7/17/2014


ما بينَ رأيِ العينِ و(جرِّ) القلمِ..!!


إبراهيم بن عمر الأغا

 

الحمدُ لله وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذينَ اصطفى، وبعدُ:

فإن مما يَسْتَثِيرُ حفيظة كاتبٍ أن يُطلِقَ في السَّبْقِ عِنانَ عزمه، ويشحذَ في الساحِ شَفْرةَ قلمِه، ويَعصُبَ جبينَه بما عَقَد – قبلُ – من لواءِ حربِه، غازياً أو مواسياً.. أنَّ عينَ أحدنا لم تكدْ تذوقُ غَماضاً قط في ليلٍ ولا في نهارٍ إلا أزَّها صوتُ مُنادي الفَزَعِ إلى (مَوائِدِ = بمعنيين) البُنيانِ! ومُقَطَّعَاتِ اللُّحْمَانِ!!

ينفجرُ الصاروخُ فلا يلبثُ أنْ ينفجرَ معه قَدْحُ زنادِكَ، فتستعرَ به نارُ قريحتِكَ وخيالِكَ، حتى إذا فاضتْ كأسُ عاطفتِكَ سالتْ مِداداً مَدَّادَ الأكُفِّ تِلقَاءَ وجهِكَ! فلا تجدُ بُداً ولا مناصاً، فتعقِدُ من تحتِ الرُّكامِ رايةً سوداءَ، يخالُ الناظرُ إليها أنما ينظرُ في مرآةِ فِكْرهِ إلى نافذةِ الماضي..

فتُجرِّدُ لها قلماً أيِسَ منه غِمْدُه! فتَخُطُّ به سبيلاً لا مَحِيدَ عنه ((لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد))، وتَؤُمُّ عسكراً للقوم فترفلُ في ثَوبِكَ ألوانٌ مِن نُوَبٍ شتَّى، ما كنتَ تخالُها تَلينُ لِذِي قَدَمٍ قطُّ حتى يكونَ حَرَضاً أو يكونَ من الهالكين!

وعلى مِثْلِ هذا مضيتُ يحدوا بي حُسنُ الظنِّ بربِّ العزةِ والجلالِ ألا تهبَّ ريحُ الصَّوَارِفِ فتَقْتلعَ خيامَ الهِمَّةِ، وتَكْفَأَ قُدُورَ العزيمةِ..

زعموا أنهم يَرجُمونَ إذ يَرْمونَ صَرْحَ الإرهابِ في دعوىً عريضةٍ فضفاضةٍ، دخلَ – أو أدخلوا – تحتَ رحبِ عباءتِهَا أقواماً بُرآءَ لا حولَ لهمْ ولا قوةَ، وما كانَ لهمْ يوماً ناقةٌ في حربِ يهودٍ ولا جملٍ!!

فذكَّرني – على فارقٍ في التشبيهِ –  بخَبَرِ القومِ مَسَّهُم فأرٌ بسوءِ وانثنى، ثم إذا هُمْ تنادَوا، وَثَبَ سِنَّورُهم والفأرُ في جُحْرِهِ قائِلٌ! فلا يقعُ إلا على عودِ البانِ مَسَّتْهُ يدُ الرِّيحِ زَعْزَعٍ أو رُخَاءٍ، فحالَ عَضاً دونَ صُلبِهِ ولُحائِهِ، فلا هُم – وهو – نالوا من الفأرِ إذ راموا صيدَه، ولا هُم بَرْقَعُوا وجهَ الخِزْيِ منهم إذ أبادُوا غيرَه!

فلم يخلُ أمرُهم من إحدى اثنتينِ، إما أنه كذبٌ بادي العورةِ مكشوفٌ عنهُ سِتْرُه! أو هو عمى الصاروخِ أنى وجَّهْتَهُ لم يأتِ بخيرٍ!!

حتى حَسُنَ – والحالُ هذه – أن تكونَ أُمْثُولَةً على ألسِنَةِ العربِ تجرِي وتُروَى، ولولا الإدْراجُ المذمومُ عند أهل الصَّنْعةِ الحديثيةِ لقلتُ: جديرٌ أن تُلحَقَ بِجَمْهَرَةِ الأمثالِ! وقد جَوَّزَ الإدراجَ المنضَبِطَ بشُروطِه كثيرٌ مِن أصحابِ الشأنِ..!!

فإن تكُنِ الأُولى، حَسُنَ حينئذٍ أنْ يُقالَ فيها: (أكذبُ من يهودٍ) أو (أقْذَى مِن عينِ ضابِطٍ)!

وإن تكُنِ الأخرى قُلنَا: (أنْبَا مِن صاروخٍ) أو (كما بينَ الصاروخِ وهدفِهِ) – بُعداً – !

فكيفَ لا يكونُ وأكثرُ قتلانا ما بينَ طفلٍ وعَجُوزَيْنِ – نسألُ اللهَ أن يتقبلَهُم في الشُّهَداءِ – ممنْ لم تحملِ ساقاهُ عُودَه حتى يحمِلَ ما يرمِيهِ بمثلِهِ القومُ؟!

ولا غَرْوَ أنَّ (أفْعَلَ = التَّحْقِيرِ) بادٍ لِوَاؤُهَا في الميدانِ، إذْ القومُ ما فَتِئُوا يخرُجونَ علينا بأمثالِ: (أقْوَى) وأخواتِهَا، أو (أسْرَعَ) وجاراتِهَا، أو... إلخ!

ولا يَعْدوا أمرُ ما نحنُ فيهِ في عينِ النَّاظِرِ الفَطِنِ اللَّبيبِ – قِيدَ أَنْمَلَةٍ – أكثرَ من كونِهِ لُعْبَةً سِيَاسِيَّةً رخيصةً – غيرَ صينيةِ الصُّنْعِ (!) – نحنُ فيها كُرَةٌ دائِرةٌ بينَ يَدَيْ طفلٍ يمينٍ وشمالٍ..!

ولستُ أُرخي طِوَلَ مَقَالي، فما إطالةٌ إلا أدْعَى للخطأِ والإمْلالِ جميعاً، فأما الإمْلالُ فخلا عندَ ذوي الجَلَدِ والبصيرةِ، وأما الخطأُ فما أقرَبَ أنْ تَقَعَ – أخي القارئُ – على نحوِهِ، مِنْ أمرٍ كَبَا في المسِيرِ إليه فَرَسُ بَنَاني، أو عَثَر في شِعابِهِ جوادُ لساني، أو حارَ في سبيلِهِ دليلُ بياني! وما عَفْوُ ذلكَ – كلِّهِ – وغيرِهِ إلا عينُ الكَرَمِ، وأرْفَعُ الشِّيَمِ، ما حسُنَ مِنَّا (القَصْدُ) واجتهدنا في (قَصْدِ) السَّبيلِ، واللهُ الموفِّقُنا للهُدى وهو نِعمَ الوكيلُ.

 

إبراهيم بن عمر الأغا

17 رمضان 1435 هــ

15/7/2014م

غزة – فلسطين


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0