فلسطين التاريخ / الواقع والمأمول

مصر الجديدة وجدلية العلاقة مع الكيان الصهيوني

 

 

مصر الجديدة وجدلية العلاقة مع الكيان الصهيوني

 

غزة – سامر الحاج

 

 

بعد أيام صعبة مرت بها مصر في مخاض عظيم، أدى إلى تحول لم يسبق له في التاريخ القريب، ولعل مؤشراته تشير إلى تغير قادم لوجه المنطقة ككل، نسأل الله تعالى أن يكتب فيه الخير للإسلام والمسلمين، وأن يجنب المسلمين ودولهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.

الأيام القادمة لابد أن تحمل الكثير لمن أراد أن يكون في سدة الحكم ويريد إدارة زمام الأمور، وهنا لا بد من التذكير بالأطراف والقضايا التي لها علاقة قوية مع الأحداث التي وقعت في مصر وتهمنا هنا في قطاع غزة وفلسطين بشكل عام:

أولاً : فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية :

أكثرت وسائل الإعلام من تحليل الأسباب التي دفعت الشباب المصري للتظاهر ضد النظام ، كان في جلها أسباب اقتصادية وفساد وسرقة أموالهم ، لكن هناك أمر هام –لابد أن يؤخذ بعين الاعتبار- وهو سياسة مصر تجاه القضية الفلسطينية، ومشاركتها من حيث تدري أو لا تدري في حصار غزة، فضلاً عن الحرب الأخيرة عليها والتي تم إعلانها من قلب العاصمة المصرية على لسان وزيرة خارجية الكيان الصهيوني تسبي لفني في تلك الفترة، وصولاً إلى جدار فولاذي لخنق غزة أكثر ...  هذه القرارات كانت تحديا سافراً لما يجيش في نفوس الشعب المصري الذي لا يزال على المستوى الشعبي يرفض التعامل مع الكيان الصهيوني.

وعلى الرغم من مرور عقود على اتفاقية كامب ديفيد، إلا أن الشعب المصري لا زال يتطلع إلى تحرير فلسطين خصوصاً مع وجود صحوة إسلامية مباركة في الوسط المصري عجزت عن كبح جماحها كل القرارات الظالمة، فضلاً عن الإجراءات الأمنية السابقة.

إذن مما سبق يتضح جلياً أن سياسة مصر الخارجية تجاه القضية الفلسطينية ووقوفها بجانب المحتل كانت من العوامل التي مهدت بما لا يدع مجالاً للشك له دور فاعل وقوي جداً في التمهيد لتأجيج مشاعر المصريين لبلورة موقف مغاير لما سارت عليه هذه السياسة.

 

ثانياً: فيما يتعلق بالولايات المتحدة :

الولايات المتحدة - على الرغم ما قدم لها من قبل النظام السابق - لم تقدم له شيء بل على العكس ناضلت حتى تبقى في المنطقة الرمادية ولم تقف نهائياً مع نظام تعاون معها على مدار ثلاثة عقود ، فهكذا هي الولايات المتحدة وهكذا هي سياسة الغرب هي البحث عن مصالحه والتخلي عن أصدقائه في خضم الأزمات .. وبالتالي فإن المراهنة على الولايات المتحدة الأمريكية وتقديم الخدمات لها لا يمكن أن يكون في يوم من الأيام  سبباً في الحصول على الدعم والاستقرار والبناء، بل هي دول لا تقدس إلا مصالحها .

ثالثاً: الكيان الصهيوني واتفاقية كامب ديفيد :

لم تحترم دولة اتفاقاً كما احترمت مصر اتفاقيتها مع الكيان الصهيوني ، وحوّلت إنجازات حرب 73 وكأنها استسلام للكيان الصهيوني ، وباتت سيناء التي حررت مرتعاً للصهاينة ومخابراتهم، فيما لم يزدد المصريون إلا فقراً وقهراً وتوريداً لأموالهم إلى الكيان الصهيوني ، ولعل أبرزها الغاز المصري الذي كان يصدر ولا زال يصدر بثمن بخس في ظل الارتفاع العالمي للمحروقات ، بل ومنعه عن أهل غزة، حتى أن هذا التقرير يكتب على دوي مولدات الكهرباء المنقطعة عن غزة.

إن إعادة النظر بشكل جدي تجاه اتفاقية كامب ديفيد المشئومة حيث يتوجب على القيادة المرتقبة أن تنظر بعين المتفحص إلى علاقتها مع الكيان الصهيوني، فالعلاقة مع الكيان الصهيوني هي أحد العوامل الأساسية والفعالة التي أدت إلى فقدان الشعب المصري لمصداقية قيادته، حتى جعلها تتخلى عن إنسانيتها بقرارها الأخير المتمثل في بناء جدار فولاذي على شعب محاصر في غزة  فضلاً عن العلاقة بينه - بمفاصله الاقتصادية - مع الكيان الصهيوني ، والتي أدت بدورها إلى  تدهور الوضع الاقتصادي ، حيث مثل ذلك جسراً للكيان الصهيوني لنهب ثروات الشعب المصري وبيع ممتلكاته إلى أعدى أعداء الأمة.

وقد عملت جهات لها علاقة قوية مع الكيان الصهيوني بقوة لتنفيذ سياسة الاحتلال في مصر، وذلك من خلال سياسة الإذلال والقهر التي تمارس ضد الفلسطينيين في المعابر والمطارات، والتحقيقات التي كانت دوماً تسأل عن الأسلحة الخاصة بالمقاومة ، والبحث عن مكان الجندي جلعاد شاليط ، وأماكن المقاومة الفلسطينية وتحركاتها.

رابعاً: السلطة الفلسطينية:

العلاقة الإستراتيجية بين حكومة رام الله والحكومة المصرية ، والتي أثبتت تسريبات الوثائق الأخيرة أنها كانت تلعب دوراً كبيراً في دفع الفريق المفاوض لتقديم مزيد من التنازلات ، فضلاً عن دور واضح لجهات مشبوهة في تسليح وتدريب أطراف فلسطينية ضد أطراف فلسطينية ، ولا شك أن هذا جعل رد فعل السلطة الفلسطينية باهتاً مرتبكاً في الفترة التي سقط فيها النظام.

مرتكزات وتحذيرات:

وفي هذا المقام نركز على ما يلي :

1.      إن أية حكومة قادمة أو رئيس مرتقب لمصر عليه أن يأخذ في عين الاعتبار أن المحافظة على  الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني لن تجلب له إلا نفس المصير الذي حل بالنظام السابق، وبدا واضحاً كيف تخلت أمريكا والكيان الصهيوني عن أقرب حلفائهم في المنطقة ، وبالتالي عليها أن تضع تطلعات جماهيرها التي تنبض حباً لفلسطين من منظور شرعي وأخوي لا يجادل فيه اثنان.

2.      نعلم جيداً أن ترتيب أوراق البيت المصري وإعادة الاقتصاد المصري من غرفة الإنعاش يحتاج وقتاً طويلاً، والتحديات التي  يواجهها على صعيد القضية الفلسطينية ورفع الحصار عنه ربما سيأخذ وقتاً من قبل القيادة الجديدة ، ولكن في النهاية ما يجب أن يكون هو قرار لصالح الأمة بأسرها لا قرار يتفق مع الرغبة الأمريكية والصهيونية.

3.      مما لا شك فيه أن هناك أطرافًا صهيونية ستحاول الزج بنفسها وبأفكارها في الوسط المصري مع استخدام الأوراق الغربية للضغط على القيادة المصرية المرتقبة لتنفذ نفس السياسات السابقة ، حيث بات من العار الحديث عن  القضية الفلسطينية  وحصار غزة مع  المصريين الذين لم ولن يرضوا في يوم من الأيام تجويع الشعب المحاصر في قطاع غزة وتضييع القضية الفلسطينية.

4.      إن أي قرار يتعلق بالشأن  الفلسطيني لابد من دراسته جيداً وأن يضع هذا النظام على سلم أولوياته اجتثاث الكيان الصهيوني الغريب من هذه الأرض ويجعله أمراً أساسياً في أجندته، وإن كان سقف التوقعات من القيادة الجديدة لا يمكن التنبؤ به وهذا بلا شك سيجعل سقف التوقعات غير مفاجئ  ... وهذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة .

 

 

.