6/15/2008


وقفة وجل مع حدث جلل.


 

وقفة وجل مع حدث جلل

 

 

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:

إن الحدث إذا كان عظيماً كثر ناقلوه وعظم حاملوه لذلك ما من عجب أن ترى السواد الأعظم بجميع خلطائه وشتى أشكاله يتحدث عنه والكل ينهل من منهله ويغرف من معينه ولكن شتان بين المعين الصافي النابع من وحي القرآن وبين المعين الصادر من وحي الشيطان0

أعود فأقول: إن الحدث السابق ذكره هو ما يسمى بنكبة عام 1948م وإنما بنيت الفعل للمجهول لأنني ألحظ كما يلحظ غيري أن الإعلام  العربي يضخم حدثاً على حساب حدث آخر فيغدو التفات الناس إليه دون ما سواه مع أن كثيراً من الأحداث التي أهملها تضاهيه فداحة وتساويه خسارة، ولربما يقول قائل: إن الحديث عن النكبة قد ولى الأدبار ولم يعد مجدياً فقد تكلم فيه العالم والجاهل والصديق والعدو ولكن من تأمل حال أرباب المقالات وأصحاب الكتابات عن النكبة وجد أن الكثير يسردون بلا اعتبار ويستدلون بلا اعتبار وأعوذ بالله أن أكون من الذين يزكون أنفسهم ولكن شيئاً في خلدي دار، أمسك قلبي وأخذ لبي  فأحببت أن ألفت إخواني المسلمين إلى أمرين هامين في هذه الإطلالة الأليمة.

الأمر الأول: لقد فهموا حقيقة الصراع فمتى نفهم؟!!

من كان يظن أن اليهود يتطلعون إلى وطن قومي لهم في فلسطين قبل حوالي قرن من الزمان دون أي بلدة أخرى من بلدان العالم على حين غفلة من المسلمين استملكت قلوبهم وعقولهم ولكن أغلب الظن أننا لا نعرف المؤامرة إلا بعد وقوعها وتنفيذها ونلدغ من الجحر ذاته ألف مرة ولا نفيق وذلك لضعف الإيمان في قلوبنا فقد قال عليه الصلاة والسلام :" لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين" متفق عليه.

إن بؤرة الصراع بينا وبين اليهود قديمة جداً وهذا الفهم الحقيقي للصراع-الذي لم ندركه بعد- هو الذي حرك ثيودر هرتزل الذي تولى الزعامة اليهودية أن يعقد مؤتمراً يضم زعماء اليهود حول العالم في مدينة بال في سويسرا عام 1897م – 1315هـ وقرر فيه ما يلي:

1-إنشاء دوله يهودية في فلسطين تجمع اليهود من شتاتهم حول العالم.

2-إنشاء المنظمة اليهودية العالمية.

3-تقويه الروح القومية بين اليهود.

4-الاهتمام بنشر وتدريس اللغة العبرية بين جميع يهود العالم0

5-إنشاء معهد عالي للدراسات العبرية في يافا ويهتم بدراسة التاريخ العبري وآدابهم.

6-وضع شعار العلم  الرسمي للدولة اليهودية ونشيدها الوطني.

7-يدفع كل يهودي يعتنق المبادئ الصهيونية مبلغ يدعم به الحركة الصهيونية.

وفي عام 1902 تقدم اليهود بعرض مغر للسلطان عبد الحميد يتعهد بموجبه أثرياء اليهود بوفاء جميع ديون الدولة العثمانية وبناء أسطول لحمايتها، وتقديم قرض بـ(35) مليون ليرة ذهبية لخزينة الدولة العثمانية المنهكة، إلا أن السلطان رفض العروض وكان رده كما جاء في مذكرات ثيودور هرتزل: (انصحوا الدكتور هرتزل ألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، لأني لا استطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني بل ملك شعبي، لقد ناضل شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمائه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت إمبراطوريتي يوماً فإنهم يستطيعون أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من الإمبراطورية  الإسلامية، وهذا أمر لا يكون، فأنا لا استطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة .. ) .

وعندما أيقن اليهود بفشل جميع المحاولات الممكنة بدؤوا بالعمل على إسقاط الخلافة العثمانية، حيث استطاعوا التسرب عن طريق طائفة يهود الدونمة التي تظاهر أفرادها بالإسلام وحملوا الأسماء التركية، ودخلوا في جمعية الاتحاد والترقي ووصلوا إلى الحكم سنة 1907، وتصاعد النشاط الصهيوني في فلسطين بدعم من أنصار الاتحاد والترقي ويهود الدونمة الذين سيطروا على مقاليد السلطة في الأستانة حيث سمح الحاكم العثماني الجديد لليهود بالهجرة إلى فلسطين وشراء الأراضي فيها، مما فتح أمام المنظمات الصهيونية للبدء بالنشاط العملي على نطاق واسع حتى سقطت الخلافة رسمياً سنة ( 1924) واحتلت الجيوش البريطانية فلسطين .

وكانت بريطانيا هي الداعمة الأولى، ولاسيما حين ظهر وعد بلفور الشهير الذي (أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق). وكان الدعم الكبير لليهود كذلك من فرنسا التي أصدر وزير خارجيتها بياناً عبر فيه عن ارتياحه للتضامن بين بريطانيا وفرنسا في قضية إسكان اليهود في أرض فلسطين.

ولنا هنا وقفات :-

الأولى: إن الصراع مع أعداء الله تعالى ماض إلى يوم القيامة لا يوقفه جور جائر ولا تخذيل مخذل خائر، قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ }المائدة82

الثانية:إن الكفار بعضهم أولياء بعض فالذي وعد اليهود بوطن قومي هي  بريطانيا والذي شرع لهم البقاء في فلسطين مجلس الأمن فهم أعداء لنا قبل اليهود كما قال تعالى: {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ }الأنفال73

الثالثة: إن اليهود قوم بهت ينطلقون من منطلقات توراتية حاقدة محرفة فحري بنا أن نعود إلى كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم فنحن أحق بذلك منهم0

الرابعة: إن عدم فهمنا لحقيقة الصراع هو الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه0

الخامسة: إن الخلافة الإسلامية صمام الأمان لحماية فلسطين والمقدسات ولذلك سعى اليهود بأقصى ما يملكون لإسقاطها لعلمهم بان بقاءهم في فلسطين مرهون بسقوطها0

السادسة: إن المؤمن الحق لا يلدغ من جحر واحد مرتين كما قال عليه الصلاة والسلام  فلتفتش الأمة في إيمانها.

السابعة: إن الديمقراطية التي يدعو إليها الغرب ما هي إلا  مطية  يتسلقون بها على ظهور الشعوب الضعيفة المنكسرة  لتحقيق مآربهم  الخبيثة وأهدافهم  النجسة  وانظر كيف أعطى الكفرة وعدهم  لليهود بدون أي  حق0

الثامنة :إن فلسطين أرض  إسلامية فتحها المسلمون بدمائهم ولا يفرط في إسلاميتها إلا خائن أو مجرم كما قال السلطان عبد الحميد لهرتزل.

التاسعة: أنه يجب على الأمة المسلمة أن تتخلص من كل أحد يريد أن يحرر القضية من السياج الإسلامي ويقيدها بسياج علماني لا ديني فهم أصل البلاء وأس الداء0

العاشرة: أنه يجب على الأمة إذا ما أرادت النصر أن تحكّم شريعة ربها في كل مناحي الحياة وتنبذ كل القوانين الوضعية والأوضاع الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان0

الحادية عشرة: إن مجلس الأمن استخف بعقول المسلمين عندما قرر حق العودة ثم هو في نفس الوقت يشرع بقاء دولة إسرائيل! وهذا بطبعه يعكس لنا مدى وهمية هذا الحق.

نعم من حقنا أن نعود ولكن كيف سنعود واليهود جاثمون على صدورنا أم أن هذا محض استخفاف بعقولنا؟!! فثبت أن الحق لا يكون حقيقياً إلا إذا اجتث اليهود من أرض فلسطين وهذا لا يتأتى إلا بالجهاد وليس بالمهاترات الكلامية والسجالات السياسية0

قال تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ} البقرة191

الثانية عشرة: إن ما نحن فيه من الانحدار هو نتيجة حتمية لسنة الله في الذين ضيعوا حكمه وانتهكوا حرماته0

 

الأمر الثاني : هل كان جيش الإنقاذ منقذا؟!

بعد قرار التقسيم اجتمعت الدول العربية في القاهرة بين 8 و 17 ديسمبر 1947م وأعلنت أن تقسيم فلسطين غير قانوني وتقرر أن تضع 10000 بندقية و 3000 آلاف متطوع وهو ما أصبح يعرف بجيش الإنقاذ بينهم 500 فلسطيني ومبلغ مليون جنية في تصرف اللجنة العسكرية الفنية. ولكن هل كان جيش الإنقاذ منقذاً أم أنه كان غارقاً في بحر من ظلمات التيه وعدم الدراية ينتظر من كلوب باشا أبي حنيك أن يحنك أفواهنا بالنصر ومن النقراشي باشا أن يدك حصون اليهود؟!!!

يقول الشيخ رائد صلاح:" أريد أن أقول: كانت هناك مقاومة وأسماء لامعة قاومت كان هناك عشرات الأسماء لكن لما دخل جيش الإنقاذ العربي قالوا للناس: لقد جئناكم لنحسم الموقف وندمر المشروع الصهيوني ونحن نطلب منكم فقط أن تتركوا بيوتكم وقراكم لأيام ، ثم تعودوا إليها آمنين.

خرج عشرات الآلاف عام 1948 ولم يعودوا حتى الآن بانتظار جيش الإنقاذ العربي الذي قال للناس إنكم ستعودون بعد أيام !

وهناك كتاب مهم لعبد الله التل عن نكبة فلسطين، وهو شاهد عيان على ما جرى وكان مسئولاً عن فيلق القدس . والكتاب بعنوان (مذكرات عبد الله التل ) أكد التل فيه أنه أتيح للجيوش العربية أن تقضي علي المشروع الصهيوني أكثر من 6 مرات ، وفي كل مرة وفجأة تعلن الهدنة (!! ) فيستعيد الصهاينة قوتهم وسلاحهم واشتهر عن بن جوريون مقولته التي تقول : (اصبروا ساعات وستحدث المعجزة)."

أقول: والأعجب من ذلك كله أن جلوب باشا الانجليزي الأصل كان قائداً للجيوش العربية آنئذ وهذا والله من عجائب الزمان التي لا تنتهي أن يخترق هذا الرجل صفوف الجيوش العربية!! بل ويصير قائداً عليها! وهو أمر يبين لك مدى الغفلة التي أصابت المسلمين حكاماً ومحكومين حيث رضوا بأن تكون القيادة فيمن هو دونهم من الكفار المجرمين وهو أمر ليس بالغريب على من أعمى الله بصره وبصيرته عن نور الوحي فصار  يهذي كالسكران ويخبط خبط عشواء، قال تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }الأنعام125

يقول أحد الكتاب متهكماً بتاريخنا الحديث: "يزخر تاريخنا الحديث بشخصيات غربية أثرت في البلاد العربية ومن هؤلاء جلوب باشا المعروف بلقب أبي حنيك وكان جلوب يدّعي دائماً أنه ترك ولاءه لبريطانيا، وأنه موال ومخلص للقضايا العربية. إلا أنه افتضح أمره في الدور الذي لعبه في حرب 1948م بين العرب وإسرائيل0"

أتدري ما هو الدور؟

"في اجتماع -كشفت عنه الوثائق البريطانية، ونسخه هيكل كاملاً في كتابه العروش والجيوش- تم بين توفيق أبو الهدى (رئيس وزراء الأردن آنذاك) ومستر بيفن (وزير خارجية إنجلترا).. أوضح فيه أبو الهدى لبيفن أن اليهود في فلسطين قد أعدوا حكومة وقوة بوليس وجيشًا لكي يتمكنوا من تسلم السلطة فور انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، في حين لم يستعد العرب بشيء.

وقبل أن يفرغ الجنرال جلوب من ترجمة العبارة الأخير، قاطعه بيفن قائلاً: إن ذلك هو الشيء الوحيد المعقول والمقبول من بريطانيا، شريطة ألا يتجاوز الفيلق العربي ما هو مخصص للفلسطينيين في قرار التقسيم. ثم وجه كلامه للجنرال جلوب قائلاً: كما أنني أتوقع من الفيلق العربي ما هو أكثر من ذلك، وهو أن يمنع غيره -من العرب- من اعتراض تنفيذ قرار التقسيم بالنسبة للجزء المخصص للدولة اليهودية".

وأخيراً أقول :إن هذه الحقائق في تاريخ النكبة تكشف لنا أموراً خطيرة جداً وسواء علينا قرأناها أم لم نقرأها فان تبعاتها الوخيمة مضروبة على عاتقنا فلن يرحم التاريخ من فرط أو خان لذلك توجب علينا حكاماً ومحكومين العودة إلى دين الله تعالى لئلا يذكرنا التاريخ بأقبح صورة كما شوه من قبلنا، وإن حجم القضية وتبعاتها لا يبرر لنا بالمرة أن نتنازل أو نتهاون، فلنمت جميعاً ولنقتل سوياً أهون علينا من أن نرى فلسطين تباع ومقدساتها تهوّد وإخواننا يذبحون في كل مكان.

فلكل نشأة ميلاد ولكل ميلاد مخاض ولكل مخاض آلام، وصدق الحق تبارك وتعالى القائل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } العنكبوت6

اللهم هيئ للأمة رجلاً يحدد لها المسار ويغسل عنها العار ويقودها للجهاد في سبيلك 0آمين0

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين0

 

لؤي الشوربجي

مندوب مركز بيت المقدس للدراسات - غزة

 

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0