10/7/2015


حوار مركز بيت المقدس مع سماحة د. يوسف جمعة سلامة خطيب المسجد الأقصى المبارك


حوار مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية مع سماحة د. يوسف جمعة سلامة

خطيب المسجد الأقصى المبارك، ووزير الأوقاف والشؤون الدينيَّة الأسبق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقد بات مؤكَّدًا أن الاحتلال الصهيوني ماضٍ في غيِّه وإفساده، ولا عجب؛ فالشيء من معدنه لا يُستغرب، ولكنَّ الغريب حالة الصمت الرهيب التي تُخيِّم على المسلمين في أصقاع الأرض.

 في ظلِّ هذه الحالة المُزْرِية التي يشهدها المسجد الأقصى المبارك، كان لا بدَّ من وقفةٍ مع رجلٍ لا تخلو خطبه، وكلماته، ومؤتمراته، واجتماعاته من ذكر الأقصى، وحثِّ الناس على نُصرته، والتوحُّد من أجل حمايته؛ إنَّه سماحة الشيخ د. يوسف جمعة سلامة –خطيب المسجد الأقصى المبارك، ووزير الأوقاف والشؤون الدينيَّة الأسبق-

سماحة الشيخ نُرحِّب بكم في موقع مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقيَّة، ويطيب لنا أن نُجريَ مع سماحتكم هذا الحوار المهم، في هذا الوقت العصيب.

1.    كيف  تُتابعون ما يحدث في المسجد الأقصى المبارك؟

د. يوسف سلامة: مما لا يخفى على أحد أن سلطات الاحتلال الصهيوني وقطعان المستوطنين قد كثَّفوا في الآونة الأخيرة من اعتداءاتهم الإجرامية بحق المسجد الأقصى المبارك بصفة خاصة والمدينة المقدسة بصفة عامة؛ فهناك الاقتحامات اليومية لساحات وباحات المسجد الأقصى المبارك بحماية قوات الاحتلال الصهيوني، وذلك من باب المغاربة الذي تُسيطر عليه سلطات الاحتلال الصهيوني منذ عام 1967م.

ومن المعلوم أن هذه الاقتحامات والاعتداءات  المتكررة على المسجد الأقصى المبارك ما هي إلا حلقة من حلقات المخطط الاحتلالي المتطرف لتهويد المدينة المقدسة وإقامة ما يُسمى بالهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى المبارك لا سمح الله، حيث إن سلطات الاحتلال الصهيوني تُحاول فرض سيادتها على المسجد الأقصى المبارك من خلال محاولاتها الرامية إلى تقسيم المسجد زمانيًا ومكانيًا، وهذا ما كناَّ قد حذرنا منه مراراً خلال السنوات الماضية، كما أن المدينة المقدسة تتعرض لمجزرة بشعة طالت البشر والشجر والحجر والتاريخ والحضارة.

إننا ننظر بخطورة بالغة إلى هذه الاعتداءات الإجرامية، ونستهجن الموقف الدولي المتآمر أو الصامت عما يجري في المدينة المقدسة والمسجد الأقصى، هذا الموقف الباهت الذي أدى إلى تمادي سلطات الاحتلال في إجراءاتها العدوانية وتكثيف اقتحاماتها اليومية من قبل المستوطنين والحاخامات، حيث إنهم يهدفون بشكل أساسي إلى تهويد هذا المسجد الإسلامي المقدس.

وبهذه المناسبة فإننا نحيي أهلنا في المدينة المقدسة ونُشيد بصمودهم من سدنة وحراس ومصلين ومعتكفين ومرابطين وطلاب وطالبات مصاطب العلم، وتمسكهم الدائم بحقوقهم المشروعة في الدفاع عن أقصاهم ومقدساتهم مع أشقائهم في الداخل الفلسطيني، حيث إنهم جميعًا يشكلون رأس الحربة وخط الدفاع الأول عن الأقصى والمقدسات بالإنابة عن أبناء الأمتين العربية والإسلامية.

2- قبل شهرٍ –تقريبًا-  حلَّت الذكرى السادسة والأربعين لإحراق أجزاء من المسجد القبلي، وقبل خمسة عشر عامًا بالتمام اندلعت انتفاضة الأقصى والتي كانت زيارة المجرم (أرئيل شارون) سببًا رئيسًا لاندلاعها، واليوم نشهد حرق أجزاء من الأقصى، ونرى الخراب والتدمير، والاقتحامات المتكررة، ولا نسمع إلا شجبًا واستنكارًا في أحسن الأحوال؛ ما تفسير سماحتكم لذلك؟

د. يوسف سلامة: قبل أسابيع مرَّت بنا الذكرى السادسة والأربعين لإحراق المسجد الأقصى المبارك والتي تأتي في الحادي والعشرين من شهر أغسطس (آب) من كل عام، حيث اعتدى المحتلون الصهاينة على أولى القبلتين وثاني المسجدين بالنسبة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ فقد تعرض المسجد الأقصى المبارك في ذلك اليوم  للحريق المشؤوم، وأصبح منبر البطل صلاح الدين أثراً بعد عين، ومن الجدير بالذكر أن هذا الاعتداء ليس جديداً فقد سبقته حوادث عديدة منها: إغلاق باب المغاربة ومصادرة مفاتيحه، وهدم حي المغاربة بالكامل سنة1967م، وبعده مجزرة الأقصى عام 1990م، وأحداث النفق عام 1996م، وتدنيس شارون للمسجد الأقصى سنة 2000م وما تبعه من اندلاع انتفاضة الأقصى، وكذلك التضييق على الأوقاف  الإسلامية في إصلاح المسجد وترميمه، والاقتحامات المتكررة من قبل المستوطنين للمسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتلال اليهودي، ومنع المصلين من الوصول إليه لتكتحل عيونهم بالصلاة فيه.

إن ما يشهده المسجد الأقصى المبارك اليوم من اعتداءات واقتحامات يومية، وإحراق لسجاده وأبوابه، وتدمير لنوافذه وقناديله، ما هي إلا حلقة من المخطط الاحتلالي المتطرف لتهويد المسجد الأقصى وفرض السيادة اليهوديَّة عليه، من خلال محاولة تقسيمه زمانيًا ومكانيًا تمهيدًا  لإقامة ما يُسمى بالهيكل المزعوم على أنقاضه لا سمح الله، حيث بدا ذلك واضحاً من خلال الحملات  التي أعلنوا عنها للزحف نحو المسجد الأقصى خلال ما يُسَمَّي بأعيادهم الدينية، وما قيادة الوزراء وأعضاء الكنيست والحاخامات لهذه الاقتحامات إلا دليلٌ على ذلك، فسلطات الاحتلال الصهيوني تستغل الانقسام الفلسطيني والتشتت العربي وانشغال كل دولة بما يجري داخلها والضعف الإسلامي والتآمر الدولي لتنفيذ مخططاتها الإجرامية، حيث أدى ذلك إلى تراجع أولويات الأمة ولم تصبح قضية الأقصى والقدس –وللأسف- ضمن أولوياتها، وسلطات الاحتلال اليهودي ترصد وتراقب جميع المواقف العربية والإسلامية، فهذه المواقف التي تقتصر على الشجب والاستنكار فقط تُشجع سلطات الاحتلال على المُضيّ قُدماً في تنفيذ مخططاتها العدوانية ضد المسجد الأقصى والقدس.

3- إجراءات الاحتلال الصهيوني بحق القدس والمقدسيِّين مستمرة وبوتيرة مُتصاعدة، والمُلاحَظُ أنَّها إجراءات موجَّهة ومركَّزة في اتجاه السيطرة على المسجد الأقصى وتقسيمه زمانيًّا؛ وعلى سبيل المثال: اعتبار المرابطين في المسجد الأقصى تنظيمًا إرهابيًّا، وحظر وزير الجيش الإرهابي (يعالون) مصاطب العلم الشرعي في المسجد الأقصى.. برأيكم ما هو هدف الاحتلال الصهيوني من وراء هذه الإجراءات؟

د. يوسف سلامة: إن مدينة القدس في هذه الأيام تتعرض لمحنة من أشد المحن وأخطرها، فالمؤسسات فيها تُغلق، والشخصيات الوطنية تُلاحق، وآلاف المقدسيين يُطردون، وتُفرض عليهم الضرائب الباهظة، وتُهدم عشرات البيوت في البلدة القديمة وشعفاط وسلوان والشيخ جراح والعيساوية وغيرها من الأماكن، إلى إغلاق المحلات التجارية في باب العامود، وإقامة الحدائق التلمودية في محاولة لتزييف التاريخ والحضارة ، والعمل على تغيير المناهج التعليمية، وأسماء الشوارع والميادين، كما أن الأرض تُنهب، وجدار الفصل العنصري يلتهم الأرض، وكل معلم عربي يتعرض لخطر الإبادة والتهويد، وسلطات الاحتلال تشرع في بناء عشرات الآلاف من الوحدات الاستيطانية لإحداث تغيير ديموغرافي في المدينة المقدسة من أجل إضفاء الطابع اليهودي عليها.

ومن المعلوم أن سلطات الاحتلال الصهيوني تُصعّد من إجراءاتها العدوانية ضد  المسجد الأقصى المبارك وذلك من خلال الاقتحامات اليومية والسماح للمستوطنين وقادة الاحتلال الصهيوني باقتحامه، حتى أنّ الحاخامات عندهم ألغوا الفتوى القديمة التي تُحَرِّم الدخول للمسجد الأقصى بفتوى جديدة تُبيح اقتحامه، مع العلم أن المسجد الأقصى المبارك مسجد إسلامي وحق خالصٌ للمسلمين وحدهم بقرار رباني وليس لغير المسلمين حق فيه، كما جاء في صدر سورة الإسراء : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).

إن الاقتحامات المتكررة التي تقوم بها سلطات الاحتلال اليهودي للمسجد الأقصى المبارك وبشكل شبه يومي والتي تتم تحت غطاء سياسي وعسكري، لتؤكد على سعي سلطات الاحتلال الصهيوني لتطبيق وفرض مخطط التقسيم الزماني في المسجد الأقصى، من خلال إغلاق المسجد في الفترة الصباحية أمام المسلمين، والاعتداء والتضييق على رُوّاده من المصلين والمعتكفين والمرابطين وطلبة مصاطب العلم وطلاب مدراس الأقصى، وذلك بمنعهم من دخول المسجد الأقصى واعتقال بعضهم ومصادرة هوياتهم، و بالمقابل السماح للمستوطنين بدخوله في تلك الأوقات وتوفير الحماية لهم، وما القرار الذي أصدره وزير الجيش الصهيوني ضد المرابطين والمرابطات وطلاب وطالبات مصاطب العلم والمعتكفين في المسجد الأقصى إلا دليل على ذلك، حيث إننا نعتبر هذا القرار باطلاً.

إن هذه الاعتداءات الصهيونية لتدل دلالة واضحة على أن سلطات الاحتلال الصهيوني مصممة على تنفيذ مخططاتها الإجرامية بحق الأقصى والقدس والمقدسات، حيث إنها تهدف من وراء هذه الإجراءات إلى إحداث تغيير ديموغرافي في مدينة القدس لصالح اليهود وتقليل نسبة السكان الفلسطينيين  إلى أدنى مستوى بحلول عام 2020م، من أجل إضفاء الطابع اليهودي على المدينة المقدسة، وكذلك تفريغ المسجد الأقصى من المرابطين والمعتكفين الذين يتصدون لاقتحامات المستوطنين اليومية، حيث إنهم يشكلون خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى المبارك.

4- ما هو السبيل الأنسب لمواجهة إجراءات الاحتلال بحق المسجد الأقصى المبارك؟

د. يوسف سلامة: من المعلوم أن أرض فلسطين كلّها ملك عام للأمة ووقف لجميع المسلمين في العالم، فهي أرض الإسراء والمعراج وقبلة المسلمين الأولى، وواجب عليهم أن يعملوا على تحرير أرضهم ومقدساتهم  التي استولى عليها الأعداء، وأن يعملوا جميعاً على مواجهة المخططات اليهودية التي تهدف للسيطرة على المسجد الأقصى المبارك وتهويد المدينة المقدسة، وذلك من خلال النقاط الآتية:

1- ضرورة التمسك بكتاب الله وسنة رسوله: لأن النصر دائمًا يكون للمؤمنين، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

2- التمسك بالأرض والمقدسات: فالواجب على الشعب الفلسطيني ومعه كل العرب والمسلمين أن يتمسكوا بالثوابت الوطنية والحقوق التاريخية، وعدم التفريط أو التنازل عنها تحت أي ظرف إقليمي أو دولي، كما يجب على الجميع أن يحملوا عبء القضية الفلسطينية؛ لأنها قضية كل مسلم، وأن يستثمروا جميع إمكانات الأمة في دعم القضية الفلسطينية.

3- العمل على تعزيز وحدة الأمة العربية والإسلامية وذلك من خلال:

- العمل على وحدة الصف الفلسطيني.

- إعادة التضامن العربي في إطار جامعة الدول العربية.

- تفعيل دور منظمة التعاون الإسلامي.

4- إنشاء صندوق خاص بالقدس لدعم صمود أهلها أمام سياسات التهويد والاستيطان التي تتعرض لها المدينة المقدسة.

5- اهتمام وسائل الإعلام بإبراز القضية الفلسطينية بصفة عامة ومدينة القدس والمسجد الأقصى بصفة خاصة.

6- ضرورة تدريس مساق عن القدس وفلسطين في المؤسسات التعليمية.

7- تكوين فريق من المحامين للدفاع عن المسجد الأقصى والمدينة المقدسة وفلسطين.

5- ما هو دور العلماء في نصرة المسجد الأقصى المبارك؟

د. يوسف سلامة: من المعلوم أن ديننا الإسلامي يؤكد على مكانة العلماء وفضلهم؛ فوجودهم في الأمة حفظٌ لدينها وَصَوْنٌ لعزتها وكرامتها، فهم ورثة الأنبياء في أُمَمِهم، وأمناؤهم على دينهم، وللعلماء دورٌ مهم في نصرة المسجد الأقصى المبارك من خلال توعية المسلمين بمكانة المسجد الأقصى في عقيدة الأمة عبر وسائل الإعلام المختلفة، وذلك بالتركيز على أن قضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى هي القضية المركزية للأمة، والتأكيد على أهمية الوحدة لمواجهة الأخطار المحدقة بفلسطين ومقدساتها، لأن التشرذم والانقسام الذي تعيشه الأمة الإسلامية يُشَجِّع سلطات الاحتلال على مواصلة جرائهما ضد الأقصى والقدس، ومطالبة الأمة بوجوب نصرة المقدسيين الذين يعانون صنوف البلاء وألوان الإيذاء فهم خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى والمدينة المقدسة، والحثّ على ضرورة التمسك بالمسجد الأقصى والقدس والمحافظة عليها وعدم التفريط بذرة تراب منها، ودعوة المسلمين للتفاعل مع قضية الأقصى والقدس والمقدسات، وتعليم أبناء الأمة بأن المسجد الأقصى المبارك الذي تبلغ مساحته (144) دونمًا هو وقفٌ إسلامي سواء أكان فوق الأرض أم تحتها، وهو حقٌ خالص للمسلمين وحدهم وليس لغير المسلمين حق فيه، وأن مدينة القدس ستبقى إسلامية الوجه، عربية الهوية، ولن يسلبها الاحتلال وجهها وهويتها مهما أوغل في الإجرام وتزييف الحقائق.

وعلى العلماء أن يقفوا بالمرصاد لكل من يحاول تجاهل قضية الأقصى والقدس، فلا بُدّ أن تكون هذه القضية حاضرة على جميع المنابر وفي جميع المواقع وفي كل الخطب والمؤتمرات، كما يجب عليهم دعوة الفصائل الفلسطينية لجمع شملها وتوحيد كلمتها لتستطيع مواجهة هذا المحتل البغيض الذي أهلك الحرث والنسل.

ومن الجدير بالذكر أن للعلماء دورًا فاعلاً في الذود عن القدس والمقدسات، فقد هبّوا للدفاع عنها وما زالوا يحثون على ضرورة التمسك بها وبمقدساتها، ويتجلى ذلك من خلال مواقفهم المشرفة وفتاواهم القيّمة التي أصدروها قديمًا وحديثًا، ففلسطين وديعةُ محمدٍ عندنا، وأمانةُ عمر في ذِمَمِنَا، وعهدُ الإسلامِ في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منّا –ونحن عُصبةٌ- إنا إذًا لخاسرون.

6-كيف تنظرون –سماحتكم- لردود الفعل الإسلامية والعربيَّة إزاء ما يحدث في الأقصى، وهل تعتقدون أنَّ الجهات الرسميَّة –الفلسطينيَّة والعربيَّة- قامت بدورها المطلوب منها،  وما هو الدور المُلْقى على عاتق وزارات الأوقاف في الدول الإسلاميَّة المختلفة ؟

د. يوسف سلامة: لدى متابعتنا لردود الأفعال الإسلامية والعربية إزاء ما يحدث في المسجد الأقصى نجدها –وللأسف- ردود أفعال لا ترقى لمستوى الاعتداءات الإجرامية بحق المسجد الأقصى وبحجم الأخطار المحدقة بالمقدسات الإسلامية، فبيانات الشجب والاستنكار لم يَعُدْ  لها أي صدى لدى المجتمع الدولي وحكومة الاحتلال.

ومن الجدير بالذكر أن العرب والمسلمين قد أولوا المدينة المقدسة عناية كبيرة عبر التاريخ، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- لم يخرج من الجزيرة العربية إلا إلى القدس  في رحلة الإسراء والمعراج يوم صلَّى إماماً بالأنبياء والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام-، كما أن سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – الذي فُتحت في عهده مصر ودمشق وبغداد لم يذهب لاستلام مفاتيح أي عاصمة، وإنما جاء إلى القدس في إشارة منه – رضي الله عنه – إلى مكانة هذه المدينة في عقيدة الأمة، وهذا ما سار عليه المسلمون عبر التاريخ.

إن ما يحدث للمسجد الأقصى المبارك من انتهاكات واعتداءات إجرامية يومية وبوتيرة متسارعة يقع ضمن مخططٍ احتلالي يهدف للتقسيم الزماني والمكاني، وعلى الجميع أن يعي حجم المخاطر المُحْدقة بالقدس وأن تكون ردة الفعل بحجم الخطر الداهم، لأن الواجب على الجميع أن يقوموا بدورهم الكامل تجاه قبلة المسلمين الأولى ومسرى نبيهم –صلى الله عليه وسلم-، ورغم ذلك يحذونا الأمل الكبير بأن تقوم الأمة إن شاء الله بواجبها تجاه الأقصى والقدس.

وأما المطلوب من وزارات الأوقاف فعليها مسؤوليات كبيرة تجاه القدس وأهلها، فيجب أن تكون هناك وقفيات في جميع بلاد المسلمين يُخَصَّص ريعها للمحافظة على المسجد الأقصى ولتعزيز صمود المقدسيين، وعقد المؤتمرات والمحاضرات بصفة دورية لبيان أهمية ومكانة القدس بصفة عامة والمسجد الأقصى بصفة خاصة، وفضح الانتهاكات الصهيونية بحق دور العبادة، ويجب أن تكون فلسطين والأقصى والقدس حاضرة في خُطب الجمعة، وأن يُخَصَّص جزء من الأدعية للمسجد الأقصى لما للدعاء من أهمية كبرى في ديننا الإسلامي.

7- تابعْنا عبر وسائل الإعلام بأنَّ الحكومة الأردنيَّة تقدَّمت بمشروع عربي –نيابةً عن العرب- لمجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار يمنع العدو الغاصب من اقتحام الأقصى، والمساس بقدسيَّته.. هل تعوِّلون على انعقاد مجلس الأمن، وهل ستردع قراراته حكومة الاحتلال ومغتصبيه؟

د. يوسف سلامة: إن دولة الاحتلال لا تعترف بقرارات مجلس الأمن ولا تُنفذ القرارات الدولية، ومنها:

( قرار عصبة الأمم سنة 1930م بعد أحداث ثورة البراق )  والذي ينص على أن حائط البراق جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك وليس لغير المسلمين حقٌ فيه، وكذلك قرار محكمة الجنايات الدولية قبل سنوات بعدم شرعية جدار الفصل العنصري،وغير ذلك من القرارات.

 وبالرغم من ذلك فإن أي جهد عربي وإسلامي لاستصدار قرار دولي لإدانة ووقف الهجمة المسعورة بحق الأقصى والقدس والمقدسات لهو جُهدٌ مشكور لفضح الجرائم الصهيونية ولتعرية الاحتلال أمام الرأي العام الدولي، ولكن الأمة مطالبة بمضاعفة الضغط على الدول الكبرى للجم الاحتلال عن ممارساته العدوانية ضد شعبنا ومقدساتنا.

إننا بعد اتكالنا على الله نُعَوِّل على صمود أهلنا المقدسيين وسدنة الأقصى وحراسه وطلاب وطالبات مصاطب العلم والمرابطين داخله وفلسطينيي الداخل للدفاع عن المسجد الأقصى المبارك، متسلحين بالثقة بالله، وكلنا ثقة وأمل بأن الباطل مهما قويت شوكته وَكَثُر أعوانه فلا بُدّ له من يوم يخرّ فيه صريعاً أمام قوة الحق والإيمان.

8- هل من كلمةٍ لأمَّة الإسلام – إعذارًا وإنذارًا- لما يحدث في المسجد الأقصى المبارك؟

د. يوسف سلامة: من المعلوم أن فلسطين ومقدساتها تتربع في قلب كل عربي ومسلم، فهي أمانة تسلمتها الأمة الإسلامية منذ حادثة الإسراء والمعراج، كما أنها أرض إسلامية فتحها الأجداد وحافظ عليها وضحى من أجلها الآباء وسيحررها إن شاء الله الأحفاد، فقضية فلسطين هي قضية العرب والمسلمين جميعاً لارتباطها الوثيق بدينهم وتاريخهم وتراثهم، لهذا كان الدفاع عنها والعمل على تحريرها فرضاً على كل عربي ومسلم، وكان التخلُّف عن ذلك إثماً كبيراً، فارتباط المسلمين بالمسجد الأقصى المبارك ارتباط عقدي وليس ارتباطاً انفعالياً عابراً ولا موسمياً مؤقتاً؛ لأن حادثة الإسراء من المعجزات ، والمعجزات جزء من العقيدة الإسلامية، كما أن القدس هي أرض المحشر والمنشر؛ فمدينة القدس مهوى أفئدة المليار ونصف المليار مسلم في جميع أنحاء العالم، لذلك فإن الواجب عليهم جميعاً أن يدافعوا عن هذه المدينة المقدسة وأن يعملوا على تحريرها من المحتلين، وألا يتركوها وحيدة أمام الهجمة الشرسة التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي صباح مساء.

إننا نؤكد على أن مسؤولية الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك ليست مسؤولية الشعب الفلسطيني وحده وإن كان هو رأس الحربة في الذود عنه وحمايته، بل هي مسؤولية العرب والمسلمين جميعًا في مساندة هذا الشعب والوقوف بجانبه ودعم صموده للمحافظة على أرضه ومقدساته، عملاً بحديث رسولنا –صلى الله عليه وسلم- كما ورد عن ميمونة مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ: "يَا رَسُوَلَ اللهِ، أَفْتِناَ فِي بَيْتِ الْمَقِدْسِ، قَالَ:" أَرْضُ الْمَحْشَر ِوالْمَنْشَر، ائْتُوهُ فَصَلُّوا فيِه، فَإِنَّ صَلاَةً فِيِه كَأَلْف صَلاَة فِي غَيْرِهِ"، قَلتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَحَمَّلَ إليه؟ قال:" فَتُهْدِي لَهُ زَيْتاً يُسْرَجُ فِيهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذِلكَ فَهُوَ كَمَنْ أَتَاهُ"، فالمسجد الأقصى المبارك وقف إسلامي وما فوقه وما تحته وقف إلى يوم القيامة، ونحن هنا نطالب أبناء الأمتين العربية والإسلامية ألا ينسوا مسرى نبيهم محمد –صلى الله عليه وسلم- وندعوهم إلى إدراك الأخطار المحدقة به، وضرورة الوقوف إلى جانب المقدسيين لحماية المسجد الأقصى والقدس من المخاطر الإسرائيلية.

كما يجب على الأمة الإسلامية التنسيق الكامل فيما بينها من أجل المحافظة على المسجد الأقصى بصفة خاصة ومدينة القدس بصفة عامة، والوقوف أمام الهجمة الصهيونية التي تسعى لتهويد المدينة المقدسة وطرد أهلها، وهذا يتطلب أن يكون الموقف العربي والإسلامي قويًّا ثابتًا واضحًا من خلال وحدة الصف والهدف والأداء، فالأمة الإسلامية أكرمها الله بخيرات كثيرة وطاقات متعددة، فمن قوة بشرية، إلى قوة اقتصادية، إلى قوة روحية، إلى موقع استراتيجي، لذلك يجب على الأمة أن تُسخِّرَ هذه الطاقات لمواجهة الأخطار المحدقة بفلسطين وَسُبُل التصدي لها، ومساعدة المقدسيين على الثبات فوق أرضهم.

فأرض فلسطين عزيزةٌ علينا، دنيا وديناً، قديمًا وحديثًا، ولن نفرّط فيها أبدًا مهما كانت المغريات، ومهما عظمت التهديدات.

ومن خلال موقعكم المبارك نوجه نداء استغاثة إلى أمتنا الإسلامية .. يا أمة المليار ونصف المليار، قبلتكم الأولى تُدَنَّس كل يوم بأقدام المحتلين، ومخططات هدمه وتهويده تسير بخُطَى متسارعة جداً، فماذا أنتم فاعلون؟! هل تنتظرون يوم هدمه أو قرار تقسيمه لنرى ردود أفعالكم ؟! أم الاكتفاء بالتعبير  عن القلق إزاء الانتهاكات الصهيونية، أو الاكتفاء بردود خجولة، فذلك هو الذي يُشجعها على المزيد من الانتهاكات والاعتداءات.

إن القدس هي الخط الفاصل بين أن نكون أو لا نكون.


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 1

  • يا قدس ان قادمون وانا على العهد باقون الله أكبر ولله الحمد