القدس والأقصى / عين على الاقصى

من له الحقُّ في القدس ؟! | الشيخ محمد صالح السيلاوي

من له الحقُّ في القدس ؟!

 

الشيخ: محمد صالح السيلاوي

 

قال تعالى: "يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ" [المائدة], وقال: "وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ"[الأنبياء].

فهذه الآيات وغيرها يدل على مكانة بيت المقدس وما حولها في كتاب الله تعالى, وقد وصفها الله تارة بأنَّها مقدَّسة وتارة بأنَّها مباركة, بل إنَّ الله تعالى أقسم بها كما في سورة التِّين, وقد استمرَّت القبلة في الصَّلاة إلى بيت المقدس أكثر من أربعة عشر عاماً, من بداية تشريع الصَّلاة في مكَّة عندما أنزل الله تعالى على نبيِّه: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ, قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا" ، إلى أن فُرضت في اليوم والليلة خمس مرات في مكَّة قبل الهجرة، واستمرّت كذلك في المدينة بعد الهجرة سبعة عشر شهراً, والمسلمون يتوجَّهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، لا تصحُّ صلاتهم ولا تقبل إلا بالتوجَّه إليها، حيث مُهاجر إبراهيم ولوط، وحيث موطن الأنبياء جميعاً, وحيث صلَّى بهم النَّبيُّ ق إماماً في حادثة الإسراء والمعراج,,, وغير ذلك من النُّصوص الصَّحيحة المتواترة تواترًا معنويّا والدَّالَّة على فضيلة بيت المقدس، وعلى مكانتها عند المسلمين، مَّما لا يحتاج إلى بيانٍ وإسهاب فيه...

وسواءً قُلنا: إنَّ الذي بنى المسجد الأقصى هو إبراهيم، أو قلنا: هو إسحاق، أو قلنا: هو يعقوب، أو قلنا: هو سليمان وداود، مع أن أصحَّ الآراء في ذلك هو آدم u، حيث دلّت عليه بعض الأخبار عن السّلف، ولو قلنا جدلاً: إنَّه يعقوب، فلا يعني ذلك أنَّ اليهود أحقُّ بالمسجد الأقصى من أهل الإسلام، فإنَّ يعقوب إنّما بناه ليصلِّي فيه الموحِّدون وليس المشركون، من الَّذين قالوا: "عزيرٌ ابن الله"، فنسبوا إليه الولد, وممَّن قالوا: "يد الله مغلولة"، تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوًّا كبيرا، فيعقوب إنّما بناه تعظيماً لله، وتوحيداً لله، ولئلَّا يُعبد فيه إلَّا الله، ولم يَكُن ليسمح أو يرضى بأنْ يُصلِّي في مسجدٍ بناه هو أحدٌ من المشركين, ولو كانوا أبناءً له, لأنَّ الأنبياء جميعهم دعوتهم ليست دعوة عرقيَّة ولا شعوبيَّة, بل دعوةٌ تقوم على توحيد الله، فمن حقَّق التَّوحيد فهو من أتباعهم..

يقول تعالى:"وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِ‍ۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ".

فليست القضيَّة قضيَّة شعوب وأعراق, بل قضيَّة توحيد وإسلام, هذا إن سلَّمنا لهم أنَّهم فعلًا من ذرية يعقوب... وهيهات هيهات ذلك لهم .

ومن يزعم أنَّ اليهود لهم حقٌّ في فلسطين والقدس لأنَّهم سكنوها فترةً من الزَّمان، فإنَّ التَّاريخ يدلُّ على أنَّ أوَّل من سكن فلسطين هم الكنعانيُّون، وذلك قبل الميلاد بـ 6000 عام, وهم قبيلةٌ عربيَّةٌ قدمت إلى فلسطين من الجزيرة العربيَّة، بل وسمِّيت فلسطين باسم أرض كنعان نسبةً إليهم,, أمَّا اليهود فكان أوَّل دخولهم فلسطين بعد إبراهيم بستَّة مائة عام، أي أنَّهم دخلوها قبل الميلاد بــ 1400 عام, فيكون الكنعانيُّون قد سكنوها قبل الميلاد مدّةً تصل إلى 450 عام.

وهنا يلزم الأمريكان أن يخرجوا من أرضهم، ويتركوها للهنود الحمر، حيث سكنوها قبلهم، وقاموا هم بمطاردتهم ونفيهم تقتيلهم، حتى استولوا على أرضهم!

إنَّ الأرض كلَّها لله، خلقها الله، وخلق الإنسان عليها، لعبادته وحده لاشريك له, وليقيم عليها دينه وشريعته وحكمه.. قال تعالى: "وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ, إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ".

ومما يجب أن يعلمه المسلم أن واجبه تجاه المسجد الأقصى واجبٌ شرعيٌّ دينيٌّ، وهو امتداد لإيمانه توحيده لله تعالى, فلا يظنَّ أنَّه إذا تبرَّع له أو دعا الله له أنَّه بذلك يتفضَّل عليه .. بل لو تصوَّرنا أنَّ أهل القدس وفلسطين تخاذلوا عن الجهاد في سبيل تحريرها واستعادتها, فإنَّ المسلمين يتوجَّب عليهم أن يستمرُّوا في تحقيق وعد الله تعالى، وفي الجهاد لتحرير الأرض المقدَّسة.

.