3/16/2008


الصراع والاقتتال الدائر بين فتح وحماس.


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفتوى الشرعية في الصراع والاقتتال الدائر بين فتح وحماس وغيرها من حركات وتنظيمات وأحزاب - وبين عائلات الأمة وأفرادها - إن وقع لا سمح الله تعالى.

 

الحمد لله على كل حال والصلاة والسلام على النبي الرسول وصحبه والآل ، أما بعد:

 من عبد الله محمد بن سلمان بن حسين أبو جامع إلى من يطلع عليه من المسلمين:

 قال U :"وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" (الأنفال:25)

 وقال U :" ... وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ... " (البقرة: 217)

وقال U :" ... وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ..." (البقرة: 191)

وقال U :" ... فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " ( النور 63).

وقال e :" تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع ، والمضطجع فيها خير من القاعد ، والقاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الراكب ، والراكب فيها خير من المجري ، قتلاها كلها في النار ، قيل : ومتى ذلك يا رسول الله ؟ قال : ذلك أيام الهرج؛ حين لا يأمن الرجل جليسه، قيل : فما تأمرني إن أدركت ذلك ؟ قال: كف يدك ونفسك، وادخل دارك ، قيل : أرأيت إن دخل علي داري ؟ قال : فادخل بيتك ، قيل : أرأيت إن دخل علي بيتي ؟ قال : فادخل مسجدك – الذي في الدار – واصنع هكذا – وقبض بيمينه على الكوع – كما في هيئة الصلاة اليمنى على اليسرى – أي كتف يديك – وقل ربي الله حتى تموت على ذلك" أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وابن عساكر وغيرهم .

وفي رواية :" ...فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل " أخرجه عبد الرزاق وأحمد والدارقطني والطبراني وأبو يعلى .

وفي رواية أخرى :" ... وكونوا فيها كخير ابني آدم " أخرجه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم.

 وفي رواية رابعة :" ستكون فتنٌ القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، قيل : أفرأيت يا رسول الله إن دخل علي بيتي ، وبسط يده ليقتلني؟! ،قال : كن كابن آدم " أخرجه أحمد وأبو داوود والترمذي والحاكم .يعني بـ "كن كابن آدم" المقتول الذي له الجنة وهو خير ابني آدم ، لا القاتل الذي له النار.

وفي رواية خامسة أنه e قال :" ستكون بعدي فتن ، النائم فيها خير من اليقظان ، والجالس فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، ألا فمن أتت عليه – الفتنفليمش بسيفه إلى صفاة – صخرة – فليضرب به بها حتى ينكسر ثم ليضطجع حتى ينجلي عما انجلت عليه". أخرجه أحمد وعبد الرزاق وابن مندة والبغوي وابنا قانع والخولاني وعبد الجبار والطبراني .

والفتنة التي حذر منها رسول الله e هي الفتنة التي تسقط بها الراية وتهدر بها المقدرات وتتقطع بها أواصر الأمة وتجعلها شذراً مذراً وبعد عين أثراً تلكم الفتنة التي تخشاها الأمم فيما يسمى بالحرب الأهلية التي تهلك الصغير والكبير والصالح والطالح والعابد والتارك والمصلح والمفسد والمحسن والمسيء بل قل تهلك الأخضر واليابس.

فإلى أمة الإسلام في كل مكان من كان منهم على هذه الأرض المباركة أو في سائر الأوطان من أرض الإسلام ، في هذا الوقت الذي تدمي فيه قلوب الغيارى مما يصيب أهلنا ومقدرات وطننا المقدس جراء الاحتلال أرفع هذا البيان الذي حملته الأحكام الشرعية التي لا يحل لمسلم أن يتعداها عند وقوع الفتن بين أبنائنا وإخواننا أبناء هذا الشعب الذبيح المنكوب ، وهذا الوطن المبتلى على مر السنين بأعدائه أو بأبناء الجلدة الذين لا يقدرون مصلحة الدين والأمة والوطن، أرفع ذلك اتباعاً لما أمر به ديننا الحنيف في مثل هذه المحن ، وذلك لما يربطنا بأهلنا وأبنائنا وإخواننا من روابط القرابة والجوار والمصاهرة والمواطنة التي جاء الدين الحق بمراعاتها جميعاً.

أيها المسلمون في هذا الوطن :

الأمــر خطيــــر !! وخطيــــر جـــداً !!

جاء أن النبي e بعث خالد بن الوليد إلى بني ، أحسبه قال : جزيمة ، فدعاهم إلى الإسلام ، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا ، فجعلوا يقولون :صبأنا ، صبأنا – أي خرجنا من ديننا وأسلمنا - ، وجعل خالد بهم أسراً وقتلاً ، قال : ودفع إلى كل رجل منا أسيراً ، حتى إذا أصبح يوماً أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره ، قال ابن عمر : فقلت لا أقتل أسيري ، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره ، قال : فقدموا عل النبي e فذكروا له صنيع خالد ، فقال النبي e : اللهم أني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين " أخرجه أحمد والبخاري والنسائي.

فعلى من يتولى أمر الأمة أن يتبصر موقع الشبهة لأن الله تعالى حرم قتل النفس البشرية بعامة والمسلمة بخاصة بغير حق كما جاء في محكم التنزيل :" وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً " (الفرقان:68-70)

وقال تعالى :" مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً... " (المائدة :32)

وجاء أن غلاماً قتل غيلة – في اليمن – فلما بلغ عمر الأمر قال :" لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم "أخرجه مالك والبخاري.  

وقال e :"من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً" أخرجه البخاري.

هذا أخي المسلم في المعاهد فما بالك بالمسلم الذي عصم الله دمه بكلمة التوحيد ، إذ قال e :" لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق من الدين التارك للجماعة " أخرجه البخاري. وكذا عنده وعند مسلم برواية أخرى فيها بعض الاختلاف.

 وقال e :" لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً " أخرجه أحمد والبخاري والحاكم ، ودماً حراماً : تعني محرماً ، معصوماً حرمه وعصمه كلمة التوحيد .

وكان ابن عمر "رضي الله عنهما" يقول :" إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله" أخرجه البخاري. ولم لا يكون الأمر كذلك وقد أوجب الله تعالى لمن قتل المؤمن بغير حق جهنم خالداً فيها فقال :" وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً" (النساء:93) ، وبهذا قد أوجبت الآية خمس عقوبات لمن قتل النفس المؤمنة التي حرم الله قتلها إلا بالحق وهي : أن جزاء جريمته جهنم ، والخلود فيها وعدم مغادرتها أو الشفاعة له ، ولحوق غضب الله تعالى به ، وحلول لعنة الله عليه بطرده من رحمته وعدم استحقاقه لها لمخالفته أمره بجريمته ، وبذا يستحق العذاب الذي لا يعدله عذاب فهو عذاب عظيم فالخلود في النار من أعظم الورطات كما تقدم ، ولذلك لا يجوز في الشريعة الغراء الاعتداء بأي وجه من الوجوه بالقتل أو بما دونه من الترويع للمسلم أو الوقوع فيه : سباً أو لعناً أو شماتة أو غيبة أو الاستخفاف به واحتقاره أو إغضابه والكيد له أو تتبع عورته وفضحه أو رميه بما ليس فيه وكذا الأبرياء حتى ولو كانوا على غير ديننا ، هذا وقد جاء عنه e أنه قال: "لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً" أخرجه أبو داوود ، بل وقال e :" سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم.

 وعنه e أيضاً أنه قال :" أبغض الناس إلى الله ثلاثة : ملحد في الحرم ، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه " أخرجه البخاري ، ونحن نعلم أن الذي سبب هذا التقاتل والسفك للدماء والاستحلال والاستغلال للمقدرات والاعتداء على حرمات البيوت والأعراض والاستهانة ببيوت العبادة – المساجد ، بيوت الله – إنما هو هذه الفرقة وهذه الحزبيات والأغراض الشخصية والوصول إلى المكاسب الخاصة بلا استثناء لأي طرف من الأطراف الساعية لإشعال نار الفتنة وإيقاد أتونها ، وهذا الذي حذرنا منه U فقال :" قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ" (الأنعام:65) بل قال جل شأنه محذراً ناهياً عن التفرق :" ... وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ" (الروم:31-32) ، وقال U :" إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ" (الأنعام:159) ، وأمر جل شأنه بدل ذلك كله بالاعتصام بحبله والاجتماع عليه فقال U :" وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً" (آل عمران: 103)

وجاء عنه e أنه قال :" إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً ... " أخرجه البخاري ، بل جاء عنه e كذلك أنه قال :" لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يكذبه ، ولا يحقره ، التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم , كل المسلم على المسلم حرام ؛ دمه ، وماله ، وعرضه " أخرجه مسلم.

فيا أهلنا وأبناءنا وإخواننا في هذا البلد المبارك إننا ننتسب إلى الإسلام ديناً وإلى هذا البلد الطيب وطناً وإلى العروبة جلدة وديننا الحنيف أعلى و أجل من كل نسبة أخرى ، إذ قال تعالى :" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ " (الحجرات:10) ، وقد تقدم قوله e :"...المسلم أخو المسلم..." .

فيا إخوتاه !! يا أهلاه !! يا أحباه !! أناشدكم إيمانكم !! أناشدكم إسلامكم !! أناشدكم الله ربي وربكم !! وأنصح لكم وإني لكم ناصح أمين :

هلا قرأتم ما تقدم ؟ وأحذركم من بعده بقوله e :" لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " أخرجه البخاري وغيره . هذا وقد روى الأحنف بن قيس قال :" ذهبت لأنصر هذا الرجليعني عليا t - فلقيني أبو بكرة فقال : أين تريد ؟ قلت : أنصر هذا الرجل ، قال : أرجع فإني سمعت رسول الله e يقول : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ، قلت : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ ، قال : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " أخرجه البخاري، بل لما دخل من يدعون بالثوار خيبهم الله تعالى على أمير المؤمنين عثمان t ليقتلوه كان عنده أحد الصحابة t فلما رآهم يريدون بأمير المؤمنين سوءاً ، قال يا أمير المؤمنين أخرج لآتي بسيفي فأدفعهم عنك ، فقال له عثمان t : لا ، بل اخرج ولا ترجع كل ذلك يريد أمير المؤمنين أن لا تقتتل الرعية بسببه فتحدث الفتنة فليرحمه الله رحمة واسعة .

مما سبق تبيانه من آيات الله U وأحاديث نبيه عليه السلام وسيرة أصحابه y .

وبناءً عليه فإنني أؤكد على الفتوى الآتية:

أولاً : حرمة الدم المسلم وكذا غير المسلم إلا بالحق ، ولذا لا نعلم أي حق في التقاتل بين الإخوة أبناء الجلدة ديناً وأمة ووطناً من أجل الفرق القائمة وإراقة الدماء بسببها ، ولذا يجب إنهاء المظاهر المسلحة التي تخيف من لم يعتد رؤيتها ، ويجب أن يعلم أنه لا يحل بأي وجه أن يوجه سلاح المقاومة الشريف الطاهر الذي يفترض أن يحمي الأرض والعرض ، بل يحمي الأمة ديناً ووطناً ومقدرات ، ويدفع عنها غائلة الأعداء إلى صدور أبنائها تحت أي ذريعة كانت ، ومن فعل ذلك فهو آثم لا محالة .

ثانياً : عدم حل ترويع المسلم في المسجد أو البيت أو السوق أو الطريق أو المؤسسات أو في أي مكان عموماً وفي هذه البلاد المقدسة " فلسطين خصوصاً" .

ثالثاً : لا يحل انتهاك الحرمات والأعراض وتسور البيوت على أهلها ودخولها ٍعنوةً تحت أي شعار ولا من أي جهة كانت خدمة لقائدٍ أو زعيمٍ أو أي مسئولٍ .

رابعاً : لا يحل بأي حالٍ من الأحوال تسخير ثروات الأمة ومقدراتها لخدمة الأغراض الشخصية والمكاسب الحزبية والتنظيمات السياسية التي حرمها الإسلام .

خامساً : على جميع الفرق والتنظيمات والأحزاب القائمة على اختلاف توجهاتها سواءً كانت دينية أو وطنية إن كانت صادقة في دعواها خدمة الدين أو الأمة أو الوطن ، فدينهم واحد يدعوهم إلى الوحدة ، وأمتهم واحدة تدعوهم إلى الوحدة ووطنهم واحد يدعوهم إلى الوحدة ، فلماذا نفرق ديننا، ونمزق أمتنا ، ونخرب وطننا ، وننكس رايتنا ، فعلى جميع من ذكر فرقاً كانت أو تنظيماتٍ أو أحزاباً أن ينبذوا العصبية العرقية والفكرية والسياسية لأنها منتنة كما جاء في الحديث :" كنا في غزاة ، فكسع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فقال النبي e : دعوها فإنها منتنة " أخرجه البخاري ، وفي الحديث :" ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية" أخرجه أبو داوود وابن عدي . فأصحاب الأحزاب اليوم لا يحل لهم التعصب لها والتقاتل من أجلها فتفتن الأمة بهم  .

سادساً : إن من تخوض في الفتن هذه فيموت فيها أو يقتل فقد مات ميتة جاهلية، كيف لا وقد قال e :" من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية ، ويقاتل لعصبية ، وينصر عصبية ، فقتل فقتلته جاهلية " أخرجه  أحمد .

سابعاً : يجب على الأمة محاصرة الفتن وأهلها ونخص بالوجوب العلماء وأولي أمر المسلمين والعقلاء المخلصين جميعاً في كل فرقةٍ أو فئةٍ أو حزبٍ أو تنظيمٍ أو حركةٍ – وليس كما تطلع علينا البيانات التي تحمل توقيع القوى الوطنية والإسلامية ، لأنه يقسم الأمة إلى قوى وطنية وأخرى قوى إسلامية ، وكأن الوطنية ليست إسلامية ، وكأن الإسلامية ليست وطنية ، وهذا مسمى ظالم ما أنزل الله به من سلطان ، وعليه فإن البيانات التي تصدر يجب أن تحمل مسمى "قوى الأمة" ، وليس ما سبق ذكره – وإلا فالجميع آثم والعياذ بالله ، قال U :" وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الحجرات:9)

ثامناً : إن المساجد بيوت الله  وأن يذكر فيها اسمه وحده فلا يحل لأي كان حزباً أو فرقةً أو فئةً أو تنظيماً أو حركةً دينية أو وطنية أن تغتصب حق الله فيها ، وتقول إنها محسومة لجهة كذا – تعني نفسها – فترفع عليها راياتها فتسخرها للدعاية لنفسها من خلال الملصقات والشعارات والنشرات ، فإنها إن فعلت فإن المساجد لا يصح أن يصلى فيها ، لأنها لم تصبح لله خالصة فهي كمسجد الضرار ، وذلك يمنع و ينفر عمارها وزوارها من إتيانها ، وذلك تخريبٌ لها ، فتصبح المساجد أماكن فتنة بدل أن تكون أماكن ألفةٍ ومحبةٍ وذكرٍ لله ، قال جل شأنه :" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (البقرة:114)

تاسعاً : إن مؤسسات الأمة : مدارسها ، جامعاتها ، مستشفياتها ، وما يخص هذه المؤسسات من عدة وعتاد، هي ملك للأمة وليست ملكاً لطائفةٍ أو فئةٍ أو حزبٍ أو تنظيمٍ أو جماعةٍ أو حركةٍ فلا يحل أن يحتكر هذه المؤسسات أيٌ ممن ذكر خاصة وأنها بنيت بأموالٍ جمعت باسم الأمة ، وتخريبها والاعتداء عليها فيه خيانة للدين والأمة والوطن .

عاشراً : إن من سعى لإفساد ذات البين فقد تسبب في حالقة للدين وفي ذلك خدمة لأعداء هذه الأمة بتخريب الأوطان وتشتيت الأمة بين مؤيدٍ ومعارضٍ ، وفي ذلك إثم كبير قد لا يعدله إثم عند الله تعالى لأن الإضرار بالضرورات الخمس في هذا الوطن وسائر أوطان المسلمين مخالف لأوامر الله U .

الحادي عشر : إن فوضى السلاح التي توجد في الوطن تضر بمصالحة كما حدث في الفترة الأخيرة بل وعلى مدى خمس سنوات مضت ، فقد كان ضررها أكبر من نفعها ، حيث خرب الوطن بسببها والشاهد في بيت حانون وبيت لاهيا وأطراف المعسكرات الوسطى وأطراف دير البلح ومواصي خان يونس ومعسكرها وأطراف رفح بل قل وكل القطاع ، إضافة لما يحدثه من تخويف للمواطنين وترهيب لهم ، إذ جاء عن رسول الله e :" من ضيق منزلاً أو قطع طريقاً أو أذى مؤمناً فلا جهاد له " أخرجه أحمد وأبو داوود ، وجاء :" ... ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم " أخرجه أبو داوود والبيهقي ، وجاء أيضاً :" إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل فليمسك على نصاله بكفه لا يعقر مسلماً " أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود وابن ماجة ، هذا وقد اتفق الفقهاء على أن الجند إن لم يكونوا في القتال وكانوا بين أهليهم فعليهم أن يجعلوا الرماح في أسنتها والسيوف في أغمدتها .

 وأخيراً أريد أن أهمس في أذنك أخي المسلم فأقول: من هم العاملون في المدارس والجامعات والمستشفيات وسائر المؤسسات أليسوا هم أبناء الحركات والتنظيمات والأحزاب والجماعات الذين هم من قبل ومن بعد ابني وابنك ، وقريبي وقريبك ، فإذا اقتتلوا فلمصلحة من ، ومن الخاسر هل هي الحركات والتنظيمات والجماعات ؟!! لا وألف لا ، إن الخاسر هي الأمة أنا وأنت ، لأن الذي يكتوي بنار قتالهم وقتلهم آباؤهم وأمهاتهم وأزواجهم وأبناؤهم فاتقوا الله تعالى في دينكم وأنفسكم وأهليكم وأمتكم وأوطانكم ولا يفوتني أن أذكر بقول رسول الله e :" لزوال الدنيا أهون على الله على قتل رجل مسلم " أخرجه الترمذي والنسائي .

وقوله :"قتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " أخرجه النسائي والبيهقي وأشار إليه العلماء بالصحة .

وقوله :"يخرج عنق من النار يتكلم بلسان طلق ذلق له عينان يبصر بهما ولسان يتكلم به فيقول: إني أمرت بمن جعل مع الله إلها آخر ، وبكل جبار عنيد ، وبمن قتل نفساً بغير حق ، فينطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام . أخرجه البزار والطبراني بإسنادين أحدهما صحيح .

وقوله :" من حمل علينا السلاح فليس منا " أخرجه مسلم وابن عدي.

وقوله :" من شهر علينا السلاح فليس منا " أخرجه البزار.

 وقوله :" من رمانا بالنبل فليس منا " أخرجه الطبراني.

وقوله :" لا يشيرن أحدكم بسلاحه إلى أخيه جاداً ولا مازحاً فإن الشيطان ينزغ بينكم " أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والطبراني.

وقوله :" من أشار إلى أحد المسلمين بحديدة يريد قتله فقد وجب دمه " أخرجه أحمد .

وعليه فإياك أخي المسلم أن يستدرجك الشيطان وجنده فتطيع من يأمرك بقتل المسلم المؤمن إلا بالحق الذي أشار إليه ربنا بقوله تعالى :" وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ " (الأنعام: 151) ، لأن آمروك بالقتل لن يحملوا عنك العذاب ولن يدخلوا النار بدلاً منك ، وستقول عندها ما ذكره الله تعالى عنك بقوله :" وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا" (الأحزاب:67) ، بل لقد ذكر الله تعالى عنك وعنهم تحاجكم في النار ، فقال تعالى:" وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ" (غافر:47،48) ، بل جاء عنه e أنه :" يجيء الرجل أخذاً بيد الرجل ، فيقول يا رب : هذا قتلني ، فيقول الله U : لم قتلته ؟ فيقول : قتلته لتكون العزة لك ، فيقول : فإنها لي ، ويجيء الرجل أخذا بيد الرجل فيقول : إن هذا قتلني ، فيقول الله U : لم قتلته ؟ فيقول لتكون العزة لفلان ، فيقول : فإنها ليست لفلان ، فيبوء بإثمه " . أخرجه النسائي، وعن عامر الشعبي قال : قال مروان : لأيمن بن خزيم ألا تقاتل ؟ قال : لا ، إن أبي وعمي شهدا بدراً مع رسول الله e وأنهما عهدا إلي أن لا أقاتل إنسانا يشهد أن لا إله إلا الله !! فإن أتيتني ببراءة من النار قاتلت معك ". أخرجه عبد الرزاق وابن عساكر وغيرهما.

هذا وقد ورد عن النبي e أنه قال لخالد بن الوليد لما علم أنه قتل في المعركة من نطق بكلمة التوحيد ، ماذا تصنع يا خالد بـ" لا إله إلا الله " إذا جاءت يوم القيامة . وفي رواية لمسلم أنه e قالها للبشير الذي جاءه فأخبره خبر نصر جيش أسامة لأنه هو الذي قتل من نطق بكلمة التوحيد، كما ذكره ابن كثير في جامع المسانيد والسنن .

بل وقال e لأسامة بن زيد لما علم أنه قتل في المعركة من قال لا إله إلا الله ، أقال لا إله إلا الله وقتلته ؟ قال أسامة : إنما قالها تعوذا ، قال e : هلّا شققت عن قلبه ؟! قال أسامة : فما زال رسول الله e يكررها علي حتى تمنيت أني لم أسلم قبلها . والحديثان بمعناهما في الصحيح.

بل هذا عمرو بن العاص يوصي ابنه – رضي الله عن كل الصحابة - : يا بني إحفظ عني ما أوصيك به : إمام عدل خير من مطر وبل ، وأسد حطوم خير من إمام غشوم ، وإمام غشوم خير من فتنة تدوم .

وتقدم بيان الحق في قوله e :" لا يحل دم إمرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث... "

هذا وقد بينا ما أوجبه الله تعالى علينا جميعاً وكذا ما أوجبه رسوله e على ورثته العلماء ، الذين ورثوا عنه العلم ،وبما أن هذا الميراث أمانة في أعناقنا فلابد من تبليغه كاملاً غير منقوص عسى الله أن يرحمنا ويرحم من انتفع به.

وأدعوه جلا وعلا أن يحفظنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يجعل لنا من أمرنا يسرا ولعله كما قال الشاعر:                  

   عسـى ما ترى أن لا يدوم وأن             ترى له فرجا مما ألح به الدهر

   عسى فـرج يأتي به الله إنـه               لـه كل يوم في خليقـته أمـر

   إذا لاح عسر فارتج به اليسر إنه           قضى الله أن العسر يتـبعه اليسر

بل وأدعوه جل شأنه أن يحينا ما أحيانا غير خزايا ولا عرايا ولا مفتونين ، وأن يتوفانا إذا توفانا غير خزايا ولا عرايا ولا مفتونين.

فها قد بلغت اللهم فاشهد ، ها قد بلغت اللهم فاشهد ، ها قد بلغت اللهم فاشهد ، ثم ليشهد لي كل من قرأ هذه الفتوى حرصاً على ديننا وأمتنا ووطننا ، وهذه مناشدة مني لأهلي وأبنائي وإخواني وسائر أمتي أن يكونوا صفاً واحداً متآلفين متحابين متباذلين ، ليتحقق وعد الله لهم وليكونوا أهلاً للاستخلاف والتمكين وإبدال حالهم من بعد الخوف أمناً ، حتى يقيموا شرعه ومنهاجه ، قال جل شأنه :"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (النور:55)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

الشيخ الدكتور

الفقير إلى عفو ربه / عبده

محمد بن سلمان بن حسين أبو جامع


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0