3/23/2008


كيف مضت أيام رمضان في فلسطين ؟!


كيف مضت أيام رمضان في فلسطين ؟!

 

اعتاد أهل بلاد الشام ومنهم أهل فلسطين أن تكون لهم عادات وزيارات وأطعمة وموائد في شهر رمضان المبارك، وفي هذا العام كان لشهر رمضان في فلسطين ظروف خاصة لم يعهدها أهلها ... حصار ومعاناة رافقها عوزٌ وضيق ذات اليد، وجيوب فارغة فلا رواتب تقبض لمئات الآلاف من العاملين، مما أثر سلباً على أسرهم وحياتهم اليومية، وكذلك إغلاق المعابر، ومنع الكثيرون من أداء مناسك العمرة هذا العام، بل حرم أهل فلسطين بأكملهم من الصلاة في المسجد الأقصى والسماح فقط لفئة قليلة من أهل القدس ومناطق الـ 48 والذين تتجاوز أعمارهم الـ40 أو 45 عاماً !! أوضاع ألقت بظلالها الظالمة على شهر رمضان هذا العام.

ينقل لي الأخوة العاملين في الجمعيات والهيئات الخيرية في فلسطين أن حالة العوز وضيق الحال بلغت بالكثير من الأسر أن لا تجد على مائدة الإفطار إلا موائد متقشفة كالماء وحبات من التمر، وبعضهم كان طعامه حبات من الفلافل مع الخبز، والبعض الآخر ممن استطاع الحصول على كيس من العدس ليكون الصنف الوحيد على مائدته طوال أيام الصيام..., وغيرهم كان فطوره الخبز والشاي ... معاناة تشتد في رمضان و70% من العائلات هي تحت خط الفقر. هذا فضلاً عن تناول وجبة الإفطار كان في أغلب الأيام على أضواء الشموع بسبب انقطاع الكهرباء.

ففي السنوات السابقة كان أكثر ما يشغل الآباء توفير ملابس وهدايا العيد لأطفالهم، تلك كانت معاناة الآباء والأمهات، والآن تغيرت الحال والأحوال ليكون هّم الأبوين توفير لقمة العيش لأطفالهم ... والعيد يمر على أطفالهم كسائر الأيام ... هذه الحال لم تعهدها المؤسسات الخيرية في السنوات السابقة، والتي أصابها ما أصابها من الحصار ومنع تحويل الأموال لحساباتها الخيرية، مما أفقد الآلاف من الأسر والأيتام والأرامل والمرضى والمقعدين مخصصاتهم وكفالاتهم الشهرية، فأصبحت المؤسسات والجمعيات الخيرية والإنسانية مكتوفة الأيدي أمام تلك المعاناة التي تُنقل لنا بالصوت والصورة عبر القنوات الفضائية ولا نجد من يحرك ساكناً ...

وتفاقمت المأساة في ظل حصار ظالم لشعب في أرضه، وظروف حرجة وشديدة يعيشها الشعب الفلسطيني، وجدار فاصل عزلهم عن حياتهم الاجتماعية والإيمانية ... فتقطعت بهم سبل التزاور بسبب الحواجز المذلة، وقيّدت حركة التنقل وشد الرحال للمسجد الأقصى المبارك ليقيموا لياليه ويعتكفوا في رحابه ... تقول أحد الأمهات في فلسطين: "لم نشعر بحلول شهر رمضان ولا ببهجته، فقد حل علينا هذا الشهر الكريم ولم نشعر به بسبب انقطاع الرواتب وبالتالي عدم القدرة على التسوق لشراء حاجيات شهر رمضان كما تعودنا دائماً. وتساءلت: كيف سنوفر طعام الإفطار والسحور ونحن لا نملك شيقلاً واحداً في منزلنا؟ إنها مأساة حقيقية".

ويقول أحد بائعي الخضار في طولكرم: "كان السوق في أشهر رمضان السابقة يعج بالباعة والمشترين, حين يكثر إقبال الناس على شراء الخضار، إلا أنه في الأيام الأخيرة خفت حركة البيع بشكل كبير جداً, وبدلاً من أن يشتري الزبون 3 أو 4 كيلو غرامات, كما كان في السابق, فإنه أصبح اليوم يشتري كيلو واحد فقط أو حتى نصف كيلو, ولهذا تبقى الخضار عندنا عدة أيام, وبعضها يتلف, بينما كنا في السابق نبيع نفس الكمية في ساعة أو ساعتين فقط!! فها هي الحال أسواق ومحلات تجارية بدت شبه خاوية إلا من بعض المشترين القلائل بسبب تفشي الفقر وانقطاع الرواتب وعدم قدرة المواطنين على شراء الحاجيات ومستلزمات هذا الشهر الكريم ...

ومع معاناة الجوع والعوز، هناك صور أخرى من المعاناة والتي اجتمعت لتلف حبالها على الأسر والأفراد: تقول أحد الأمهات والتي تعتكف في منزلها مع أطفالها الخمسة الذين تجرعوا اليتم بعد أن اغتالت رصاصات الغدر اليهودي أباهم والدموع تنهمر من عينيها: "لا أدري كيف أجلس على مائدة الإفطار مع أطفالي وكيف تمضي أيام الشهر الفضيل؟ ... وتواسي نفسها وأطفالها بقولها: "زوجي ما زال حياً بين جنبات المنزل، روحه تشاطرنا؛ لذلك سندع مكانه فراغاً ليجلس طيفه فيه".  وتضيف الأم: "إن عزائي الوحيد في هذا الشهر أنه شهر عبادة، وستسنح لي الفرصة للذهاب إلى المسجد للصلاة والاستماع إلى الدروس والمواعظ لعلها تخفف جزءاً من آلامي التي أدعو الله عز وجل أن يكون شهر رمضان بلسماً لهذه الجراح" .

  • ويضطر العديد من أهالي بلدتي "بيت فوريك" و "بيت دجن" للإفطار على الحواجز اليهودية، حيث يرتبط أكثر من ألفي مواطن من البلدتين بمدينة نابلس إما للعمل أو للدراسة، وفي طريق العودة يضطر العديد منهم للانتظار ساعات طويلة على الحواجز حتى يسمح لهم الدخول وفي الغالب لا يسمح لهم بذلك إلا بعد موعد الإفطار إمعاناً في إذلالهم وحرمانهم من مشاركة أهليهم طعام الإفطار، ومن يحاول الالتفاف عبر طرق جانبية ملتوية فإنه سيكون معرضاً لإطلاق النيران بغرض القتل.
  • وتلخص الحال عجوز بلغت من العمر الثمانون، بكلمات تجمع الماضي والحاضر بقولها: "لرمضان في الماضي أكلات خاصة إلى جانب الكثير من الحلويات البسيطة والطيبة في مذاقها، والتي اشتهرت بها القرى الفلسطينية، وما زالت هذه الأكلات موجودة إلى يومنا هذا، لكن لا يوجد راحة نفسية لتذوق هذه الأطعمة كما كنا نتذوقها قديماً هذا إن توفرت الآن!! ، وهذا يرجع إلى الاحتلال الذي سلبنا كرامة العيش، وسلبنا أبسط الحقوق؛ إذ دمّر بلادنا وقتل شبابنا ولم يُبقِ لنا شيئاً. أتساءل: كيف يكون حالي عندما أتذكر ولديّ الشهيدين على مائدة الإفطار؟ إننا نتألم كثيراً ونعيش حياة صعبة جداً. إننا نتضرع إلى الله في هذا الشهر الفضيل بأن يكشف عنا الهم والحزن، وأن يزيل عنا الاحتلال، وتعود لنا ديارنا ونرجع لها بحول الله تعالى".

تلك النماذج ما هي إلا غيض من فيض، وقليل من كثير، وصورة مصغرة لما تمر به الكثير من العائلات ... أوضاع اقتصادية في غاية الصعوبة فرضت نفسها خلال شهر رمضان على أهل فلسطين, ولا سيما على موائد الإفطار, التي اختفى منها كثير من أصناف الطعام, التي اعتاد الفلسطينيون على إعدادها خلال هذا الشهر وأزمة اقتصادية خانقة يعاني منها الجميع هناك, بسبب الحصار الخانق, والإجراءات المشددة التي يفرضها جيش الاحتلال على الأراضي المحتلة منذ 14 شهراً, وما زالت المعاناة ...

 

عيسى القدومي

15/10/2006م

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0