3/30/2014


سلسلة الجماعات والطوائف اليهودية المناوئة للكيان الصهيوني ح1 "ناطوري كارتا"


خالد البدر الطقاطقة                                             

                                                                                                        

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عبده الذي اصطفى، أما بعد:

نخوض صراعا فكريا مع الكيان الصهيوني، ولا نستطيع الإنكار أن لديه مراكز تختص بدراسة تكتلاتنا،  كجماعات وطوائف إسلامية همه بذلك إيجاد نقاط الخلل ونقاط الضعف واستغلالها بأمثل الطرق الناجحة لتخدم مصالحة وأهدافه.

يجدر بنا التصدي لهذا الصراع الفكري ولا ننسى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة -رواه مسلم-. 

نعم اليهود ليسوا على قلب رجل واحد كما يخيله الإعلام لنا وانما هم في الواقع  كما أخبر تعالى عنهم :( بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون )(الحشر 14).

نستعرض في هذه السلسة جملة من  الجماعات اليهودية التي تناهض الصهيونية وممارساتها ونستعرض النزاعات ونستكشف عقائدها وأهدافها ومواطن الخلاف بينها.

 

ناطوري كارتا:

نواطير المدينة او حراس المدينة ترجمة للعبارة الآرامية ((ناطوري كارتا))، وهي منظمة يهودية دولية معادية للصهيونية، ونواطير المدينة جماعة دينية يهودية أرثوذكسية من أكثر الجماعات عداء للدولة الصهيونية. فاليهودية الحاخامية ظلت ترفض الصهيونية حتى عهد قريب، وهو رفض ينطلق من عدة أفكار أو معتقدات جوهرية في العقيدة اليهودية، وصهينتها لليهودية من الداخل.

 

التأسيس:

كانت الجماعة جزءاً من حركة (أجودات إسرائيل) الأرثوذكسية التي تأسسست عام 1912م في شرق أوروبا، كمحاولة لتجميع اليهود الارثوذكس من أجمل معارضة الاتجاهات العلمانية خصوصا الصهيونية، وبعد صدور وعد بلفور عام 1917م قدمت (أجودات إسرائيل) احتجاجاً إلى (عصبة الأمم) ضد الهيمنة الصهيونية على جمهور اليهود في فلسطين، كما أنهم رفضوا الانضمام إلى اللجنة القومية ( الكيان السياسي الصهيوني الذي كان من المفترض أن يمثل كل يهود فلسطين)، وقد حاربت (أجودات إسرائيل) الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية بكل ضراوة.

ولكن موقف أجودات تحول بالتدريج إلى مصالح صهيونية، وانتهى بهم الأمر إلى مناصرتها والاندماج معها، وقد تم ذلك عن طريق تعديل متتالية الخلاص¹ . وبدأت أجودات إسرائيل تتحدث عن وعد بلفور باعتبار أنه الوحي و الوعد الإلهي لليهود ثم إعترفت بعد ذلك بشرعية العمل الصهيوني وقامت بجمع التبرعات لصالح المنظمات العسكرية الاستيطانية الصهيونية، وفيما بعد شارك ممثلو (أجودات إسرائيل) في أولى الحكومات الصهيونية.

بسبب هذه المواقف الموالية للصهيونية، انشق عن (أجودات إسرائيل) بعض الأعضاء الذين قدموا إلى فلسطين عام 1935م وافدين من ألمانيا وبولندا، وشكلوا تكتل (حيفرات حاييم) الذي أصبح فيما بعد يُدعى ((بناطوري كارتا)). بدأت الجماعة نشاطاتها فاتهمت حركة (أجودات إسرائيل) بأنها تمالئ الصهيونية، وأصدرت منذ عام 1944م  صحيفتها الخاصة وأخذت تشكل مجتمعها الخاص المستقل عن الكيان الصهويني والقائم على التدين والزهد من جهة، والقطيعة مع المستوطن اليهودي من جهة أخرى.

يتصدر الآن طائفة حراس المدينة الحاخام (دوفيد فايس) فهو الزعيم الحالي والناطق الرسمي باسم الجماعة وأيضا هناك الحاخام (دوفيد فيلدمان) مسؤول العلاقات الخارجية للجماعة، وهما ينحدران من أصول هنغارية.

 

عقيدة الطائفة:

اعتقاداتهم بالتوراة ونظام الحياة: 

يرى أعضاء نواطير المدينة أن الصهيونية لا تمثل استمراراً للتراث الديني اليهودي أو تنفيذاً للتعاليم اليهودية وإنما رفضاً لها وانسلاخاً عن التعاليم اليهودية، بل إن الصهيونية من منظور الناطوري كارتا هي أخطر المؤامرات الشيطانية ضد اليهيودية، ولعل الفكرة التي يرتكز إليها الرفض هي فكرة الشعب اليهودي بالمنظور الديني، فالشعب اليهودي بالنسبة لأعضاء هذه الجماعة ليس شعباً بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هو جماعة دينية ظهرت إلى الوجود منذ ثلاث آلاف عام، ويستمد الشعب وجوده من ميثاقه مع الخالق وهو ميثاق دائم لا يمكن  فهمه، وحسب هذا الميثاق يلتزم كل اليهود بالتوراة وتعاليمها التي يقوم الحاخامات بتفسيرها كلٌ في جيله.

ورغم أن عقائد اليهود تشير إلى أن اليهود هم شعب الله المختار، إلا أن الهدف من الإختيار كما جاء في أحد التفاسير، ليس تمكين اليهود من السيطرة على العالم إنما العكس، فقد اصطفى الاله اليهود ليقوموا بخدمته في الدنيا، وهم بهذه الطريقة يقوموا على خدمة الجنس البشري بأكمله، وقد تم اختيار اليهود لا لأنهم شعب متعجرف، وإنما لأنهم أكثر الناس تواضعاً وسلاماً، بل إن الاختيار يفرض على اليهود واجبات أكثر مما يمنحهم حقوق، وهذا عكس ما ينادي به الصهاينة.

انطلاقاً من هذا الإيمان بإنسانية مشتركة وخصوصية دينية مستقلة، يؤكد أعضاء جماعة نواطير المدينة أن اليهود تبغض سفك الدماء بل تنادي بتحاشي ذلك بأي ثمن، ويؤكدون أن العقيدة اليهودية تحض على عدم المشاركة بالسلطة الدنيوية أو السياسية، وعلى رفض حمل السلاح، فعلى اليهود أن يتركوا هذه الأمور للدولة التي يعيشون فيها أياً كانت ديانتها أن اليهودي يكسب هويته من خلال ممارسته للطقوس الدينية.

وعلى العكس من ذلك يرى الصهاينة أن اليهود، إن هم إلا شعب كباقي الشعوب يجب أن يحملوا سلاح ويلجأوا للعنف حتى يستعيدوا احترامهم لأنفسهم واعتزازهم بها، كما يؤمن الصهاينة أن اليهود يجب ألا يخضعوا إلا للقانون العلماني، وأما القانون الديني يجب أن يطويه النسيان، بل إن الصهاينة ينكرون الطبيعة المقدسة للتوراة وينظرون إليها على أنها نوع من أنواع الفلكلور الذي يجب الحفاظ عليه باعتباره فلكلور وحسب،  وأن فكرة الاختيار تحولت إلى أساس عنصري سياسي بأن يصبح الفرد اليهودي عنصراً متفوقاً، ويمنح هذا التفوق اليهود حقوقا معينة منها الاستيلاء على فلسطين وطرد العرب، وبدلاً من أن يخضع اليهودي لقوانين دينية فإن عليه أن يخضع لقوانين علمانية.

الرؤية الدينية للدولة الصهيونية وللقدس:

وفيما يخص علاقة اليهودي بأرض الميعاد، فيؤكد نواطير المدينة أن اليهودي المتدين يتجه بعواطفه وقلبه لهذه الأرض، فهم يذكرونها في صلواتهم عدة مرات في اليوم، ولقد تلا اليهود هذه الصلوات آلاف السنين، ولا علاقة للصهيونية بهذه الصلوات أو بفكرة العودة الصهيونية، فنفي اليهود من أرض الميعاد هو من الأوامر الربانية التي لا يمكن مخالفتها أو التمرد عليها، ولذلك لا يملك اليهودي المتدين إلا أن يستمر في صلواته أن يدعو الاله أن يستجيب للدعاء ويأمر بعودة اليهود إلى أرض الميعاد، فالمسيح المنتظر هو وحده القادر على إقامة الدولة، وحين يعود سيؤسس مملكة الكهنة والقديسين.

أما الصهاينة فهم يدعون إلى العودة بالسلاح دون انتظار مشيئة الاله، ولذا فدولة اسرائيل في نظر الناطوري كارتا ثمرة الغرطسة الآثمة لأنها قامت على يد نفر من الكافرين الذين تمردوا على مشيئة الخالق، وهي خيانة للشعب اليهودي الذي تأسس كجماعة دينية في سيناء ( لا في أرض الميعاد)، ولكل هذه الأسباب يرفض حراس المدينة دولة إسرائيل وكل مؤسساتها، بل ويرفضون زيارة "حائط المبكى" لأن القدس تم فتحها بالقوة.

وحين تدعي الصهيونية بحماية أمن اليهود بعد أن تعرضوا للإرهاب في الشتات آلاف السنين، وأنها بعثت الروح العسكرية في اليهود مرة أخرى لهذا السبب، وتبين أدبيات الناطوري كارتا أن عدد اليهود الذين قتلوا في الأعوام القليلة الماضية " حروب إسرائيل" يفوق بكثير أعداد اليهود الذين قتلوا بأي مكان آخر، وإن أمن اليهود يكمن في إمكانية تصالحهم مع الدول التي يعيشون فيها.

 

نمط حياتهم:

ولناطوري كارتا نمط حياة اجتماعي واقتصادي خاص بهم، ونساء نواطير المدينة زاهدات في الملبس والمظهر الخارجي والمساحيق، وهن لا يتبرجن ويلبسن الملابس المتواضعة ( فهن يكتفين بالطهارة الروحية، على حد قول الحاخام هيرش- سكرتير عام الجمعية ) ويكرسن حياتهم لأسرهن، أما الرجل فإنه يدرس التوراة والتلمود ويرعى أسرته ويمارس الحرف المتاحه له.

 

الأنشطة السياسية:

ولجمعية الناطوري كارتا مجلس إداري يتكون من سبعة أشخاص لهم  القرار في إدارة شئون الجماعة في الحياة الدنيوية والدينية، ويبلغ عدد الأعضاء المنتمين للجمعية رسميا 60 ألف، وأكبر تجمع لهم في بروكلين في نيويورك، كما توجد جماعات صغيره في لندن، وفي القدس في حي مائة شعاريم (المائة بوابة)، وغداة إعلان قيام دولة إسرائيل المزعومة عام 1948، قامت الجماعة بارسال رفضها إلى الأمم المتحدة، وخلال معركة القدس، دعت الجمعية إلى الهدنه وإلى تدويل القدس، وبلغ الأمر في بعضهم أعلنوا صراحة الرغبة في العيش تحت حكم المملكة الأردنية.

ولا تعترف الجماعة بالدولة الاسرائيلية حتى الآن، ويقوم أعضاؤها بتنكيس الأعلام والصيام في يوم تأسيس الدولة الصهيونية، وهم ينظمون المظاهرات والاحتجاجات السياسية ضدها، وتتبنى الجماعة موقفاً ايجابياً من المنظمات الفلسطينية ومن حقوق العرب في فلسطين، وتعلن أن أعضاؤها على استعداد لأن يعيشوا تحت حكم حكومة فلسطينية تضمن حقوقهم السياسية،  وفي الآونة الأخيرة بدأت الجماعة باعادة تنظيم نفسها وتكثيف نشاطاتها، كما بدأت تتعامل مع وسائل الإعلام ومنظمات دولية مختلفة.

وأكد مسؤول العلاقات الخارجية الحاخام دوفيد فيلدمان أن الأنشطة في الآونة الأخيرة قد حققت انجازات كثيرة وساحقة، وأن أفراد جماعة الناطوري كارتا يتفهون العلاقة الحقيقية بين اليهود والعرب وانها مبنية على مبادئ دينية، كما يرفضون مواجهة الضغوط الإسرائيلية وترهيبها.

 

الممارسات الصهيونية ضد الطائفة:

تتعرض جماعة حراس المدينة وكما هو متوقع لمضايقات كثيرة ومتواصلة من السلطات الصهيونية، حيث تقوم الشرطة الصهيوينة بين الفينة والأخرى بمداهمة حي المائة شعاريم (بكلابهم وهرواتها) لاعتقال بعض أفراد الجماعة وخرق حرمات منازلهم، هذا بالإضافة إلى أن الحكومة الصهيونية تحاول تقليص حدود الحي بقصد خنقه وتقليص نشاطاته.

 

التوصيات:

1) التواصل والتنسيق مع الجماعة لمواجهة الصهوينية، فهم على استعداد للعمل من أجل تفتيت الكيان الصهيوني، وهذا ما صرح به زعيم الجماعة الحاخام دوفيد فايس.

2) ترجمة أهم الكتب التي تصدر عن جماعة الناطوري كارتا إلى اللغة العربية منها كتاب (حاخامات يعترفون) و(كتاب تهديد من الداخل) و(تاريخ المعارضة اليهودية للصهيونية).

3) تزويدهم بمستجدات القضية الفلسطينية وتفعيل أدوارهم المناوئة للصهيونية .

المراجع:

1) كتاب موسوعة اليهود واليهودية للمسيري.

2) الموقع الرسمي لحركة الناطوري كارتا.

http://www.nkusa.org/index.cfm

3) لقاءات حصلت مع زعيم الجماعة ومسؤول العلاقات الجارجية. في برنامج من الداخل على قناة الميدان يوم 11-11-2012   http://www.youtube.com/watch?v=O9D2KhraKH8


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0