دراسات وتوثيقات / دراسات وبحوث

واعتصموا




واعتصموا





بقلم: رائد محمد الدبعي
المقال الحاصل على المركز الرابع في مسابقة أفضل مقال في القضية الفلسطينية.




      ما من طرفٍ على الساحة الفلسطينية، منذ مطلع القرن الماضي، وبداية عهد الاحتلال البريطاني لفلسطين، سواء كان يتخندق خلف شعار ديني، أو وطني، سواء كان يساريا، أو يمينيًّا، إلا ويتخذ من الوحدة الوطنية، شعارًا، ومتراسًا للاستقطاب، ووسيلةً للتجنيد، وحشدِ الأنصار، وتأجيجِ المشاعر، وإلهابِ العواطف، وتوجيهِ القذائف الكلامية، وتسجيل النقاط في مرمى الخصم.

     ولو كان النصر يتحقق بالخطب والشعارات، لما كان بيت المقدس يَئِنُّ تحت حراب الطغاة الصهاينة، منذ ما يربو عن نصف قرن، ولو كنا نعتبر ونتبصَّر، لتفكَرْنا وأنصتنا لقوله تعالى: "وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " [1]؛ لنعلم أن  العمل، لا الخطابات العرمرمية، ولا الشعارات  الجوفاء، هي طريق الخير والخلاص الفردي، والجماعي، في الدنيا والآخرة، وأن الوحدة، والتكاتف، ورص الصفوف، هي الطريق الأجدى لمواجهة التحديات التي تعصف بوجودنا، ومستقبلنا، امتثالا لقوله تعالى: "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً " [2]، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ، إلا أننا وللأسف، لا زلنا نقتبس أخطاء الماضي بكل سذاجة وسطحية، ونكرر عثرات الأجيال السابقة دون اعتبار، مما يضع القضية الفلسطينية، بكل أبعادها، في مواجهة خطر التهويد، والإلغاء، والتهميش، ويهدد وجود الجيل الفلسطيني الثالث والرابع في أرض الآباء والأجداد؛ إذ لا زالت حالة الفرقة، والتشرذم، والانقسام، والقبلية، والحزبية، تنخر وَعْيَنا، وتصفع مقومات صمودنا، وتنفذ كالسرطان في خلايانا الدفاعية، ممثلة بوحدة شعبنا، وتضامنه، وتكاتفه أمام كل الأطماع الصهيونية والتهويدية، منذ ما يقارب القرن من الزمن، إذ لا يزال مسلسل الاحتراب الفلسطيني، يكرر نفسه، في حين يتقدم المشروع  الصهيوني التوسعي بشكل مضطرد، وخطى متسارعة. 

   انهيار الدولة العثمانية بداية لانفراط العقد

على الرغم من كل الملاحظات، على سياسة الدولة العثمانية تجاه العرب، وتبنيها لسياسات مركزية، إلا أن الفلسطينيين تحت الحكم العثماني كانوا يشعرون بالمواطنة، والانتماء الوطني؛ إذ إن سياسة الدولة العثمانية كانت تقوم على الإشراف، والتبعية، في ظل الخلافة الإسلامية التي مركزها الأستانة، بعيدا عن الهيمنة، والاحتلال العسكري، إذ تبعت فلسطين حتى انهيار الخلافة العثمانية ولاية الشام، وهي واحدة من ثلاث ولايات أنشأها العثمانيون في بلاد الشام، بالإضافة إلى حلب وطرابلس. وضمت خمسة ألوية هي: غزة، واللجون، وصفد، ونابلس، والقدس، وجرت العادة على أن إبقاء الإدارة اليومية للألوية بيد الأمراء المحليين في فلسطين وغيرها، مقابل الاعتراف بالسلطة العثمانية، والتعهد بحفظ الأمن وجباية الضرائب[3].

    ما من شك، بأن الدولة العثمانية قد شكلت سدًّا أمام استغوال مخطط الحركة الصهيونية في فلسطين، وأن مواقف عدد من سلاطينها مثل عبد الحميد الثاني قد ساهم في عرقلة جهودها نحو تهويدها، إذ أصدر عددًا من الفرمانات، كان نص أحدها بتاريخ  21 ذي القعدة 1308-1891 " بأن قبول اليهود الذين طردوا من كل مكان ، في الدولة العثمانية ، سيؤدي في المستقبل إلى تشكيل حكومة يهودية ، فينبغي أن يتخذ مجلس الوزراء العثماني قرارًا قطعيًّا بخصوص تفاصيل هذا الأمر ، برد جميع اليهود الذين سيدخلون فلسطين " ، وبأن انهيارها، قد ساهم في تسارع عمليات التهويد لفلسطين.

 فلسطين تحت الحكم المصري، وبروز الانقسامات العائلية 1832-1840

 انتهج إبراهيم باشا في بداية حكمه ذات النهج العثماني؛ إذ أبقى معظم مشايخ نواحي جبال نابلس والقدس الذين تعاونوا معه، كما استحدث مجالس الشورى في المدن، لإشراك الأعيان والعلماء في أمور الحكم، قبل أن يقمع الثورات الشعبية ضد سياسة التجنيد الإجباري، والضرائب الباهظة، مستغلًّا حالة الصراع  المستشري بين العائلات المتنفذة في  القدس، وجبل نابلس، مثل آل عبد الهادي، في نابلس، وأبو غوش في القدس، وجرار في جنين، وغيرها من العائلات التي كانت تتصارع على القيادة والنفوذ، وهو الأمر الذي أدى لإفشال الثورة، وإعدام رموزها، وخضوع فلسطين من جديد للحكم المصري، الذي فرض غرامات باهظة على الناس تحت شعار تمويل الجيش، وساق الآلاف من المواطنين والشباب إلى التجنيد الإجباري، في مصر وغيرها من الجهات.

  بحيث ساهم فشل الثورة، وانقسام المواطنين، إلى  فتح شهية  الدول الاستعمارية العظمى في فلسطين، تحت ذريعة حماية الطوائف؛ فافتتح الانجليز أول قنصلية أوروبية في القدس سنة 1838، تلتها  بروسيا سنة 1841، ومن ثم فرنسا  سنة 1843، وأمريكا سنة 1844، فالنمسا  سنة 1849، وأخيراً روسيا سنة 1858،  وهو الأمر الذي ساهم في توسع الأنشطة التبشيرية، والبدء الفعلي في تنامي المشروع الصهيوني،  إذ قام  المليونير اليهودي موسى مونتفيوري  بزيارة فلسطين سنة 1839، وبدأت منذ تلك الفترة مؤامرات الاستيطان اليهودي بها، من خلال تواطؤ القناصل بموجب الامتيازات القنصلية التي كانت تمس بسيادة الدولة العثمانية، [4] في ترجمة لحكمة الله في كتابه الحكيم "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" [5].

إذ إن الوعي الفلسطيني، بالأخطار المحدقة بفلسطين، وحملات الاحتجاج الواسعة ضد الهجرة الصهيونية، والموظفين العثمانيين المتواطئين معها، وكذلك الدور التنويري للإعلام الفلسطيني، بخطورة الأطماع الصهيونية، لم تَحُل دون وقوع المحظور، وسقوط فلسطين تحت براثن المحتلين من جديد.

 

-        الاحتلال البريطاني وتعميق الانقسام  

 

    سقط الفلسطينيون كغيرهم من العرب ضحايا لرؤاهم القاصرة، وأفقهم المحدود، إذ توهموا أن قتالهم إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، سيكفل لهم الاستقلال عن الدولة العثمانية، وتقرير المصير، في مشهد يظهر ضحالة وعيهم، وسذاجة تفكيرهم، إذ كان يكفي الاطلاع على سياسة بريطانيا في الهند، أو جنوب إفريقيا في تلك الفترة، للتيقن أن كل الوعود البريطانية وهم وسراب، وأن التعويل عليها هو السذاجة بعينها، فبدلًا من أن يرث العرب والمسلمون الحرية والاستقلال، وحق تقرير المصير، فقد كانت مؤامرات التفتيت، والتقسيم، والحوصلة، من خلال سايكس بيكو، أو وعد بلفور، أو غيرها من سياسات ساهمت في تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين هي قدرهم المحتوم.

   عملت بريطانيا منذ احتلالها لفلسطين على فرض سياسة "فرِّق تَسُد" إذ غذَّت الصراع العائلي، ووفَّرت الأجواء الكفيلة بتمزيق النسيج الاجتماعي، وإجهاض أي فرصة للوحدة، والتعاون، بين قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، مؤجِّجة نوازع الفرقة، والبغضاء، ومغذية كل عوامل استمرارها؛ إذ عملت على ضمان تقلد الحاج أمين الحسيني منصب الإفتاء، ورئاسة المجلس الإسلامي الأعلى،  مقابل تقلد راغب النشاشيبي، خصمه اللدود موقع رئاسة بلدية القدس، مما قاد نحو صراع سياسي مرير، بين الحزبين الرئيسيين آنذاك، الممثلين بالحزب العربي الفلسطيني بقيادة الحسينيين، وحزب الدفاع الوطني بقيادة النشاشيبي، وإيجاد العشرات من الأحزاب المتصارعة الأخرى، "كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ "[6]، والتي ساهمت بشكل جلي  في تفتيت الموقف الفلسطيني، وكرست الشرذمة والانقسام،  وهو الأمر الذي كلفنا خسارة 78% من مساحة فلسطين الانتدابية، وهو الأمر الذي سيطر على العقلية الفلسطينية منذ ذلك الحين، والقائمة على محاولة كل قائد مرحلة تغييب القائد الذي سبقه؛ فبعد أفول نجم الحاج أمين الحسيني القائد الأبرز للحركة الوطنية الفلسطينية،  وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، قال له أحمد الشقيري، ردًّا على رفضه الانضواء تحت مظلتها عام 1964، وتمسكه بشرعية "الهيئة العربية العليا" ، اتعظ بعثمان يا حاج أمين، وهو الأمر الذي تعرض له الشقيري نفسه بعد إقصائه عن قيادة منظمة التحرير.

 

-        الانقسام الحالي هو الأكثر خطورة

على الرغم من أن الانقسام الفلسطيني الحالي، والذي يشارف عامه العاشر، ليس الأول في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، إنما هو بلا شك، الأخطر، والأقسى، والأصعب، في التاريخ الفلسطيني المعاصر، كونه أصاب النسيج الاجتماعي الفلسطيني في مقتل، وأصاب وحدة  النظام السياسي، وكرَّس انفصال الضفة الغربية عن قطاع غزة،  مما عمق الشرخ بين جناحي الوطن، وأضعف قلبه الممثل بالقدس الشريف، وأطرافه الممثلة بالشعب الفلسطيني في الشتات، بالإضافة إلى أنه أعاد تشكيل سلم الأولويات؛ إذ إن سوسة الانقسام التي نخرت مقوم صمودنا الأهم، وهو سلامة جبهتنا الداخلية، قد شوَّهت المفاهيم، وأخضعتها لقوانين الفرقة والاحتراب البيني، بحيث تحَوَّل شركاء الدم، والقضية والمصير إلى خصوم، فيما تحول الخصوم إلى أعداء، وهو الأمر الذي مهد الطريق للعدو الحقيقي، المتمثل بالاحتلال الصهيوني للانفراد بالأرض الفلسطينية، وتهويدها، واقتلاع مئات الآلاف من أشجار الزيتون المباركة، وتوطين المغتصبين من المستوطنين، بدلًا من سكان الأرض الأصليين، في مشهد يدمي القلب، ويحرف مسيرة المقاومة والنضال عن بوصلتها الحقيقية، ويوجه البوصلة نحو وجهات مشبوهة جميعنا بها في خندق الخاسرين؛ ليحق بنا قول الشاعر:

مَنْ يَهُنْ يَسْهُل الهَوَانُ عَلَيه                ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ

      ختامًا، ما لم نعتبر من مآلات تجاربنا السابقة، ومن نتائج الصراعات البينية، التي أورثتنا هزائم تلو الأخرى، وما لم نعمل معًا، نحو إنهاء حالة الانقسام الدامي التي تخترق قلب الوطن، وتنهش من لحم أبنائه، ومستقبل أجياله القادمة، فإن مستقبلنا، ومستقبل أجيالنا القادمة يبقى في مهب الريح، ويصبح وجودنا في أرضنا عرضة للخطر، مما يمهد -لا سمح الله- نحو تحقيق مخططات الحركة الصهيونية، القائمة على تهويد القدس، وبناء هيكلهم المزعوم، حينها لن ينفع ندم ولا دموع.

"وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ"[7].                                                                    



[1] سورة الزخرف: الآية 72. 

[2] سورة آل عمران: الآية 103. 

[3] أبراش، إبراهيم: البعد القومي للقضية الفلسطينية: فلسطين بين القومية العربية والوطنية الفلسطينية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1987، ص 16. 

[4] الوعري، نائلة: دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين 1840-1914، دار الشروق، رام الله، ط1،2007 .

[5] سورة الانفال: الآية رقم 46.

[6] سورة الروم: الآية رقم 32.

[7] سورة آل عمران: الآية رقم 105.

.