3/14/2017


حينما استشهد صلاح الدين للمرة الثانية






حينما استشهد صلاح الدين للمرة الثانية



كتبه/ أيمن تيسير دلول
فلسطين_غزة

ذهبتُ إليها وجلست إلى جوارها بعد أدائي لصلاة عصر ذلك اليوم جماعةً، انتظرتُ فنجان قهوتي، غير أن زوجتي تأخرت في إحضاره إلى مكان جلستي المُفضل بجوار تلك الزيتونة التي صاحبتها منذُ كنتُ صغيراً، ووجدتُ فيها من يؤنس وحشتي حينما تدلهمُ الخطوب وتزداد ظلمةُ الدنيا من حولي.

وحينما كانت الشمس تدنو من البحر بلونها الذهبي، اخترق جدار الصمت الذي أحاطني وزيتونتي بهاتف يتلو مطلع سورة الإسراء "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير". لقد كانت تلاوة خاشعة بأجمل ما سمعت، لكنها تلاوةٌ قلَّبت المواجع على نفسي، ودفعتني مرةً أخرى لترك الاستمتاع بمشهد الشمس وهي تتسلل لخدرها، للتفكير في حال القدس وما آلت إليه من أحزان.

الأحداث المحيطة بالقدس في بلاد العُرب تبعثُ على اليأس من قرب تطهيرها، بعدما بلغ أنينها وصياحها حتى شجرة الزيتون التي أجلس بشكل شبه يومي بجوارها. وهي زيتونةٌ باتت وفية وتمتلك إحساساً مرهفاً، لدرجة أنها باتت تخاطب كل كائن حي باللغة التي يفهمها، ولذلك فقد كثُر الذين يجلسون في ظلها من البشرِ أو غيرهم، حتى أني عاتبتها في آخر مرة لشغور مكاني مع كثرة ضيوفها وزوارها.

في هذا اليوم خلا المكان من الزوار، ربما لكثرة القذائف والصواريخ التي أطلقتها طائرات ودبابات الاحتلال الصهيوني في جوارها، فاغتنمتُ الفرصة للحديث معها. تسلقتُ أحد سيقانها وقد تشقق مثل أقدامي تماماً، تمددتُ عليه، فضحكت وابتسمت وبدأت تسردُ في تفاصيل الحكاية التي قصصتها عليها أكثر من مرة:

هي أرضٌ طيبة مباركة فيها بقاعٌ يتمنى الكثير لأن يحط فيها، فيها ثمارٌ وزروعٌ وأنهار. فيها نزل الصالحون والأنبياء والمرسلون، يكفيها أن من زوارها خاتم الأنبياء والمرسلين محمد "صلى الله عليه وسلم". يكفيها أن الخليفة ابن الخطاب تسلم مفاتحها، وهي التي حررها صلاح الدين..

اعتدلتُ في جلستي وتمعر وجهي غضباً فصمتت عن حديثها، لكنها سرعان ما واصلت الحكاية:

أعلمُ بأن حديثي عن القدس التي تتمنى أن تزورها وتصلي بها منذ كنتَ صغيرا وحرمانك من الوصول إليها وقد دخلت في عقد عمرك الرابع هو ما يثير غضبك ونقمتك على حالة الهوان التي وصل إليها حال العرب والمسلمين، فمنعتهم من تلبية من دعاهم لذلك حين تكلم شعرا..

يا أيهـا الملك الذي لمعالم الصـلبان نكس

جاءت إليك ظلامة تسعى من البيت المقدس

كل المساجد طُهِّرتْ وأنا على شـرفي أدنس

لأول مرة أنظرُ بغضب مرتين لتلك الشجرة في جلسةٍ واحدة، حينها صمتت وأخفضت من غصونها قليلاً، وأقسمت ألا تُغضبني مرةً أخرى، فهي تهتم بعلاقتي معها التي جمعتني بها منذ ثلاثة وثلاثين عاماً، فقد كنتُ أحنو عليها وأسقيها الماء، حتى نمت وشبت وتشققت جذوعها، وربطتني فيها علاقةُ توأمة مُحالٌ أن تنفصل بكلمةٍ تخرجُ من أحدينا خلال لحظة غضب سرعان أن تزول.

وبدون مقدمات هزتني بعنفٍ هذه المرة دون أن تتكلم.. جلستُ فزعاً، فطلبت مني إدارة وجهي صوب الجنوب، وبعفويةٍ أجبتُ دعوتها:

نزلتُ عن الزيتونة لأعرف حقيقة ذلك الغبار الكثيف الآتي من بعيد، دققتُ النظر، فرأيتُ فارساً يرتدي ملابس حربٍ قديمة ويقود فرسه بسرعةٍ فائقة، وشيئا فشيئاً وصل إلينا وبدأنا بقوله:

-        السلام عليكم ورحمةُ الله.. هل هذه الزيتونة التي تتحدث عن القدس وتفاصيل حياتها؟

-        وعليكم السلام ورحمة الله، أهلا بك في أكناف بيت المقدس وعلى تراب فلسطين.

كنتُ أشاهد ما يجري بكل استغراب، وأسترق النظر إلى ذلك الفارس الذي يمتشقُ سيفه ويرتدي بدلة الحرب كاملة، تلك التي تُشبه إلى حد كبير ما قرأتُ عنه في كتب التاريخ عن قادة المسلمين خلال حروبهم التي خاضوها للدفاع عن ديار المسلمين من المعتدين وتطهيرها من المحتلين.

لكن السؤال الذي دار في رأسي: وماذا يفعلُ هذا الرجل على تراب بلادنا في زمنٍ اختلفت فيه الأسلحة وتنوعت وسائلها؟ ماذا يفعل ولماذا جاء بهذا الشكل يشق طرق فلسطين وقد دخل إليها من بلادٍ عربية أخرى؟ ألا يخجل أن يأتي بهذا الشكل من سخرية من يشاهده؟.

انتبه ذلك الفارس لحالة الحديث الوجداني التي دارت في عقلي. اقترب مني ووضع يده على كتفي وأخذ يربتُ عليه بُلطف، ثم بدأ بحديث أطلقه بعد "آهٍ" أحسست بأنها خرجت من عمق فؤاده:

لقد جئتُ بلباسي وجوادي وسيفي هذا الذي لا أمتلك غيره. جئتُ إلى فلسطين وتجاوزت الحدود التي وضعوها بين بلاد العرب والمسلمين، وكانت وجهتي إلى هذه الزيتونة الشامخة، فقد سمعتُ بحكايتها من رحالةٍ كُثر وأنها الأقدر على حفظ تاريخ وأحداث هذا الزمان. وصلتُ إليكم بعدما كثرت الرسائل التي تأتيني طلباً بتحركي لتحرير القدس مما أصابها نتيجة احتلال طال أمده وبكاء لأهلها زاد صداه..

لقد جئتُ يا بني لأفهم من هذه الزيتونة بعضاً من أحوال الأمة وكيفية التحرك لتوحيدها في سبيل زيادة قوتنا لتحرير أولى القبلتين..

هززتُ برأسي حينها:

توحدُ من يا سيدي.. إن المهمة التي جئتَ من أجلها أصعبُ كثيراً مما كانت عليه بلاد أجدادنا في المرة السابقة، وبلادنا باتت الحروب تأكل شعبٍ فيها كلٌ على حدة، ولا ندري من يقتلُ من.. كما لا نعلم لماذا مات العشرات في سوريا: هل بالرصاص أو نتيجة الجوع، بل لا ندري لماذا تبكي النساء في اليمن: هل لفقد الابن أو قتل الزوج، ولا نحسن معرفة سبب بكاء أهل فلسطين: هل لقتل وأسر أبنائهم أو لتعزية زعيمهم في قاتل أبنائهم..

قطع حديثي مع القائد صلاح الدين انخفاض التحليق لطائرات الاحتلال التي كانت تحلق في المكان بكثافة منذ وصول هذا الفارس إلينا: بادرته بالسؤال..

-        من أين وصلت إلى غزة؟

-        مررتُ من دول الخليج ووصلتُ مصر حتى أتيتُ إليكم.

لم يكمل حديثه حتى دوى انفجارٌ كبيرٍ، صحوتُ فمسحتُ التراب الذي غطى جسمي لأجد بأن جسم صلاح الدين وفرسه قد تقطعا بفعلِ ذلك الاستهداف..

حينها وقفتُ والدماء تتسلل على كلتا ساقاي: تُريد توحيد العرب لتطهير القدس يا سيدي.. ألا تعلم بأنهم باعوا تلك الطاهرة لليهود ويقتلون أو يبلغون حلفاءهم اليهود بكل من يفكر بتطهيرها، لقد قتلوك وأبلغوا من يحتل القدس بقدومك وبأفكارك في الوحدة العربية، فقتلوك مرةً أخرى؛ فقط أنك فكرت بتحرير القدس..

لقد كان حلماً مُفزعاً رأيته في منامي، وأيقظني بعد غفوةٍ على جذع تلك الزيتونة، فتحتُ عيوني لأجد زوجتي وقد أحضرت قهوتي وتنظرُ إليَّ باستغراب شديد:

نسأل الله أن يأتي صلاح الدين جديد مرةً أخرى فيوحد صفوف العرب والمسلمين ونذهب في جيشٍ تحت راية واحدة لتحرير القدس، لكن هل لو أتانا مثل ذلك القائد لن نقتله أو نتآمر عليه؟!!

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0