11/6/2016


( وعد بلفور )





وعد بلفور*




محمد زياد الناجي-باحث في مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

 

ليس بين الأسماءِ ما يُثيُر اشمئزازَ العربِ في الزَّمنِ الأخيرِ كهذا الاسمِ، وليس بين الوعودِ ما يُثير سخطَ العربِ في الزَّمنِ الأخيرِ كهذا الوعد، وبجرَّةِ قلمٍ ارتكبَ ذلك الرَّجلُ جنايةً تاريخيَّةً تهونُ إزاءَها جنايات كثيرة، وباندفاعة حمقاء أوجد ذلك الرجل مشكلة تمرَّغت في الظلم والباطل، وعاشت على الألمِ والمُصيبةِ.

ومنذُ صدورِ وعدِه الجائرِ قبل ثمانٍ وعشرين سنة[1] والأرض المقدَّسة مسرحٌ للاضطرابِ والشقاءِ والبؤسِ.

بِذرةٌ زرَعها ذلك الرجلُ في فلسطين؛ فلم تُثمِر غيرَ القلقِ والكراهيةِ وسوءِ الظنِّ، لا يُذْكَرُ اسمُ (بلفور) في هذا الشرقِ العربيِّ إلَّا جاء مقرونًا بالسُّوءِ والتَّطاولِ وسلْب الحقِّ. ولا يُذكَرُ وعْدُه في هذا الشرق العربي إلَّا جاء مُرادِفًا للاعتداءِ والبغْيِ.

هذا بلفور وهذا وعدُه
.

وتجيءُ ذكراه اليوم حاملةً معها صورة قاتمة ليس أبغض للعيون من النَّظر إليها، وليس أكره للنَّفوس من التأمل فيها، وليس أسوأ للأذهان من التفكير بها.

كيف لم تَرْتَعِشْ تلك الأصابع وهي مُمْسكة بالقلم يُسطِّرُ الغدرَ بأمَّةٍ، والعبثَ بحقٍّ، والاعتداء على وطنٍ إلَّا أن تكون جامدةً لا حِسَّ ولا حياة فيها؟!

كيف لم يتوقف ذلك التفكير وهو يُملي الجُملة بعد الجُملة في الباطلِ والوقيعة والشرِّ إلَّا أن يكون مُجرَّدًا من العاطفةِ والقلْب؟

والحقُّ المهضومُ، والإنصاف الجريحُ، والوطنُ المُنْتهَكُ -هذه كلها-هل استساغت نفس ذلك الرَّجل القيام بها مرَّة واحدة، دون تردُّدٍ ولا خشيةٍ؟

هل هانت عليه مِنْ غير أن يتمرَّد ضميره ولو ساعة واحدة؟

إذن، فأيَّة نفسٍ تلك، وأيُّ ضميرٍ ذاك؟!

وإذا كان الاشمئزازُ مُرادِفًا لوعد بلفور، فالعزيمةُ المُرهفة، والتَّصميم الرَّاسخُ، والتَّضحيةُ المُطلقة، هذه ما نُواجِهُه بها.

واليوم أحسن من أمس، والغد أسعد منهما معًا –إن شاء الله-فهذا العالم العربي من أقصاهُ إلى أقصاه يقفُ رجلًا واحدًا في وجهِ هذا الوعد، وقفة لا تسامحَ فيها ولا وهن، وهو اليوم أمضى عزيمةً منه في أيِّ يومٍ مضى، وأعلى كلمة، وسوف لا يطمئن ولا يقرُّ حتى تنقشعَ عن سماءِ فلسطينَ هذه الغمامة الكالِحة، فأيُّ حيفٍ ينزلُ بها، لا يقتصر أذاهُ عليها فحسب، بل يتعدَّاهُ إلى كيانِ العرب ووطنِهم الكبير.

تمرُّ هذه الذِّكرى المقيتة على العرب اليوم، وهذا شأنهم: اتحادًا وتصميمًا ومكانةً.

أمَّا الصهيونيَّة فشاعرةٌ بفداحة ما نزلَ بها، إنَّها لم تعُد فوق السرج، بل صارت على الأرض، والذي يُقارِن بين الماضي والحاضر ويعرف الحقائق يطمئنُّ إلى أنَّ هذا التشبيه صادقٌ صحيحٌ، ويطمئنُّ إلى أنَّ العرب بفضلِ حقِّهم وعدالة قضيَّتهم وصدق عزيمتهم سيخلصون من سياسة (وعد بلفور) فلا يبقى هذا الاسم إلا مثالًا من أمثلة على التعسُّفِ في التَّاريخ.

لم يُوقِع (بلفور) العرب وحدَهم في مشكلةٍ معقَّدة بل أوقع أمَّته بها أيضًا، وما نحسب في بريطانيا رجلًا مُحبًّا للحقِّ إلَّا وينفر من هذا الاسم نفورنا منه.

وليكنْ أملُنا دائمًا وعزمُنا: مات وعد بلفور، وعاشت فلسطين.   

المصدر: جريدة الدِّفاع*، العدد 3198، الجمعة 27 ذي القعدة 1364هـ 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1945م، الصفحة (2).

-------------

* جريدة الّدِفاع: جريدة يوميَّةٌ فلسطينيَّةٌ سياسيَّةٌ مُصوَّرةٌ، صدرت في مدينة يافا، وكان أوَّل صُدورِها في شهر شباط/ فبراير 1934م، وقد أسَّسها وترأَّس تحريرها الأستاذ/ إبراهيم الشنطي، وهي من أقوى الصُّحف الفلسطينيَّة التي اشتَهرت وذاع صيتُها في الماضي. 



* في ذكرى (تصريح بلفور) التاسعة والتسعين يعود مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقيَّة للماضي، ويُقلِّب صفحات التاريخ، ويبحث في التُّراث، وينشر للقارئ صفحات ممَّا خطَّته أيادي السابقين من أسلافنا حول هذا التَّصريح المشؤوم.

[1] مضى على وعد بلفور عند رقْم هذه السطور ثمانية وعشرون عامًا؛ إذ كان تاريخ صدوره في 2/11/1917م، بينما رُقِمت هذه السُّطور بتاريخ 2/11/1945م.


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0