3/23/2008


أربعون عاماً ...وذكرى النكسة.


أربعون عاماً ...وذكرى النكسة

 

قبل أربعون عاما ، وبالتحديد في 5 يونيو 1967م نجح جيش الاحتلال اليهودي في سيطرته على ما تبقى من أرض فلسطين ، وهزيمة الدول العربية المشاركة في الحرب ، فخلال بضعة أيام سقطت الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس ، وقطاع غزة ، واحتلت الجولان السورية  وسيناء المصرية ،  وأعلن عن توحيد شطري القدس تحت الإدارة اليهودية، أطلق العرب مصطلح النكسة على تلك الحرب ، " النكسة " التي تحمل في كل حرف من حروفها آلام وأحزان.

أطلق اليهود على حرب سنة 1967م مصطلح " حرب الأيام الستة " ، لأنهم يشبهونها بفعل نبي الله يوشع عليه السلام عندما شَنَّ حرب الستة أيام على أعدائه ، وظل يحاربهم حتى حل مساء الجمعة ، فطلب من الله أن يُؤَخِّرَ غروب ذلك اليوم، حتى يُجْهِزَ على أعدائه قبل أن يبدأ يوم السبت .. لتبرير تلك الحرب ، وإعطاء القدسية لها من مبادئ دينية توراتية !!

وقبل النكسة كانت النكبة التي مضى عليها ستون عاماً، حين أعلنت في حينها القوات البريطانية إنهاء انتدابهم على فلسطين وانسحابهم منها في مساء 14 مايو 1948م ، وبعدها بسويعات أعلن المجلس الوطني اليهودي في 15 مايو 1948 " قيام دولة إسرائيل "!! وبعدها بدأت الحرب بين العصابات الصهيونية من جهة وبين الفلسطينيين والجيوش العربية من جهة أُخرى ، والتي لم تكن مستعدة لهذه الحرب ، مما سبب هزيمتها لذا سُميت بنكبة فلسطين.

هذه النكسة مضى عليها الآن أربعون عاماً شرد حينها 330 ألف فلسطيني وما زالت مسيرة الظلم والعدوان مستمرة ... من حصار وتجويع ... وقتل وتصفية ...وتهويد وتدنيس للمقدسات... وتجاوز لكل الاتفاقات المبرمة والمعاهدات الدولية ... وتاريخ يُزيف ... وخداع يراد له أن يسود...

نكسة بعد نكبة بل هي نكبة ثانية للشعب الفلسطيني الذي ما كاد يلملم جراحة بعد النكبة الأولي, والشتات الكبير في كافة بقاع الأرض حتى كانت النكبة الثانية التي قسمت ظهر الفلسطينيين , وانتقلت بهم لمرحلة ثانية من العذاب والتشريد ، تبعتها نكبات وآخرها نكبة الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني ، ونسأل الله تعالى أن لا يستمر ، لكي لا يهلك ما تبقى لهذا الشعب من كرامة.

أربعون عاماً والمخيمات الفلسطينية سواء في داخل فلسطين أو خارجها تعيش حال البؤس والجوع ، أوضاع مأساوية تفتقر إلى الاحتياجات الإنسانية القصوى ، أزقة وحواري ضيقة ، وبيوت متلاصقة مثلما تتلاصق زنازين السجون ، وكأنها زرائب بشرية ، ومجاري تسيل في الزقاق ، تلوث وأمراض ، حياة لا تصلح للكائن البشري المسمى "إنسان" ، يطلق عليها المنازل مؤقتة - إن صح التعبير !!

أربعون عاماً من الاحتلال ... فُرض في سنواتها الأخيرة على أهل فلسطين جدار عازل يعد أكبر سجن مساحة في التاريخ المعاصر ، ويضم أكثر عدداً من المساجين ، وأسواره أطول بثلاثة أضعاف من جدار برلين وأعلى منه بمرتين ، ضم أجزاء كبيره من الأراضي الفلسطينية بدون سكانها إلى الكيان اليهودي بشكل نهائي ، وضم الكثير من المستعمرات القريبة أصلاً من "الخط الأخضر" إلى "الكيان الصهيوني" ، بدلاً من تفكيكها وإنهاء وجودها ، ورسم الحدود على الأرض ، وفرض واقع سياسي جديد ، لمنع إقامة أي كيان سيادي فلسطيني على أي جزء من أرض فلسطين ، بعد أن ضمن السيطرة التامة على عبور الأشخاص والبضائع على جميع المعابر .

أربعون عاماً ومسيرة الخداع والخديعة تجرى بإتقان لسلب أرض فلسطين ، وتوطين شتات اليهود على ترابها المبارك ... وتحالف عالمي لقطع جميع التحويلات حتى ولو كانت لمسح دمعة أرملة وكسوة يتيم وإغاثة لمسكين لا يجد كسرة خبز !! وآخرها الدفع لصراع داخلي بين الحكومة والرئاسة ، وجعل القيادة برأسين كل يريد أن يثبت وجوده!!!

أربعون عاماً ونحن نسمع القرارات الدولية التي تعد وجود القوات الصهيونية في مناطق الضفة والقطاع وشرقي القدس احتلال يجب أن يزول عن تلك الأراضي ، وما زالت تلك القرارات تفتقر الجدية والآلية اللازمة لإرغام الكيان الصهيوني على احترام القرارات الدولية ، التي لم ينفذ منها الكيان اليهودي شيئاً.

أربعون عاماً والقدس ترزح تحت الاحتلال الذي عاث فساداً... تهويد وإغلاق للمؤسسات المدنية والمراكز العربية ...اعتداءات وضرائب وسحب هويات وتقطيع أواصل ... وأطواق من الأحياء اليهودية ... وتزوير طال كل ما هو إسلامي وعربي في بيت المقدس ... بعد أن أطلقوا العنان للتجار اليهود لممارسة أبشع أشكال التجارة والسرقة غير المشروعة للمعالم الأثرية فلم تبق خربة إلا وعاث فيها اللصوص خراباً وتدميراً.

أربعون عاماً والاعتداءات في القدس طالت الأموات في قبورهم كمقبرة باب الرحمة "الأسباط" ومقبرة مأمن الله حيث أتت حفريات الجرافات الصهيونية على مئات القبور وتبعثرت عظام الموتى بحجة التطوير والأعمار .. ولم تتبق حارة أو زاوية في القدس إلا وتعرضت لهذه الحفريات ... وعشرات القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي برفض ضم الكيان اليهودي لشرقي القدس ، ورفض أية إجراءات مادية أو إدارية أو قانونية تغير من واقع القدس ، لم تمنع الاحتلال الصهيوني من تنفيذ مخططاته وإجراءاته ...

الخلاصة أربعون عاماً من النكسة بل النكسات جعلت مما حصل في عام 1967م على مرارته أقل تأثيراً مما جرى بعده ... فلم تعد النكسة لدى الناس ذكرى هامة لأن تتابع الخسائر والتنازلات أضعف فينا الحس بعظم مآسينا ... وإن كانت بحجم فلسطين والقدس والمسجد الأقصى ...

    أربعون عاماً وأمتنا مضيعة لطريق خلاصها وتحرير أرضها المسلوبة في فلسطين على وجه الخصوص ...

ووجدت أفضل ما أختم به مقالتي توجيهات لفضيلة الشيخ:عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى في الطريق لاسترداد فلسطين:

" إن المسلم ليألم كثيراً ويأسف جداً من تدهور القضية الفلسطينية من وضع سيء إلى وضع أسوأ منه ، وتزداد تعقيداً مع الأيام حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في الآونة الأخيرة بسبب اختلاف الدول المجاورة عدم صمودها صفاً واحداً ضد عدوها ، وعدم التزامها بحكم الإسلام الذي علق الله عليه النصر ووعد أهله بالاستخلاف والتمكين في الأرض ، وذلك ينذر بالخطر العظيم والعاقبة الوخيمة إذ لم تسارع الدول المجاورة إلى توحيد صفوفها من جديد والتزام حكم الإسلام تجاه هذه القضية التي تهمهم وتهم العالم الإسلامي كله .

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن القضية الفلسطينية قضية إسلامية أولاً وأخيراً ، ولكن أعداء الإسلام بذلوا جهوداً جبارة لإبعادها عن الخط الإسلامي وإفهام المسلمين من غير العرب أنها قضية عربية لا شأن لغير العرب بها ، ويبدوا أنهم نجحوا إلى حد ما في ذلك .

ولذا فإنني أرى أنه لا يمكن الوصول إلى حل لتلك القضية إلا باعتبار القضية إسلامية وبالتكاتف بين المسلمين لإنقاذها ، وجهاد اليهود جهاداً إسلامياً حتى تعود الأرض إلى أهلها وحتى يعود شذاذ اليهود إلى بلادهم التي جاءوا منها ويبقى اليهود الأصليين في بلادهم تحت حكم الإسلام لا حكم الشيوعية ولا العلمانية وبذلك ينتصر الحق ويخذل الباطل ويعود أهل الأرض إلى أرضهم على حكم الإسلام لا على حكم غيره ، والله الموفق " .

 

والحمد لله رب العالمين

عيسى القدومي

6/6/2007م


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0