فلسطين التاريخ / الواقع والمأمول

التاريخ شاهد ومشهود

 

التاريخ شاهد ومشهود

 

 

في هذه الأيام التي نعيش فيها العدوان على غزة فإننا شهود للتاريخ على ما يجرى فيها والتاريخ سيكون شاهداً علينا لبيان ماذا صنعنا لغزة.

وحتى لا تذهب هذه الدماء الزكية هدراً فإن خير ما ينفع أمتنا بعامة وأهل غزة بخاصة ، هو أن يكون لنا موقف إيجابي في تغيير حالتنا من الضعف إلى القوة، لأن الجميع متفق أن ضعفنا الإيماني والأخلاقي والعلمي والثقافي هو سبب الاعتداء والعدوان على أرضنا ومقدساتنا وثرواتنا، وأن حيازتنا للقوة هو مفتاح نصرنا.

يحدثنا التاريخ أن قوة الأفراد والمجتمع القوة الإيمانية والعلمية والأخلاقية كانت السبب في تحقيق الإنجازات، فهذا صلاح الدين الأيوبي ومساعدوه حين حاصر الصليبيون في قلعة عكا، واستخدم  الإفرنج في محاولة اقتحام القلعة ثلاثة أبراج ضخمة ومنيعة، وكانت من الضخامة بحيث أنها تتسع لأكثر من خمسمائة مقاتل والمصنوعة من الحديد والخشب وغطيت بالجلود المنقوعة بالخل حتى لا تنفذ فيها النار، وكانت سلاحاً جديداً لم يعهد من قبل، فبادر وتطوع لتدمير هذه الأبراج والحصار قائم شاب مغمور لم يحفظ التاريخ اسمه فطلب توفير بعض المواد الكيميائية، وبأمر صلاح الدين أحضرت له فصنع منها مادة أحرقت هذه الأبراج وأفسد على الإفرنج اختراعهم، ولم يكن لصلاح الدين أن يحصل على هذا الاختراع بهذه السرعة لولا أنه لم يبدأ مسيرة الجهاد العسكري إلا عقب أن نشر العلم والثقافة وأصلح الأخلاق في الأمة.

وأما تاريخ عدونا ففيه أن أول رئيس لإسرائيل حاييم وايزمن ما استطاع الحصول على تأييد القوى العظمى آنذاك لولا اكتشافه مادة "الاتسيتون" التي تساهم في عملية التفجير والتي استخدمتها بريطانيا في الحرب العالمية الأولى.

إن العمل على تحصيل أسباب القوة في المجالات الإيمانية والعلمية والأخلاقية محل إجماع، لكنه يحتاج إلى برنامج عمل شعبي ليتحول إلى ثقافة مجتمعية عامة، وهذه مسؤولية الجميع: الدولة والمجتمع بمؤسساته وأفراده، ولا تعذر جهة بسبب تقصير جهة أخرى.

وعلى تعزيز وتقوية هذه الجوانب يجب أن تتركز المبادرات والاقتراحات، ذلك أن غالب المعالجات التي قدمتها وعرضتها وسائل الإعلام الجادة والشريفة، كانت معالجات عاطفية وانفعالية مطلوبة في لحظة الحدث، إلا أن الواجب استثمار مثل هذه اللحظات المصيرية لبداية مشاريع ومبادرات جادة طويلة المدى ومطلوبة، وتقوم بها المؤسسات الأهلية التي نراها تتصدر المشهد في المسيرات والاحتجاجات لأن هذا هو الرد الحقيقي على العدوان، إذا كانت هزيمة 67 كانت شرارة بداية الصحوة الإسلامية فليكن العدوان على غزة بداية لسلسلة من المبادرات المطلوبة على الصعيد العلمي والأخلاقي والديني أيضاًُ بما يمكن أمتنا من تعزيز قوتها ونهضتها.

لأن هذا الغضب إذا لم يستثمر على الوجه الصحيح فسيكون بوابة للهلاك إما باليأس والضياع والشعور بالهوان وهذا ما يريده عدونا، أو من خلال التهور والغضب المنفلت الذي يدمر نفسه وأهله وهو يظن أنه يحميهم!

من هذه المبادرات المطلوب تبنيها والقيام بها:

- تضمين مناهج التعليم الحث على العلم وفضائله، وتعليم الطلاب أسس القراءة والمطالعة، وتوعيتهم بأهمية الوقت وكيفية الاستفادة منه، وتدريبهم على التفكير وحل المشكلات.

- جعل مكتبات المدارس أكثر مرافق المدرسة استخداماً بدل ملاعبها، بفتح أبواب المكتبة طوال السنة وبعد انتهاء الدوام لمن يرغب من الطلاب، مع إعداد المسابقات والمحفزات للمطالعة.

- تجهيز حافلات مجهزة بالكراسي والقصص والهدايا للطلبة في القرى البعيدة والصغيرة لتعويدهم على القراءة. 

- القيام بحملات أخلاقية بوسائل متعددة تحارب الغش والكذب والخيانة وغيرها من النقائص.

- دراسة التجارب الناجحة في ماليزيا وتركيا، ومحاولة تعميمها في مجتمعاتنا.

- قيام أساتذة الجامعات وطلبة الدراسات العليا بأبحاث تخدم المجتمع مع قيام الدولة والمصانع بالاستفادة منها وتطبيقها.

- دعم الصناعة المحلية وتحسين مستواها، من خلال توجيه الجامعات لحل مشاكلها، وإنتاج وتطبيق المبتكرات المحلية.

أعتقد أن المؤسسات الأهلية كالجماعات والأحزاب والنقابات والجمعيات تستطيع أن تتبنى بعض هذه المشاريع وتعمل عليها لتصبح ثقافة مجتمعية عامة، خاصة إذا تجاوزت المعيقات الرسمية من البيروقراطية والروتين والترفع عن الصراعات الحزبية والمناكفات الشخصية، التي جعلت مخرجات هذه المؤسسات الأهلية لا تتميز عن مخرجات الجهات الرسمية غالباً، وأعتقد أن مؤسساتنا الأهلية إذا حسنت من أدائها سيكون عندنا مجتمع قوي بدينه وأخلاقه وعلمه، مجتمع قوي وحي يستطيع أن يجد حلولاً ناجحة لمشاكله الداخلية والخارجية، بدل حلول الحكومات والمعارضة العقيمة، ولنصرة بهذا غزة وفلسطين والأمة أضعاف الاكتفاء بالشجب والتنديد والمسيرات وحملات الإغاثة.

 

    أسامة شحادة

 

 

.