3/22/2008


غزة .... بين الماضي والحاضر.


 

غزة .... بين الماضي والحاضر

 

        لغزة تاريخ مجيد، فالكنعانيون هم أقدم من سكنوها وبنوا مدنها وقراها وأقاموا عمرانها، وكانت أهم الطرق التجارية التي عرفها العالم القديم التي تصل بين الشام ومصر، فالخيرات التي تحملها القوافل التجارية كانت تجمع في غزة وتنقل إلى مختلف المدن والأقطار الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

 

      وكانت أنظار تجار قريش تتجه إليها في رحلتهم الصيفية إلى ديار الشام، وفيها توفي هاشم بن عبد مناف جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا تسمى "غزة هاشم" حيث خرج إلى الشام تاجراً.

 

        وغزة كانت أول قضاء فتحه المسلمون في فلسطين، وكان ذلك في خلافة "أبي بكر الصديق رضي الله عنه" 13هـ على يد الصحابي الجليل "عمرو بن العاص" رضي الله عنه، حيث أستقبلهم سكانها العرب بكل ترحاب.

 

       وقد عرف الكثير من الصحابة غزة – قبل الفتح الإسلامي - وأقام بها الصحابي الجليل "أبو قرصافة" ودفن فيها "عبد الله بن أبي سرح" رضي الله عنهم، ويكفي غزة فخراً أنها أنجبت "الإمام الشافعي" رحمه الله، واشتهر أيضاً في تلك الحقبة من علماء غزة : "الحسن بن الفرج الغزي" و "محمد بن عمرو بن الجراح الغزي" وغيرهم الكثير من العلماء والفقهاء والمحدثين.

 

        واصطبغت غزة بالصبغة الإسلامية واكتسبت أهمية تجارية وحربية حتى الحروب الصليبية التي صمدت أمامها لعشر سنوات بعد سقوط القدس بأيدي الصليبيين، ولم يتمكنوا منها إلا بعد أن أريق بها الكثير من دماء المجاهدين في مختلف أنحاء القضاء في سنة 502هـ - 1109م، وعادت للمسلمين كسابق عهدها بعد معركة "حطين" سنة 583هـ - 1187م .

 

    وحكمت الخلافة العثمانية غزة كسائر أراضي فلسطين لمئات السنين حتى الحرب العالمية الأولى، وبعدها أصبحت جزءًا من الانتداب البريطاني على فلسطين.

 

      وقبل حرب 1948م كان يسمى لواء غزة وسمي بعد اتفاقيات الهدنة عام 1949م "قطاع غزة" كاصطلاح عسكري وليس بوصفه إقليماً جغرافياً متميزاً بتاريخه العريق. وهو قطعة من الأرض مستطيلة الشكل يحدها من الغرب البحر المتوسط ومن الشمال والشرق "الكيان اليهودي" ومن الجنوب مصر.

 

      وما تبقى من فلسطين بعد حرب 1948م لا يتجاوز 23 % من أرضها وهي قسمين:

  1. الضفة الغربية: ومساحتها 5878 كم2 (21.7 %من مساحة فلسطين) وألحقت بالأردن.
  2. قطاع غزة: ومساحته 363 كم2 (1.3 % من مساحة فلسطين) وألحق بالإدارة المصرية.

 

        وكان عدد سكان قطاع غزة  قبل النكبة (1948م ) 75 ألفاً وبعد النكبة حتى 1949م وصل عددهم 288 ألفاً ، ويعد الآن 70 % من سكانه هم من لاجئو الـ 48 توزعوا في 8 مخيمات.

 

         وفي حرب يونيو 1967م وخلال بضعة أيام احتل الكيان الصهيوني باقي فلسطين - 23 % ممن تبقى من أرض فلسطين التاريخية - فسقطت الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس، وقطاع غزة، وسيطر اليهود على 43 % وأقاموا 19 مغتصبة منها الاستيطانية المدينة ومنها الزراعية ومنها الصناعية ومنها العسكرية ومنها نقاط المراقبة توزعت على كل 20 كم2 في المتوسط ، وكان عدد المغتصبين في غزة يترواح ما بين 3800 إلى 8000 مغتصب ، كان يقوم بحماية المغتصبات ما يقارب من 30000 إلى 35000 جندي يهودي.

 

      الكثافة السكانية في قطاع غزة هي الأعلى في العالم " 54000 شخص " في الـ كم2 الواحد. ويعيش معظم سكان غزة وعددهم  1.4 مليون (70-80%)  تحت خط الفقر - 2 دولار يومياً - ونتيجة لحالة الفقر عادت من جديد العربات التي يجرها الحمير!!

 

     وعقد اتفاق ( أوسلو ) الذي أعطى الفلسطينيين مناطق متفرقة قسمت إلى ثلاثة أجزاء مناطق:

مناطق ( أ ): وهي المناطق التي سمح للسلطة الفلسطينية أن تمارس فيها نوعاً من السيطرة السياسية والأمنية ولم تتجاوز مساحة هذه المناطق في أقصى الأحوال 18 % من الضفة الغربية.

 

 ومناطق ( ب ): وهي مناطق لم يسمح لهم بممارسة سوى صلاحيات وظيفية كرعاية الصحة والتعليم مثلاً.

 

 ومناطق ( ج ): والتي تتجاوز مساحتها 58 % وأبقيت تحت السيطرة اليهودية الكاملة من جميع النواحي.

 

        وفي جميع الأحوال وفي كل الظروف وبغض النظر عن أي حكومة يهودية موجودة، كانت العملية الاستعمارية مستمرة والتوسع مستمر، وعملية تهويد الأراضي مستمرة وهي كالتالي:

  • من 45 % عام  1947م .
  • إلى 23 %  عام 1967م .
  •  إلى 18 %  في عام 2000م .
  • إلى أقل من 11 % عام 2003م  .
  • إلى ما يقارب 10 % مع الجدار العازل والممارسات الحالية. 

    

وتعيش غزة اليوم آلام الاحتلال والسجن والقتل واستهداف المدنيين، مليون ونصف النسمة يعيشون على 1.3% من مساحة فلسطين التاريخية بسجن لم يشهده التاريخ من قبل، وحصار أوعزهم " الكيلو من الطحين" ، ومعابر مغلقة، وحياة يومية بلا كهرباء ولا ماء ولا وقود، ليحكموا على المليون ونصف النسمة بالقتل البطيء!!

 

      ما نريده من إعلامنا العربي والإسلامي أن يقدم لنا ما يذكرنا بحقيقة مأساة فلسطين وكيف عانى أهل غزة الاحتلال ووحشيته، وكيف عاش مئات الألوف حياة البؤس والتشرد، ففهم الحقيقة هو جزءًا من الحل، فكلما غيبنا عن الحقيقة وأصبحنا أسرى المشهد والنتيجة من غير ذكر السبب وتاريخه فإن مواقفنا وآراؤنا ستكون مجانبة للصواب.

        وعلينا يا أخوة أن لا ننسى إخواننا في أرض فلسطين من الدعاء والعطاء فهما سبيلان ممكنان لإغاثة إخواننا هناك. ونذكر أنفسنا بقول الله تعالى: )إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء ، الآية104).

       يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره للآية: "أي أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وهو وعد حق وخبر صدق وهم لا يرجون شيئاً من ذلك فأنتم أولى بالجهاد منهم وأشد رغبة فيه وفي إقامة كلمة الله وإعلائها ".

 

والحمد لله رب العالمين ,,, 

 

                17/7/2006م

عيسى القدومي

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0