10/9/2015


اليهود وخطورة تحريفهم لمفهوم المسجد الأقصى المبارك


أسامة شحادة

إن العدوان اليهودي المسلح من قطعان المستوطنين والجيش هذه الأيام على أولى القبلتين وثالث المساجد المعظمة في الإسلام، عدوان غاشم أثم ولن يمر بلا عقاب، هذا العدوان الذي كسروا فيه نوافذ وأبواب المصلى القبلي وأشعلوا النيران فيه وحوله واعتلوا سطحه وداسوا سجاده بأحذيتهم وأفرغوه من المصلين والمعتكفين وضربوهم واعتقلوهم وكسروا خزائن حرس المسجد ولم يتركوا حرمة إلا انتهكوها.

هذا العدوان اليهودي الذي يراد له أن يفرض على المسجد الأقصى وعلى المسلمين التقسيم الزماني والمكاني، بحيث يكرر اليهود جريمتهم في اقتطاع جزء من الأقصى ويصبح لليهود كما حدث في الاستيلاء على حائط البراق والذي سموه حائط المبكي ومنعوه عن المسلمين، وكما فعلوا في المسجد الإبراهيمي حيث استولوا على جزء منه وصار لهم وقت يمنع المسلمون فيه من مسجدهم!!

وفي خضم هذا العدوان نجد أن هناك دعاية سياسية وإعلامية جاهزة التحضير ومسبقة الإعداد يتداولها ساسة اليهود وإعلامييهم، إذ يرددون كذبة بشعة وهي أن اليهود لم يقتحموا المسجد الأقصى! وأن المسجد الأقصى هو البناء المسقوف أو الأبنية المسقوفة! ولذلك فإن اليهود لم يدخلوا إلى الأقصى بل دخلوا إلى الساحات السماوية الفارغة فقط، وأن من حق اليهود أن يقيموا بناء خاص لهم للعبادة في الساحات الفارغة، وهذا لأنهم لا يرغبون بالاعتداء على مقدسات المسلمين والمتمثلة بالمسجد الأقصى = البناء المسقوف!!

والحقيقة أن هذا العدوان المفاهيمي على المسجد الأقصى هو أخطر من العدوان المادي العسكري بالسلاح والمتفجرات عليه، لأنه يشرعن لكل أشكال العدوان على المسجد الأقصى القديم منها والمستقبلي.

إن تحريف معنى المسجد الأقصى ليكون بحسب ساسة اليهود البناء المسقوف، يسرق أكثر مساحة المسجد الأقصى ولا يبقي للمسلمين إلا شيء بسيط جداً، عبر هذا التحريف المفاهيمي والذي ينطلى على كثير من الإعلاميين والساسة العرب الذين (يشتبكون) مع اليهود في الإعلام أو الهيئات الدولية.

إن التعريف الصحيح للمسجد الأقصى هو ما أورده القاضي مجير الدين الحنبلي في كتابه (الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل): " إن المتعارف عند الناس أن الأقصى من جهة القبلة، الجامع المبني في صدر المسجد الذي فيه المنبر والمحراب الكبير، وحقيقية الحال أن الأقصى اسم لجميع المسجد مما دار عليه السور .. فإن هذا البناء الموجود في صدر المسجد وغيره، من قبة الصخرة والأروقة وغيرها محدثة، والمراد بالأقصى ما دار عليه السور".

أو بعبارة أوضح للأستاذ مصطفي الدباغ في كتابه (القدس): " يتألف الحرم القدسي الشريف من المسجدين، مسجد الصخرة والمسجد الأقصى، وما بينهما وما حولهما من منشآت حتى الأسوار".

فالمسجد الأقصى يشمل الأسوار نفسها وما في داخلها من بناء أي كانت وظيفته للصلاة أو التعليم أو الوضوء أو المآذن والبوابات وأي غرض أخر والساحات المبلطة وغير المبلطة والمزروعة وغير المزروعة بالأشجار، فكل ما في داخل السور والسور نفسه هو من المسجد الأقصى المبارك.

ولذلك نص فقهاء المسلمين على أن ركعتي تحية المسجد الأقصى تجوز في أي مكان منه ولو تحت شجرة أو في ظل السور، وأن أجر الصلاة في أي ناحية من نواحيه تعدل خمس مائة ركعة مما سواه إلا الحرمين الشريفين، لأنها كلها تعتبر جزء من المسجد الأقصى وليس المسجد الأقصى فقط المسجد المسقوف سواء المسجد القبلي أو قبة الصخرة كما يزعم اليهود اليوم.

ومما يؤكد هذا المفهوم الواسع للمسجد الأقصى وأنه كل ما دار عليه السور، أن القرآن الكريم أخبرنا أن الله عز وجل أسرى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى في القدس فقال تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله" (الإسراء: 1)، فسمى الله عز وجل كل تلك الساحة المسورة بالمسجد الأقصى، ومعلوم أن تلك الساحة زمن الإسراء وهو قبل الهجرة بسنتين تقريباً، لم يكن فيها المسجد القبلي ولا قبة الصخرة!

فإذا كان المسجد القبلي وقبة الصخرة هما المسجد الأقصى بالمفهوم اليهودي المعاصر ولم يكونا موجودين زمن الإسراء، فأين هو المسجد الأقصى الذي أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم إليه إذن؟؟ وما هو المسجد الأقصى الذي ذكره القرآن الكريم؟؟

وأيضاً حين حرر المسلمون أهل فلسطين نصارى ويهود من بطش الرومان سنة 15ه، وطلب القساوسة تسليم مفاتيح بيت المقدس للخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنفسه، فجاء إلى القدس على دابة ومعه غلام يتناوبان الركوب عليها، فلما وصل بيت المقدس كان الغلام هو الراكب على الدابة والفاروق رضي الله عنه يمشي على قدميه، فلما رآه القساوسة أيقنوا أنه الشخص الموعود بفتح بيت المقدس، فقد كان الفاروق رضي الله عنه مضرب المثل في العدل والرحمة والتواضع والعلم والذكاء، فاستلم عمر المفاتيح ودخل بيت المقدس وسار إلى المسجد الأقصى ودخل السور وكان ساحة خالية من أي بناء، فلما وصل إلى الصخرة أزال عنها الأوساخ التي وضعت عليها، وشاور الفاروق كعب الأحبار -وهو تابعي كان يهودياً- أين ترى أن أصلى؟ فأشار عليه أن يصلى خلف الصخرة، تجاه مكة، فرفض الفاروق، وتقدم حتى وصل إلى السور جهة القبلة فصلى، ثم أقيم مسجد هناك على أعمدة خشبية.

المهم أن الفاروق رضي الله عنه حين فتح المسجد الأقصى لم يكن هناك بناء للمسجد القبلي ولا قبة الصخرة، مما يبطل مزاعم اليهود وتحريفهم لمفهوم المسجد الأقصى وأنه البناء الموجود الآن باسم المسجد القبلي وقبة الصخرة فقط.

ومما يعزز هذا المفهوم الواسع للمسجد الأقصى، أن هذا السور سور قديم جداً، وعندنا نحن المسلمون أن المسجد الأقصى هو ثاني مسجد وضع في الأرض بعد المسجد الحرام بمكة بأربعين  سنة كما ثبت ذلك في السنة النبوية، وطيلة هذا التاريخ الطويل لم يكن فيه مساكن بل كانت المساكن خارج السور وحوله، لتعارف الجميع على أن ما في داخل السور هو مسجد وأرض مباركة.

إذن المسجد الأقصى هو كل ما دار عليه السور بالإضافة للسور نفسه وما يحتويه من غرف وأبنية ومآذن، وما تحتويه ساحاته من مباني وساحات، وأكثر المسجد الأقصى غير مسقوف، والمسقوف منه مقدار بسيط جداً.

والمسقوف من المسجد الأقصى يتمثل بشكل أساسي من قبة الصخرة والتي أمر ببنائها الخليفة الأموي عبد الملك ن مروان سنة 66ه واستمر العمل بها حتى سنة 72ه، ومن المسجد القبلي والذي كان أصله المصلى العمري الذي أقامه الفاروق لما فتح بيت المقدس سنة 15ه، لكنه اندثر لأنه كان من الخشب وجدد بنيانه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان سنة 74ه بعد الانتهاء من قبة الصخرة، وقيل ولده الوليد هو الذي بنى المسجد القبلي بين سنتي 90-94ه بحسب بعض أوراق البردي التاريخية، وهناك أيضا المصلى المرواني وهو يقع تحت الأرض تحت ساحات المسجد الأقصى ويعتقد أنه تم بنائه لتكملة ساحات الحرم ومصلى مؤقت لريثما يتم بناء المسجد القبلي.  

وحتى ندرك عظم الجريمة والسرقة التي يحاول اليهود القيام بها من خلال تمرير هذا المفهوم المحرف، حتى ندرك ذلك يجب أن نستحضر أن مساحة المسجد الأقصى الحقيقية التي يدور عليها السور هي 144 دونم = 144 ألف م، بينما مساحة المسجد القبلي فقط 4500م، ومساحة قبة الصخرة حوالى 1000م، وهكذا سنجد أن أكثر من 138 ألف م (أكثر من 95%) سرقت من المسجد الأقصى بسبب تحريف معنى ومفهوم المسجد الأقصى فهل نتنبه لهذا الخطر الجسيم ؟؟

ولذلك فإن المسجد الأقصى تعرض لانتهاكات كثيرة جداً، لكن جهل المسلمين عامة والإعلاميين والساسة خاصة بسعة المسجد الأقصى سهلت على اليهود تمرير الكثير من سرقاتهم واعتداءاتهم عليه.

فمثلاً قيام اليهود باستغلال أحد المباني الواقعة في سور الأقصى كمركز شرطة هو استيلاء على جزء من الأقصى وتدنيس له، واحتلال اليهود لبوابة المغاربة وإغلاقها هو استيلاء على جزء من المسجد الأقصى، وكذلك استيلائهم على حائط البراق هو استيلاء على جزء من الأقصى، ومما يخطط له اليهود الاستيلاء على رباط الكرد وإقامة كنيس لهم في الساحات الترابية بدعوى أنها ليست من المسجد الأقصى!!  

وبهذا توجب على الجميع إيلاء الثقافة المقدسية عناية فائقة والتركيز عليها ونشرها بمختلف اللغات وتزويد الإعلاميين والدبلوماسيين بهذه الثقافة بشكل مكثف حتى لا ينجح اليهود في ترويج عدوانهم المفاهيمي على المسجد الأقصى والذي سيمهد الطريقة لشرعنة استيلائهم على غالب المسجد الأقصى وفرض تقسيمهم الزماني والمكاني بل وبناء الهيكل المزعوم نفسه، مع ادعائهم أنهم لم يعتدوا على المسجد الأقصى الذي يخص المسلمين!!

فهل نبادر لنصرة المسجد الأقصى بكل سبيل وقوة وجهد، لنحوز شرف الدفاع والذوذ عن مسرى الرسول ومهبط الأنبياء والقبلة الأولى.

  


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0