3/18/2008


وللمركز كلمة من فوز "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.


بسم الله الرحمن الرحيم

 

وللمركز كلمة من فوز "حماس"

في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.

 

   الحمد لله رب العالمين معز أولياءه المؤمنين وماحق الكفر والمنافقين، والصلاة والسلام على خير المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد ...

 

          واقع جديد، وتحول كبير، فرضه فوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية، فاجأ الجميع بمن فيهم قادة الحركة أنفسهم، ولأول مرة في التاريخ العربي المعاصر تتولى فيها حركة إسلامية مقاليد السلطة بالانتخاب الحر المباشر، وأصبح بذلك فوز الإسلاميين في الإنتخابات – إن كانت نزيهة – ظاهرة لا يمكن تجاوزها، ولو تركت الشعوب العربية والإسلامية لتختار من يمثلها، فهي بلا شك ستختار الإسلام والمسلمين ليقودوا دفتها. وبفوز الحركة أثبت الشعب الفلسطيني حرصه على إسلامية قضيته ومشروعه الجهادي، وإلتفافه حول كل من ينادي بالإسلام منهجاً للحياة.

 

          وبفوز "حماس" اتخذت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة كنا نتمناها من قبل، وهي بداية الإنطلاق الصحيح لقيادة الصراع الإسلامي اليهودي بمفهومه الشرعي من غير تنازلات باطلة. وقد عرفت الحركة طوال تاريخها وهي ترفع شعار الإسلام وتنادي به وتعمل لأجله،  لذا كان فوزها أمر أفرحنا وأفرح المسلمين في العالم أجمع، وكلنا أمل وتفاؤل إن بقيت الحركة على نهجها التى خطّته لنفسها وحافظت على ثوابتها التي طالما نادت بها، أن نرى التأثير الإيجابي في صراعنا مع اليهود وسيكون له نقلة نوعية وأثر فاعل نرى منافعه بعد حين بإذن الله.

 

          ومما لا شك فيه أن نتائج الانتخابات وضعت حماس والحركة الإسلامية معها في المنطقة العربية والعالم الإسلامي عموماً أمام تحديات دولية كبيرة ربما تكون أكبر بكثير من قدرتها،  فالوضع الفلسطيني المعقد وعدم وجود خبرة سابقة للحركة في إدارة الدولة أو حتى المشاركة البرلمانية، لا شك أن الأمر سيكون صعباً للغاية، لا سيما في مراحله الأولى، وهي – بحق - تقف اليوم أمام اختبار من النوع الصعب والثقيل. ومع يقيننا أن حماس تعلم حجم التحدي القادم وخطورة القرار الذي اتخذته، وحساسية المرحلة وعظم الأمانة الملقاة على عاتقها، ومع ذلك فهي أحوج ما تكون إلى النصح الصادق والبنّاء من جميع الأمة. وفي مقدمة ذلك التمسك بعقيدتها الإسلامية التى تعنى الحفاظ والثبات في كل قراراتها وسياساتها العامة والخاصة، وينبغي للمسلمين في كل مكان أن يستبشروا بهذا الفوز وأن لا يكونوا في صف أعداء الأمة ضد "حماس" مهما كان نوع أو حجم هذا الفوز، وينبغي لهم أن يشكلوا ثقلاً داعماً لها لكي تستطيع الثبات على مبادئها الشرعية والإستمرار في وجه الضغوط والمؤامرات التي تحاك ضدها وضد الإسلام بعامة، وتُبقى "حماس" دعوة إسلامية – نحسبها - صادقة.

 

          إن الفوز الذي حظيت به الحركة يعد انتصاراً – في الحقيقة - للمشروع الإسلامي بمفهومه الواسع الشامل، لذا يجب على الحركة أن تحفظ على المسلمين فرحتهم وثقتهم بها، وعلى القيادة في "حماس" أخذ النقاط التالية بعين الإعتبار، وهي من باب النصيحة الخالصة التي منطلقها الأخوة في الله، ونرجو أن نكون وفقنا بها:

 

1-    على الحركة أن تتعامل مع المؤسسات الفلسطينية ومنظماتها والمصلحين من أبناء الشعب على أساس الشراكة والتضامن لا بمفهوم الانفراد والتجاهل أو بمفهوم النظرة الحزبية الضيقة.

2-    أن تجعل من نجاحها نجاحاً عالمياً على الفساد وأهله، وقوة انطلاق للمشروع الإسلامي الكبير، لا بمفهومه الحزبي الضيق بل بشمولية الإسلام وعالميته، حتى يجني ثمراته ويحذو حذوه العاملون والقائمون على العمل الإسلامي في كل مكان، وليعلم القائمون على الحركة أن أنظار العالم أجمع شاخصة أبصارها نحوها، لذا وجب أن تكون الحركة مدرسة نموذجية معاصرة أرست حقيقة ومفهوم الجهاد المعاصر بمفهومه الشرعي الأصيل في كل مستوياته.

3-    على قادة الحركة أن لا يتنازلوا عن ثوابت الأمة وعقيدتها، وأن يجعلوا من علماء الأمة الربانيين - أولو الأمر المعتبرين - بطانة لهم وسنداً.

4-    وأن تتمسك بأسلمة المشروع الفلسطيني مهما كلفها من ثمن وجهد وعناء ودماء، وأن تعيد لعموم المسلمين في العالم صور التواصل مع قضية فلسطين الإسلامية، بحيث تلقي الحركة عن كاهل الشعب الفلسطيني جزء من الهم الفلسطيني على عاتق الأمة المسلمة شعوباً وحكاماً لتكون مؤسسات العالم الإسلامي الرسمية والشعبية رصيداً وصفاً ثانياً داعماً ومثبتاً للمجاهدين في فلسطين.

5-    وعليهم أن يتقوا الله ما استطاعوا وأن لا يغتروا بالنصر ولا بالكثرة، فذهاب النصر أسهل من تحقيقه.

6-    وأن تستعمل الأصلح والأكثر إخلاصاً من أبناء الشعب الفلسطيني، ولا يكن معيار ذلك دنوه أو بعده عن الحركة بقدر ما يكون دنوه من الإصلاح والتقوى، مع تجنيب أهل الأهواء والمصالح والذمم الرخيصة تولي أمور الناس ما أمكن.

7-    وعليهم أن يعوا خطورة الموقف الذي تصدروا له، وليدركوا أن العالم أجمع مؤمنه وكافره يرتقب ردود أفعالهم وأقوالهم، سلباً وإيجاباً، وأن الأمر الآن جد خطير لا يحسب على أشخاصهم فحسب،  بل على الإسلام وأهله في كل مكان، وليدرك قادة الحركة أنهم إن كانوا سبباً في إفشال المشروع والمهمة التى تصدّروا لها فإن ذلك يعنى ضرباً من ضروب الانتحار، وسبباً من أسباب تدمير المشروع الإسلامي الكبير عالمياً، فالله الله أن يوتى الإسلام من قبلكم، ولتكونوا مثالاً يحتذى في الصبر  والمصابرة، فلم يعد اليوم ثمة مكان للتجربة والخطأ،  فالخطأ هنا قاتل ومرارته كبيرة.

8-   أما نصيحتنا - التى لا مفر منها - مهما ألجأتنا الظروف إلى غيرها، فإننا ننصح إخوننا في الحركة أن يلتزموا عقيدة ومنهج أهل السنة والجماعة فهم امتدادهم ومددهم الحقيقي، وأن التقارب مع إيران وأذنابها في دولنا ما هو إلا سراب خادع ودغدغة سياسية ليس إلا، ليمرروا من خلال نجاحات الحركة عقيدة الرفض وحقدها، والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين.

ونؤكد لقادة الحركة ضرورة عدم التهاون في عقيدة أمتنا مهما كانت الأسباب، من تمرير عقيدة هؤلاء بين صفوف شعبنا أينما كانوا، وأن لا نجعل لهم موطأ قدم في أرضنا وبين شعبنا مهما كلفنا، والتاريخ أكبر شاهد على خبثهم وغدرهم، ولتحذر الحركة أن يسجل التاريخ تهاونهم في ذلك.

9- وأن تتجاوز الأخطاء المريرة التى وقعت بها حركة "فتح" وأن تتعامل مع الجميع بكل شفافية وإخلاص وحرص على المصالح الشرعية العليا للشعب الفلسطيني .

وأن لا ينخدع قادة الحركة بما اعتلوه من مناصب وسلطة، وليكن الشغل الشاغل والهم الدائم لهم هو الشعار الذي رفعته الحركة ( الإصلاح والتغيير ) ومحاربة الفساد والبناء ما أمكن.

 

          وليعلم أن المسئولية تزداد وتعظم على الدول الإسلامية والعربية بالوقوف مع الاختيار الصائب للشعب الفلسطيني المسلم الذي أعطى صفقة يمينه لهذه الحركة، ولذا كان لزاماً على هذه الدول أن تقلل من التحديات ما أمكن – الداخلية منها والخارجية - التى تواجهها "حماس" بعد الإعلان عن فوزها في انتخابات المجلس التشريعي، وأن تستجيب لحاجة الشعب الفلسطيني وتطلعاته، وأن ترفض وتمنع – ما استطاعت لذلك سبيلاً - كل الشروط والقيود التى بدأت تكبل الإدارة الجديدة للشعب الفلسطيني.

          وعلى الشعوب الإسلامية في العالم أن تكون نبع نهر لا ينقطع عطاؤه ولا ينضب خيره، لتقديم مزيد من الدعم والمآزرة لإخوانهم، بروح عالية وهمة توّاقة تناطح عنان السماء، وبعطاء متجدد حتى يتحقق النصر والتمكين، وليعملوا جميعاً على انجاح واغتنام هذه الفرصة الذي يظهر فيها صدقهم، وليحذر المسلمون جميعاً في العالم من أن يكونوا سبباً في التخذيل أو التواني أو النكوص عن دعم فلسطين والمصلحين فيها.

          وعلى شعبنا أن يصبر ويصابر وليعلم أن أمامه أياماً صعبة يمتحن فيها جهاده وصبره وخياره، فعليه الثبات أمام كل التحديات، والإلتفاف حول القيادة التي تقوده نحو الإسلام مهما غلت ضريبة ذلك، وعلى عموم شعبنا الفلسطيني المسلم أن يعلم أننا جميعاً في مركب واحد وعلى ثغر واحد، فالحذر الحذر أن نؤتى من قبل بعضنا، وأن نكون حريصين على وحدة الصف والتلاحم فيما بيننا وأن لا نرضخ لأقوال المفسدين والمرجفين المفرقين لجماعة المسلمين، وتقع على "حماس" الآن مسئولية القيام بتوعية وتعليم شعبنا  - بكل فئاته - شرع الله تعالى وأحكام دينه، وفتح الباب أمام العلماء والمصلحين للقيام بدورهم الحقيقي في الإصلاح والبناء.

 

          وعلى السلطة الوطنية الفلسطينية، وفصائل المقاومة إن يدركوا جميعاً أنهم والشعب الفلسطيني في خندق واحد وأمام عدو يعمل بينهم بقاعدة (فرق تسد)، لذا وجب عليها أن تفسح المجال وتطلق عنان الدعم المادي والمعنوي لشركاء الإصلاح معها من أبناء الشعب وفصائله المؤمنة بنهج ربها ليتحقق الخير للجميع.        

 

  • وأخيراً نقول:

                        أن هذا النجاح سبب من أسباب النصر للعمل الإسلامي، وهو بداية من بدايات دحر اليهود ونهايتهم، ولعلها بارقة أمل جديدة تنبعث في قلب الأمة بعد كثير من الاحباطات والهزائم التى منيت بها الأمة، ولذا كان لزاماً علينا حتى نحفظ للنصر روعته وقوته أن تكون البدايات والنهايات صحيحة.

 

  • وندعو الله تعالى أن يوفق أعضاء حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ليكونوا عند حسن الظن  وعلى قدر المسئولية التى أسندت إليهم، وأن يحقق على أيديهم مصلحة البلاد والعباد، وأن يرزقهم الثبات على المبادئ التى أكسبتهم ثقة الناس، وأن يقيهم فتنة السلطان والمال، والبعد عن الحزبية وإقصاء الآخرين.

 

  • والله نسأل أن يأخذ بأيديهم، ويجنبهم ما يسخطه، ويلقي عليهم من لدنه رحمة يجمع بها قلوب العباد على الهدى، ويسدد خطاهم وحاجتهم، ويلهمهم رشدهم وينصرهم على عدونا، وأن يلم شتات هذا الشعب الذي طالت معاناته، بعد أن تخلى عنه القريب، وخذله البعيد.

 

  • ونذكر أنفسنا وإخوننا بشرط التمكين والنصر، بقول الله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).

    وقال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون). فلا تبقى لهم السيادة إلا إذا أقاموا على الحق وصبروا عليه وأيقنوا بوعد الله.

 

  • وفي الختام ، نوصي إخوننا بما وصى به الله عباده المؤمنين في خاتمة سورة آل عمران حيث قال: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون). نسأل الله تعالى أن يجمع كلمة أهل الإسلام وأن يوحد صفوفهم وأن يردهم إلى دينهم وأن يهيئ لهم أسباب النصر على عدو الله وعدوهم. آمين...

 

والحمد لله رب العالمين

 

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0