القدس والأقصى / حقائق مقدسية

القدس عاصمة الثقافة.... وأكاذيب يهود - الحلقة الأولى

 

 

القدس عاصمة الثقافة.... وأكاذيب يهود

 

الحلقة الأولى

 

 

بدأت فعاليات الاحتفال بالقدس كعاصمة للثقافة العربية للعام 2009م التي أقرها مجلس وزراء الثقافة العرب في اجتماع مسقط عام 2006م  متأخرة بسبب الحرب على غزة ، ومع تواضع تلك الفعاليات والأنشطة لإبراز دور القدس الثقافي والعلمي والتراثي إلا أن سلطات الاحتلال حولت القدس إلى ثكنة عسكرية ، ونشرت آلاف الجنود وحرس الحدود واعتقلت عدداً من لجان إحياء الفعالية مع مسؤوليهم وداهمت عدداً من المؤسسات في القدس ؛ وتمادوا ليعتقلوا امرأتين كانتا توزعان قمصان تحمل شعار الاحتفالية!!

وعلى الرغم أن الاحتفال – وللأسف – لا يتعدى الفلكور الفلسطيني والحفلات الموسيقية !! إلا أن المؤسسة العسكرية تعاملت مع ذلك النشاط ، وكأن حرب على الكيان اليهودي اشتعلت، استدعى ذلك الأمر إصدار تعليمات من وزير الأمن الداخلي "آفي ديختر" بمنع وقمع أي محاولة لإقامة احتفالات في القدس والناصرة . 

وإن مما لا شك فيه أن المحافظة على التراث العلمي في القدس وفلسطين، والذي يتناقص يوماً بعد يوم بسبب العبث اليهودي المبرمج والسرقات المتقنة لذلك التراث الثمين، من أولويات الحفظ والتحقيق والاهتمام ، فمؤسساتنا العلمية والأكاديمية مدعوة للعمل على كتب التراث الإسلامي وقطع الطريق أمام الأكاديميين اليهود ، الذين يجمعون ويسرقون ويحققون وينشرون تاريخنا وتراثنا ، ونحن نقف مكتوفي الأيدي !!

وقد تنوعت أساليب اليهود والمستشرقين في نقض مكانة المسجد الأقصى، والعمل على التشكيك في قداسته عند المسلمين ، إلا أن جهود اليهود ما زالت تتظافر للوصول إلى الغاية المنشودة عندهم، وهي: التدليل على المكانة الهامشية التي تحتلها مدينة القدس وبيت المقدس في الشريعة الإسلامية، ومقابل ذلك السعي لإثبات أهميتها ومكانتها المركزية في التصورات اليهودية!!

رادفه جهد كبير يبذله مستشرقون يهود وآخرون غربيون يشايعونهم، بغرض إظهار أن لا مكانة مميزة لبيت المقدس في صدر الإسلام!! ولم يكن ذا أهمية شرعية أو حضارية للمسلمين الأوائل، وأن فتح بيت المقدس كان طارئاً؛ ولم يكن مقصوداً لذاته!! والاستدلال على ذلك بمرويات واهية وساذجة لا يُعتد بها!

ولعل ما أهم ما يكون في مقدمة العمل المطلوب كمساهمة في معركة الدفاع عن المسجد الأقصى بالجهد العلمي الرد على شبهات اليهود وأكاذيبهم وخداع أعوانهم من المستشرقين والفرق الباطنية في التشكيك والتهوين من مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين. ولذا ارتأينا أن نذكر تلك المزاعم – على حلقات – والتي أشاعوها ووجدت آذاناً صاغية تلاقفتها ونشرتها؛ وقد ألحقناها بالردود عليها ما أمكن من غير تطويل، بغية كشف الحقائق، وحتى يزول الخداع والغشاوة، ويعي الجميع حجم المؤامرة والخداع الذي يحاول أولئك الأفاكون تسطيره وإثباته في مؤلفاتهم !!

 

وأول تلك الأكاذيب قولهم:  أن أهل العلم - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - أنكروا إعطاء قداسة للمسجد الأقصى، وحذروا من القصاصين ووضع أحاديث الفضائل!!

 

ونرد على زعمهم بالآتي : جَهْلُ هؤلاء في علم الحديث جعلهم يتخبطون «كحاطب ليل» فلأنهم حصروا بحثهم لهدف واحد وهو: التهوين من مكانة المسجد الأقصى، لذلك ظنوا أن تحذير علماء المسلمين من البدع التي ابتدعها الناس في المسجد الأقصى، هو إقرار أن لا مكانة للمسجد الأقصى عند المسلمين!! 

فالعلماء، نعم حذروا من القصاصين الذين جعلوا للمسجد الأقصى فضائل لم تثبت سنداً ولا متناً... وجيش المشككين رددوا هذا التحذير بإلحاح على أساس أنه حقيقة مسلمة غير قابلة للطعن أو المناقشة!! ورتبوا على ذلك نتائج تندرج كلها في إطار الانتقاص من مكانة القدس، والتهوين من شأنها في الإسلام.

وقالوا: إن ثمة معارضة قد برزت بين المسلمين منذ القدم لتعظيم حرمة المسجد الأقصى، وعبر « إسحق حسون» -الباحث اليهودي- في مقدمة تحقيقه لكتاب «فضائل البيت المقدس» للواسطي؛ عن هذا الاتجاه فقال: «إن مضمون هذه الأحاديث يؤكد حقيقة وجود بعض المعارضة في صفوف علماء المسلمين في النصف الأول للقرن الثاني للهجرة للاعتراف اعترافاً كاملاً بحرمة المسجد الثالث، وإعطاء بيت المقدس مكانة مساوية لمكانة المدينتين المقدستين في الإسلام وهما مكة والمدينة»!!

واتكأ هؤلاء المشككين على رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية مسماة: «قاعدة في زيارة بيت المقدس» واتبعهم في ذلك غالبية المستشرقين، الذين اتخذوا من مادتها وسيلة للنيل من مكانة القدس والمسجد الأقصى، ودليلاً على مكانتهما الهامشية في الشريعة الإسلامية!!

والحقيقة الجلية أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يقلل من مكانة المسجد الأقصى، بل أثبت مكانته الصحيحة وفضائله العديدة، وأجر الصلاة فيه، وشد الرحال إليه، وحذر من البدع والمبالغات في هذه الفضائل؛ التي أشاعها بعض القصاصين الذين غلوا في مكانة المسجد الأقصى... بل إن تخصيص شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة عن زيارة بيت المقدس يدل على مكانته في نفوس المسلمين المستمدة من صريح كلام الله -تعالى- وصحيح السنة النبوية، في فضله وعظم شأنه. 

فَفَهِمَ – هؤلاء الحاقدون - من قول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما المسجد الأقصى فهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وهو الذي يسميه كثير من العامة اليوم: الأقصى... والأقصى اسم للمسجد كله، ولا يسمى هو ولا غيره حرماً، وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة... وقد ثبت أن عبد الله بن عمر كان إذا أتى بيت المقدس دخل إليه، وصلى فيه، ولا يقرب الصخرة ولا يأتيها، ونقل عن غير واحد من السلف المعتبرين، كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهم.. »؛ أن هذا انتقاصاً للمسجد الأقصى، وإقراراً بأن لا فضيلة له على غيره!!

وقد عارض علماء المسلمين الأحاديث الموضوعة المفرطة في تقديس هذه الأماكن، ومنهم شهاب الدين المقدسي صاحب كتاب «مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام»، فقد أنكر تلك العبارات من القصاص والوضاعين لغلوّهم في الحديث عن قداسة المسجد الأقصى.

وكذلك أنكر عبد الله بن هشام الأنصاري صاحب كتابه «تحصيل الأنس لزائر القدس» ذلك بقوله: « قد بلغني أن قوماً من الجهلاء يجتمعون يوم عرفة بالمسجد، وأن منهم من يطوف بالصخرة، وأنهم ينفرون عند غروب الشمس، وكل ذلك ضلال وأضغاث أحلام ».

وما تدل عليه عبارة الأنصاري: أن تجاوزات وقعت وتقع لبعض عامة الناس في تقديس المسجد الأقصى. فكان رفضاً واضحاً من علماء المسلمين لهذه التجاوزات، وتحذيراً للعامَّة منها.

وهذه الكتب « قاعدة في زيارة بيت المقدس »، و« مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام »، و « تحصيل الأنس لزائر القدس» جمع فيها الكثير من فضائل القدس والمسجد الأقصى في آيات كريمة خصته وبيتَ المقدسِ بالبركة والفضيلة، وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتب الصحاح والسنن من الأحاديث التي نصَّت على ما حباه الله -تعالى- من الخير والبركة.

وألحقوا بتلك الفضائل أبواباً في التحذير من الأحاديث الموضوعة والمكذوبة التي لا تصح سنداً ولا متناً، وتنبيهَ الناس على أمر هذه التجاوزات. وهذا عند ذوي الألباب لا يقلل من المكانة الصحيحة للمسجد الأقصى وأرض المسرى، فمقصد العلماء أن بركة المسجد الأقصى ثابتة بالكتاب والسنة، ولنا غنى في الصحيح منها عن الموضوع (المكذوب).

وكما قيل: مهما جلس ذوو الألباب يتحدثون بفضائل المسجد الأقصى؛ فلن ينتهوا إلى ما انتهى الله إليه في قوله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله".

 

عيسى القدومي

.