصحوا من جديد ليروا أن عدوهم جميعاً مازال على أرضهم ويتحكم بلقمة عيشهم وكرامتهم ومقدساتهم ... وهذا ديدنهم فكلما زادت الفتنة الداخلية فإن اليهود يهدءوا ويخففوا من اعتداءاتهم لتزيد حمى الاقتتال، وكأنهم ليس هذا شأنهم وأنهم براء من الدفع للمشهد الذي نراه، لم يدفعوا لإشعالها أو يقفوا طرفاً ضد طرفاً آخر!!

وهذا الوضع لم يأت من فراغ فعشرات المراكز اليهودية والمؤسسات الممولة صهيونياً تقوم بجهود مكثفة لجعل الوضع على ما نراه الآن من زرع بذور الشقاق بين أبناء الشعب الواحد، والتأثير في مسار الأحداث بحيث يخرج الكيان اليهودي من كل حدث منتصراً أو على الأقل بأقل قـدر من الخسائر، ومن يطلع على المذكرة التي أصدرها مركز سابان المعني بالسياسة في المنطقة والذي يترأسه "مارتن إنديك" السفير الأمريكي السابق في "الكيان اليهودي" والتوصيات الملحقة في المذكرة التي قدمت للرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء اليهودي خلال اجتماعهم في الولايات المتحدة، يلحظ من غير عناء الدور الذي تلعبه تلك المراكز والمؤسسات في المنطقة.

إذن، لا مفر أمام الشعب الفلسطيني من أن يوحد صفوفه ويتمسك بثوابته الشرعية ويدافع عنها، وهذا وحده كفيل بإحباط ما يمكر به الكائدون، فلا بد من المسارعة إلى تحرك جاد ينزع فتيل الأزمة ويضعهم مجدداً على الطريق الصحيح، فالوقت حان لوأد الفتنة ووقف كل مظاهر استعراض العضلات .... فالخاسر الأول والأخير من تلك الأحداث هو الشعب الفلسطيني.

وهذا واجب العقلاءِ وأصحاب القرار في الأراضي المحتلة الذين يُدركون العواقبَ الوخيمة والآثارَ المدمِّرة لسفك الدماء، والتناحر والتباغض، فلا بد من نبذُ الخلاف وتوحيد الرّأي والوقوفُ صفّاً واحداً في مواجهَة الاحتلال والمتغيّرات العالميّة والثبات على نهجِ الوَحدة القائم على الشريعة الإسلامية؛ الوحدة التي لا يذّل فيها مظلوم، ولا يشقى معها مَحروم، ولا يعبَث في أرضِها باغ، ولا يتلاعب بحقوقِها ظالم. ومن دون ذلك فإن الأوضاع ستبقى في طريق التصعيد والاختلاف وتصب في صالح الاحتلال الذي يريد ذلك الاقتتال لأنه يخدم مصالحه ويعزز مواقفه ويفتح الطريق لتنفيذ مخططاته وألاعيبه، فالحوار والالتقاء على الحدود الدنيا من المصالح للشعب الفلسطيني هما الطريق الأسلم.

ولا بد من دور إسلامي وعربي كوسيط يوفق بين الرؤى المختلفة للفصائل والوصول لحد أدنى من الاتفاق عن طريق دول أو لجان منبثقة من الجامعة العربية أو المؤسسات المدنية وغيرها، لأن الاحتلال كان ولا يزال وسيظلّ متوجّهاً إلى محاولة زعزعَة الصفوف والنيل من وحدة الأمة، وبالأخص في بؤرة الصراع "فلسطين"، فالأزمات والأحداثُ تحتاج أوّل ما تحتاج إلى رصّ الصّفّ وصِدق الموقِف والتّلاحم حتّى يفوتَ على الأعداء والعُملاء فرصتُهم في البلبَلة وبثّ الفُرقة وذهاب ريح الأمّة؛ قال تعالى: وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ . وقال سبحانه: وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .

والحمد لله رب العالمين ،،،

 

عيسى قدومي

20/12/2006م

.