قطوف مقدسية / فلسطين في وجدان الشيخ زيد الفياض

مقتطفات عن قضية فلسطين (6-10)

(6)

نَلتفت مرَّة أخرى لنرى -ويا لِهول ما نرى!- مساحاتٍ صغيرةً من الأرض تَنوءُ بمليون ونصف المليون من اليهود الذين اغتَصبوها، تفتَح أبوابها لاستقبال ثلاثة ملايين آخرين؛ لتنفيذ الخُطَّة الخطيرة، والضَّغطُ والإرهاب ينزلانِ على البقيَّة من العَرَب في فلسطينَ المحتلة؛ ليتركوا ديارهم للوُفود الزَّاحفة، وتنهال الإعاناتُ من الدُّول الغربية على إسرائيل بِصفة قروض، وإعانات مباشرة وغير مباشرة، وتعويضاتٍ ومُساعدات، وغير ذلك من أسماءٍ عديدة.

ويَفتح المعسكرُ الشرقيُّ أبوابه بالسَّماح للصَّهاينة في الذَّهاب إلى فلسطين، ويشارك في الجريمة، ويُظهر حقيقته مكشوفة، وتبدو المأساة الرَّهيبة، والعدوان من الشَّرق، والعدوان من الغرب، والأُخطُبوط الإسرائيلي الممتدُّ في أنحاء العالَم، وماذا بعد ذلك؟!

قضية فلسطين، ص11-12.

(7)

إنَّ العرب يقفون في المَيدان وحدهم، وإنَّهم رغمَ كلِّ العراقيل أقوياء، إذا كانوا متَّفقِين، موحِّدين صفوفهم، عاملين لدَرء الخطر، حاسبين للمستقبل ألفَ حساب وحساب.

وإنَّ ممَّا يحُزُّ في النفس أن يَدِبَّ الخلاف في الصَّفِّ العربي، وأن يتناسى البعضُ واجباته تُجاه أمَّته ودِينه ووطنه، ويركَن إلى قوَّة دولة أجنبية، فقد دلَّتِ التَّجارِب الكثيرة أنَّ الاعتماد على الدُّول الأجنبية، والرُّكون إلى وُعودها وإغرائها ضَربٌ من الغفلة والهَوَس.

وكم هو مؤلِمٌ أن يتَنابذَ العربُ في الوقت الذي يجب فيه أن يتَّحدوا ويتكاتفوا، ويُقدِّروا النَّتائج، حتَّى يُجابهوا الخطرَ المُحيق في قوَّة وعزم وإقدام، ويثأروا للكرامة والحقِّ المهضوم!

قضية فلسطين، ص12.

(8)

إن إذاعة إسرائيل تتهكَّم على العرب، وتسخّر منهم، وتدسُّ الدَّسائسَ للتَّفريق بينهم، ويقف معها المستعمِرون، ليردِّدوا نفسَ النَّغمة الخبيثة.

حقَّاً إنَّ الأمر خطير؛ فعسى أن يقدِّر العربُ الموقفَ -شعوباً وحكوماتٍ- فلا تتكرَّر المأساة مرَّة أخرى، نريد عملاً إيجابياً لصدِّ العدوان المتوقَّع على نطاقٍ واسع من سفَّاحي إسرائيل.

نرى أن من اللازم عمل ما يلي:

1- تسليح اللاجئين الفلسطينيين، وتدريبهم على مختلف الأسلحة الحديثة، ووضعهم على أُهبة الاستعداد؛ فهم أولى بالدفاع عن بلادهم.

2- فتح معسكرات للتدريب الشعبي الاختياري.

3- التدريب الإلزامي عندما يُرى لذلك مصلحة.

4- اتفاق حاسم سريع بين الرؤساء على رسم السياسة التي يجب انتهاجها حيال الخطر الصهيوني.

5- تقوية أجهزة الدعاية المضادة لدعاية المنظمات الصهيونية في الخارج.

وهذه بعض الأعمال الضرورية التي لابد منها كوقاءٍ لعدوان أثيم، فلعل وعسى أن يظهر أثر هذه الأعمال الإيجابية سريعا قبل أن يقع ما لا يُحمد عُقباه.

قضية فلسطين، ص12-13.

(9)

تناقلت وكالاتُ الأنباء أن وزارة الدفاع الأمريكية أعلنت: أن الولايات المتحدة الأمريكية قد وافقت على بيع إسرائيل صواريخَ مضادة للطائرات بمبلغ 25 مليوناً من الدولارات.

هذا هو الخبر، وهو ليس بجديد؛ فقد عودتنا الولايات المتحدة على أمثال هذه الأعمال؛ فهي تقدم المساعدات الطائلة لإسرائيل بصفة قروض ومعونات، وتصريحات من مسؤولين كبار، وتعهدات بحماية الصهيونية، وتجنيد وسائل الإعلام في الولايات المتحدة لصالح الصهيونية، في الصحافة والإذاعة والتلفزيون.

وليست أمريكا الدولة الوحيدة التي تسير على هذا المنهج، ولكنَّ دولاً كثيرة تشاطرها هذا التصرف العدائي؛ فبريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية، كلُها تعمل الكثير لصالح اليهود، وتقدم المعونات والتأييد السياسي والأدبي والمادي للصهيونية.

وأمريكا حين تبيع الصواريخ المضادة للطائرات لإسرائيل، فهي من نفس النمط، وعلى القاعدة لهذه الدول.

وقد يقول قائل: وماذا في بيع أمريكا الأسلحة لإسرائيل، فهي حرة في أن تبيع الأسلحة إلى من تشاء؟ وكذا بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية؟

وهذا القول وإن كان يبدو معقولاً، إلا أنه بعد التفكير في الأسباب والدوافع يظهر بجلاء بُعدُه عن الصواب؛ فهذه الدول التي تتشدق بالحرص على السلام في منطقة الشرق الأوسط، وبتوازن القوى- لا تتوانى عن تقديم الأسلحة بسخاء لإسرائيل؛ الأسلحة الحديثة المتنوعة؛ من البندقية والمِدفع، إلى الصواريخ والدبابات، والأفران الذرية، في الوقت الذي تمنع فيه السلاح عن العرب، وترفض بيع السلاح عليهم بأي ثمن! وما حكاية توازن القوى والحرص على السلام في منطقة الشرق الأوسط إلا حكاية خُرافة، وأسلوبٌ مخدِّر؛ الغرض منه الاستهلاك والدعاوى المموهة.

قضية فلسطين، ص15-16.

(10)

ولنا أن نتساءل: مَن الملوم؟! أهي هذه الدول التي تُسيِّرها عوامل شتى، ودوافعُ ليست خافيةً للمتعمق، وفي طليعتها الحِقد الصليبي على الإسلام، والجشع الذي يُعميهم، ويجعلهم يسعون لإضعاف العرب والمسلمين؛ ليسيطروا على ثروات العرب والمسلمين المادية والبشرية؟

ولا نُغفل جانب التَّغلغل الصهيوني وضعف الدعاية العربية والإسلامية في تلك البلدان، مع نشاط الصهاينة في نشر آرائهم، وتزييف الحقائق، وطُرُق الخداع والتضليل.

أم أنَّ الملوم هو الدول العربية والإسلامية نفسُها؟!

إننا على ضوء هذا السؤال يمكن أن نحدد الموقف بجلاء، وأن نتوصَّل للحقيقة التي هي في حاجة إلى التأمل والتفكر أكثر مما هي في حاجة إلى اللَّجلجة والهذيان، إننا نُلقي اللوم في الدرجة الأولى على العرب والمسلمين؛ لأنهم لم يُعلنوا رأيهم بحزم وصراحة، ولم يتخذوا قراراً حاسماً إزاءَ هذه الدول التي تستهين بهم، ولا تُقيم لهم وزنا ولا اعتباراً، وعلى العكس من ذلك تصادق عدوهم، وتقدم له أنواع المساعدات، ولا تكترث بمشاعر العرب والمسلمين، ولا كرامتهم وحقوقهم.

فلو أن العرب والمسلمين حددوا موقفهم، واتخذوا قراراً صريحاً فيه وحدةُ الرأي، وصرامة العمل الجدي، لكان لهذه الدول رأيٌ آخر، ولنظرت للعرب والمسلمين من زاويةٍ أخرى.

لو أن أمريكا تحقَّقت من ضياع مصالحها في البلاد العربية والإسلامية من النواحي الاقتصادية والسياسية إذا ركبت رأسها، وأصرت على أن تسير بجانب الصهاينة، ولو أنّ بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية أدركت ذلك لتغير موقفُ تلك الدول قطعاً، ولحسَبَت ألف حساب وحساب لحقوق العرب، ولقدَّرت للرأي العامِّ الإسلامي والعربي مشاعره وأحاسيسه.

ولو أن موقفا جاداً وقفه العربُ والمسلمون من أمريكا عندما تختار رضا الصهيونية، وإغضاب أكثر من خمسمئة مليون شخص، لكان لأمريكا رأيٌ آخر، واتجاه آخر.

ولكن مع الأسف أنه حتى الآن لم يدرك العالم العربي والإسلامي واجبه في هذه المواقف التي تستدعي اتِّفاقَ الكلمة، وجمع الشتات، وإزالة الخلافات، فما زال الكثيرون منهم غارقين في التنابز بالألقاب، والشتائم ببذيء القول، والتراشق بالاتهامات على سمع العالم وبصره، فضاعت بذلك هيبتهم، وأعطوا لعدوهم فرصةً نادرةً ليحقق مآربه الشريرة، وأغراضه السيئة، فإلى متى يستمرون في غفلتهم ومتاهاتهم؟!

فعسى أن يَثوبوا إلى رشدهم، ويعودوا إلى صوابهم!

 

قضية فلسطين، ص17-19.

.