6/12/2008


السلام مع سوريا ... لماذا الآن ؟!


 

السلام مع سوريا ... لماذا الآن ؟!

 

 

 

بشكل مفاجئ أعلنت سوريا والكيان اليهودي مؤخراً أنهما يجريان مفاوضات سلام غير مباشرة برعاية تركيا، وأتى الإعلان عن هذه المفاوضات بداية على لسان المسؤولين اليهود قبل أن تسارع سوريا إلى تأكيد الخبر، الذي أكدته وزارة الخارجية التركية في بيان لها حول قيام أنقرة بوساطة بين الطرفين وتأكيدها على أن الطرفين قررا مواصلة المفاوضات بحزم ومثابرة للتوصل إلى سلام شامل، وأنهما سيجريان تلك المفاوضات في أجواء انفتاح وحسن نية، من أجل التوصل إلى سلام شامل طبقًا للإطار المحدد في مؤتمر مدريد الدولي للسلام.

فمن أجواء الاستعداد للمواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة والكيان اليهودي من جانب وبين سوريا وحلفاءها في إيران وحزب الله من جانب آخر، إلى أجواء البحث عن فرص السلام بين البلدين، فاستبدل الحديث عن الحرب، بحديث سلام !!

فهل حقًا الطريق نحو "السلام" بين الكيان العبري ودمشق يشهد انفراج أم أن سيناريوهات محادثات السلام في الماضي القريب والبعيد ستتكرر، كما كان الحال في عهود الحكومات "اليهودية" السابقة في يونيو 1992 إبان عهد إسحاق رابين، ثم بنيامين نيتانياهو في عام 1999 وفي عهد باراك في يناير 2000، ثم ما قيل عن أن أرييل شارون وحده هو القادر على جلب السلام مع دمشق وكان ذلك في 2004 م.

 

مبادرات السلام العربية أين هي ؟!

 

حينما جاء في ما يسمى وثيقة الاستقلال التي كانت بمثابة إعلان قيام دولة "إسرائيل" على أرض فلسطين في 14/5/1948م : "إننا نمد يد السلام وحسن الجوار لجميع البلدان المجاورة وشعوبها وندعوهم إلى التعاون مع الشعب اليهودي المستقل في بلاده, وإن دولة إسرائيل مستعدة لأن تساهم بنصيبها في مجهود مشترك لرقي الشرق الأوسط بأسره"!!.

توقع بعض المراقبين أن الكيان اليهود لن يستمر وجوده إن لم يعقد اتفاقات سلام مع محيطه العربي!! منذ ذلك الحين وإلى الآن مبادرات السلام التي عرضها ويعرضها القادة والزعماء منذ أكثر من ثلاثين سنة تجد آذاناً لا تسمع من قادة اليهود دوماً، الذين يعارضون وينتقدون بل ويرفضون تلك المبادرات ويلجئون إلى المبادرات والاتفاقات الفردية، لكل دولة على حده.

ففي عام 2002م وبعد أن وافق مؤتمر القمة في العاصمة بيروت بالإجماع على مبادرة السلام السعودية مع الكيان اليهودي، جاء رد الكيان اليهودي كعادته سريعاً وحاسماً بأن خطة السلام السعودية التي تبنتها القمة العربية في بيروت غير مقبولة بشكلها الحالي وقال المتحدث باسم الخارجية اليهودية " إيمانويل نخشون: "لا يمكننا القبول بحق العودة للاجئين الفلسطينيين فهذا سيؤدي إلى قيام دولتين فلسطينيتين وأن قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعودة اللاجئين إلى إسرائيل سيقضيان على الدولة اليهودية"، وأضاف "شارون" رافضاً المبادرة بأنه "يوجد هنا في إسرائيل شعب ينبغي أن تتاح له فرص البقاء وليس في وسعه الذهاب إلى أي مكان آخر والعودة إلى حدود 1967 ستدمر إسرائيل"!!

وحينما أعيد طرح المبادرة العربية للسلام في عام 2007م والتي كانت أطلقتها السعودية في القمة العربية التي عقدت في بيروت عام 2002. والتي تدعو إلى انسحاب الاحتلال من الأراضي التي تم سلبها عام 1967 م ومنها الجولان، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين مقابل إقامة معاهدات سلام مع الدول العربية؛ بادرت القيادة اليهودية إلى إطلاق دعواتها لتعديل تلك المبادرة واشترطت شروطاً على وثيقة المبادرة، وصرح وزير الخارجية السعودي "سعود الفيصل" قبل انعقاد المؤتمر: "أن الشروط المسبقة التي تضعها إسرائيل غريبة فعلاً"، وأضاف: "لا نسمع من إسرائيل إلا شروطاً تضعها على كل شيء دون القبول بشيء. لا يمكن فتح مفاوضات بهذه الطريقة، تقبل إسرائيل بالمبادرة ثم تضع لها شروطاً مسبقة، إنها فعلاً لطريقة غريبة جداً في التصرف".

 

ما بين إسرائيل الكبرى وإسرائيل العظمى:

 

رئيس الوزراء اليهودي "إيهود أولمرت" كان صريحاً حين اعتبر أن " أشخاصاً مهووسين فقط ما زالوا يتمسكون بفكرة أرض إسرائيل الكاملة"، وأوضح لوسائل الإعلام، خلال مشاركته في اجتماع لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست في 26/5/2008م  أنه "يوجد اليوم خيار قاس بين أرض إسرائيل الكاملة ودولة يهودية، ولا يمكن أن يتحقق كلا الأمرين معاً سوى لدى أشخاص مهووسين"!!

وهذا التصريح ينقض تصريحاته السابقة ففي سبتمبر/أيلول 2006 تناقلت الصحافة "العبرية" قول "إيهود أولمرت" : "مادمت أحتل منصب رئيس الوزراء، ستظل هضبة الجولان بين أيدينا، لأنها جزء لا يتجزأ من دولة "إسرائيل".

وهو بهذا التردد يعود إلى خلاصة ما نظّر إليه "بيريس" في كتابه "شرق أوسط جديد " الذي يرى فيه أن شرق أوسط جديد تقوده تل أبيب!! . شرق أوسط مدجج بالتنمية والرفاه- هذا في الظاهر- أما في الباطن فهو شرق أوسط مفكك على أسس عرقية وطائفية ومذهبية يشتبك الجميع فيه مع بعضهم البعض بينما يتصالحون جميعاً وربما يتحالفون أيضاً مع الدولة العبرية. إستراتيجية يهودية جديدة لضرورة استمرارية الهيمنة على المنطقة، وإن اختلفت الوسيلة وتغيرت من دبابة وقذائف إلى بضاعة متقنة الإنتاج، وعبر عن ذلك "بيريس" صراحة بقوله: " إن عظمة "إسرائيل" تكمن في عظمة أسواقها" !!

 

سلام مع القوة :

لا شك أن وجود الكيان اليهودي على أرض فلسطين مرتبط ببقاء هذا الكيان قويًّا، وبقاء ما حوله من الأنظمة والشعوب ضعيفًا مفككًا متخلفًا. وهي المعادلة التي لا يزال الكيان اليهودي قائم عليها منذ نشأته.

وهذه المعادلة كذلك يبنى عليها السلام المعروض حالياً، فلم يكن السفير الصهيوني في إسبانيا "رفائيل سوتش" بعيدًا عن الحقيقة عندما صرَّح في 11/5/2008 بأنه لولا القوة العسكرية الإسرائيلية لما تمكنت "إسرائيل" من البقاء حتى لخمس دقائق!! ومن المفارقات العجيبة حين عبر الرئيس بوش عن انبهاره بـ"إسرائيل" ومستقبلها الزاهر"في ذكرى مرور 60 عاماً على قيامها، فإن عددا غير قليل من المثقفين الإسرائيليين خالفوه في الرأي، معتبرين أنهم يعيشون في بلد لا مستقبل له!!

السلام المجزأ:

وما زال الكيان اليهودي يفضل الإنفراد مع كل دولة على حدة ويبتعد عن السلام الشامل الذي طالما لامس أسماعنا، فالمشروع اليهودي في المنطقة يعمل على إبقاء الكيان اليهودي قوياً والدول الذي حوله ضعيفة مفككة، ويتعامل معهم على إنفراد ولا يرغب في أي مشروع سلام فيه مطالب مجتمعة يصعب التنازل عن الأساسي منها. 

وهذا ما أكده الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى عن أهمية التجاوب "الإسرائيلي" مع مبادرة السلام العربية "حتى يكون هناك تحريك حقيقي في المفاوضات السورية الإسرائيلية". وأضاف موسى ردًا على سؤال عن رؤيته للوساطة التركية لاستئناف المحادثات السورية "الإسرائيلية": "ليس هناك تحريك حقيقي إلا بالتجاوب "الإسرائيلي" مع مبادرة السلام العربية والإطار والأبعاد الموجودة فيها".

خطوة على حساب من ؟!

 

لا شك أن هناك تضحيات وتنازلات ستقدمها القيادة السورية " للدولة العبرية " من أجل السلام، ولطمأنة الأطرف المعنية أكدت الحكومة السورية مراراً أنها لا يمكن أن تقوم بخطوة على حساب الفلسطينيين والحق الفلسطيني.

وكذلك الدولة العبرية إن كانت مهتمة فعلياً بتحقيق السلام مع سوريا، لا بد من التفاوض معها حول مصير الجولان، فإن هذا الأمر يرتب عليها إرجاع هضبة الجولان كاملة تحت السيادة السورية، والتي تصل مساحتها إلى ما يقارب 1200 كيلومتر مربع.

ويعتقد المحللون أن "إيهود أولمرت" الضعيف شعبياً، والذي يواجه معارضة داخلية شديدة- ولاسيما بعد التحقيق معه بتهم الفساد -  يريد استغلال رحيل إدارة بوش الحالية العاجزة عن تحقيق أي تقدم على المسار الفلسطيني، لكي يحرك الجمود على المسار السوري. ويكون بذلك قد حقق الهروب مما لا يستطيع بسهولة تقديمه إلى الفلسطينيين، في القدس والحدود النهائية وتفكيك المستوطنات وحق العودة، وثانيهما عقد صفقة مع سوريا تنهي ضمن أشياء أخرى سلاح "حزب الله" على حدودها الشمالية.

 

موقف إيران من المفاوضات :

 

موقف إيران من المفاوضات السورية العبرية كانت مادة إعلامية اجتهد المحللين في تفصيلها وتحليلها، فقد صرح وزير الخارجية الإيراني بأن بلاده تساند سوريا في مساعيها الأخيرة للتفاوض مع الكيان الصهيوني لمحاولة استعادة هضبة الجولان بدون شروط.

وجاء هذا الموقف الرسمي الإيراني بعد أن نشرت صحيفة تشرين السورية ما مفاده أن دمشق لن تقبل أية شروط في محادثاتها مع الاحتلال الصهيوني، وسترفض أية ضغوط تمارس عليها للتأثير على علاقاتها بدول أخرى في المنطقة. وكذلك كرد على تصريح وزيرة الخارجية اليهودية "تسيبي ليفني" الذي اشترطت أن تفك سوريا ارتباطاتها مع إيران و"حزب الله" وحركة حماس من أجل تحقيق أي تقدم في المفاوضات مع دمشق؛ واعتبرت سوريا أن تلك الشروط تعد شروط تعجيزية ستصعب مهمة المفاوضين وقد تصل بهم إلى طريق مسدود. وما زالت سوريا تعلن بأن علاقاتها مع إيران وتطويرها ليست قابلة للمساومة.

وهذا ما أكده الأسد في مقابلة مع مجلة "إسبرسو" الإيطالية، استعداده للسلام مع "إسرائيل" مقابل استعادة الجولان، مشددًا في الوقت ذاته على أنه لن يقبل ضمن أي اتفاق الطلب العقيم المتمثل في قطع العلاقة مع إيران وحماس وحزب الله، وأبعاد خالد مشعل من الأراضي السورية؛ لذا نفى أسامة حمدان - ممثل حركة "حماس" في لبنان - أن تكون حركته تجهز نفسها للرحيل عن سوريا إلى العاصمة الإيرانية طهران.

 

موقف اليهود في فلسطين من السلام مع سوريا :

 

كشفت استطلاعات الرأي الأخيرة في الكيان اليهودي أن الصهاينة يلتزمون الحذر البالغ من التخلي عن مرتفعات الجولان السورية الإستراتيجية، التي احتلها الجيش الصهيوني حتى لو كان المقابل هو تحقيق السلام مع أشد أعداء الكيان الصهيوني في المنطقة في المرحلة الحالية؛  فكانت نتيجة استطلاع للرأي أن 49 % من الصهاينة يرون المفاوضات مع سوريا فاشلة.

فيما رأى عددٌ من المحللين العسكريين أن المؤسسة الأمنية والعسكرية في "إسرائيل" هي التي دفعت رئيس الحكومة "إيهود أولمرت" نحو المفاوضات مع سوريا. وقال عاموس هارئيل، محلل الشئون العسكرية في صحيفة "هاآرتس": "إن أولمرت توجّه للمفاوضات مع سوريا وبيده كنز لم يحصل عليه أي من رؤساء الحكومات السابقين، وهو تأييد كامل تقريبًا من قادة الأجهزة الأمنية باستثناء رئيس جهاز الموساد مئير دوغان". وفسر "باراك ربيد"، المحلل بصحيفة "هاآرتس" التحفظ الأساسي لدى جهاز الموساد نابع من الشك بأن هذه المفاوضات ستفصل سوريا عن حزب الله".

وطالب النائب اليهودي اليميني المتطرف "ارييه الداد" بتوقيع عقوبة الإعدام علي الذين يتخلون عن الجولان لسوريا، وقال الداد ذلك تعليقاً على إعلان استئناف المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسورية.

أما وزير البنى التحتية بنيامين بن اليعازر فقد صرح أن السلام مع سوريا سيقلب الوضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط لأنه سيعزل إيران ويسكت حزب الله ، وأضاف "نتحدث عن سلام حقيقي، عن نهاية حالة الحرب، عن فتح الحدود و"إسرائيل" مستعدة لدفع الثمن".

 

هل سيضحي الأسد بعلاقاته مع طهران ؟!

 

أعد أحد كبار الخبراء الاستراتيجيين اليهود بمركز بحوث الأمن القوم الإسرائيلي ورقة بحثية عن إمكانيات تفاوض الكيان اليهودي مع سوريا، نشرتها عدة صحف عربية وغربية، تناول فيها مكاسب وخسائر الدولة العبرية من دفع المفاوضات مع دمشق، والتحديات التي تواجه تل أبيب في التوصل لاتفاق مع سوريا، ولعل أهمية هذه الدراسة تكمن في أنها صادرة عن أهم مركز للأبحاث في الكيان الصهيوني، وأعدّها العقيد احتياط شموئيل إيفن، الذي تولى مناصب عدة في الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية".

 

ومن ضمن الأسئلة التي طرحها "شموئيل إيفن" : "هل الأسد سيوافق على التضحية بعلاقات دمشق مع إيران وحزب الله في مقابل السلام مع إسرائيل, وأجاب على ذلك بقوله: "يمكن الافتراض، في سياق قضية بقاء نظام الأسد التي تحتل الأولوية الأولى لديه، أن الأسد سيواجه معضلات في أي اتجاه يقرر السير فيه, ففيما يتعلق بالتحالف مع إيران وحزب الله, ترى سوريا في هذا التحالف مكسبًا وذخرًا إستراتيجيًا ـ إذ إن إيران تطمح إلى أن تصبح القوى النووية العظمى في المنطقة، بينما يعد حزب الله عنصرًا أساسيًا في لبنان, ومن ناحية أخرى، فإن هذا التحالف يفتقر إلى قاعدة أيديولوجية مشتركة ويمثل خطرًا على النظام السوري، لأن إيران وحزب الله قد يهددان في المستقبل نفوذ دمشق في لبنان والنظام العربي العلماني للأسد, كما أن هذا التحالف قد يحد أيضًا من مجال المناورة للأسد ضد تيارات الأسلمة على الجبهة الداخلية.

 

فرصة للسلام مع الفلسطينيين !!

 

وفيما يتعلق بتأثير المفاوضات مع سوريا على المسار الفلسطيني, قال: "قد يكون هناك أثر إيجابي على المسار الفلسطيني, فالدخول في مفاوضات مع سوريا، قد يجعل المواقف الفلسطينية أكثر مرونة؛ لأنهم لن يرغبوا في أن يظلوا إلى الآخر, كما أن معاهدة مع السوريين يمكن أن تعزز فرص التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين عن طريق إزالة الدعم السوري لمنظمات المعارضة الفلسطينية وتعزيز معسكر السلام, حيث إن كثيرًا من الفلسطينيين لا مصلحة لهم في أن يكونوا معسكراً مستقلاً يجرى عن المحيط العربي الذي يقيم علاقات سلام مع إسرائيل.

وفي نهاية دراسته قال الخبير الإسرائيلي: "يبدو أن إجمالي المكاسب التي يمكن جنيها من خيار المفاوضات تفوق الخسائر. ورغم أن قائمة التحديات طويلة، وأن فشل هذه المفاوضات قد يكلف إسرائيل ثمنًا ما، إلا أنه سيكون من الأفضل السير نحو هذه المفاوضات بقدر الإمكان؛ لأن تفويت هذه الفرصة قد يكلف إسرائيل ثمنًا إستراتيجيًا كبيرًا جدًا.

 

وفي الختام نقول : أن السلام الذي يريده اليهود إنما هو الاستسلام الذي يعني قبول العرب والمسلمين بالكيان اليهودي، بدون تنازلات، ليحق لهم ما لا يحق لغيرهم، فهم لا يعرفون السلام، لأنهم مجبولون ومفطورون على نقض العهود والمواثيق، قال تعالى وهو أعلم بحالهم: ) أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (.

 

عيسى القدومي

 

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0