3/5/2008


فلسطيــن أرض المقدســات .


 

فلسطيــن أرض المقدســات

(1)

 

جمع وترتيب الأستاذ: نظير رمضان حجي حفظه الله

 

تعد فلسطين من أقدس البقاع الإسلامية وأعظمها مكانة لما فيها من مقدسات وخيرات متعددة لكونها أرض مباركة من رب العالمين, ولذا لما كانت فلسطين قطعة من العالم الإسلامي بل فلذة كبد العالم الاسلامي - وستبقى قضية الأقصى حية في نفوس أتباع هذا الدين حيثما كانوا - كان لهذه المكانة أثرها في سرعة الفتح الاسلامي لفلسطين وإقامة المئات من الصحابة والتابعين والعلماء والفقهاء فيها مما أدى إلى سرعة انتشار الاسلام وارتباط أهل فلسطين به عقيدة وسلوكاً ومنهجاً للحياة.

من أجل ذلك ظلت هذه المنطقة على مدى التاريخ ساحة للصراع والحروب للسيطرة على هذه الأرض المباركة وبالتالي استغلال الأرض والثمار والانسان.

وإسهاماً مني في دعم جهاد شعب فلسطين المبارك فإني أقدم هذا الجهد المتواضع عن طريق جمع هذه المعلومات البسيطة من بطون الكتب ومن ثم تقديمها للقراء لتوضيح مكانة وأهمية فلسطين من الناحية الشرعية، وحتى يعلم المسلم أي أرض سلبت منا وأي أرض عليه أن يفكر باسترجاعها، والجهاد من أجل الرباط على أرضها بعد أن كثرت أراضي المسلمين المسلوبة وطغت على القضية الأم وحاول البعض أن ينسينا هذه القضية, لهذا كان لزاماً على المسلم أن يراجع نفسه ويعاهدها مرة أخرى على بذل ما في وسعه لفك أسر هذه الأرض المباركة والتي سلبت منا على غفلة من المسلمين.

 

مقدمة عن فضائل خاصة لبعض المدن

 

لقد فضل الله مدناً وجعل لها من الخصائص التي تمتاز عن غيرها.

فمكة المكرمة أوجد الله فيها الحرم المكي وأوجد لهذا الحرم حدوداً لا ينبغي لمن أراد دخوله إلا أن يلتزم بهذه الشروط المعينة. وذلك لما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه يوم فتح مكة " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة , وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي , ولم يحل الا ساعة من نهار , فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه , ولاينقر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلي خلاه".

وكذلك المدينة المنورة التي شرفها الله بهجرة خاتم الأنبياء أعطيت الكثير من الخصائص فمن أراد معرفتها فليراجع كتب الأحاديث.

أما مدينة القدس وفلسطين فهي من البقاع المقدسة , فلقد ثبت لفلسطين عموماً والقدس على وجه الخصوص من الفضائل والأحكام الشيء الكبير ولكنه كان متناثراً في كتب الحديث والأحكام، كما كان ينقصه التحقيق العلمي والتعليق على بعض الأحاديث الصحيحة التي قد يسيء فهمها البعض.

 

منهجي في هذا البحث:

 

1-    جمع كل الفضائل والخصائص التي ثبتت لفلسطين.

2-    كثيراً من فضائل الشام هي أيضا لفلسطين حيث أن فلسطين جزءاً من بلاد الشام.

3-    التعليق وشرح الأحاديث التي قد تحتاج لبعض البيان.

4-    توضيح بعض الاعتقادات الباطلة التي يعتقدها المسلمين عن بيت المقدس وفلسطين.

5-    التحذير من بعض الفضائل غير الصحيحة عن بيت المقدس.

6-    بيان بعض البدع التي ترتكب في فلسطين من قبل بعض الجهلة والمدعين للعلم الشرعي.

 

الباب الأول:

المبحث الأول:

خصائص عامه لبيت المقدس وماحوله

البركة,القدسية,الإسلامية

 

أولاً: البركة: 

لقد من الله على أرض بيت المقدس وما حولها من بلاد الشام بالبركة, ولقد نص على ذلك في الكتاب العزيز، فقال جل شأنه: ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) الإسراء/1، وقوله تعالى: (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) الأنبياء/71. وقد ذكر المفسرون أن الأرض التي نجى الله الأنبياء إليها من العراق هي فلسطين.

وأيضاً لقوله تعالى: (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها, وكنا بكل شيء عالمين) الأنبياء/81 ، أي لسليمان عليه السلام تسخير الرياح التي تهب بشدة وتجري بسرعة إلى الأرض التي باركنا فيها وهي أرض الشام عموماً وفلسطين على وجه الخصوص.

 

أما معنى البركة:

لغة: النمو والزيادة في الخير.

شرعاً: ثبوت الخير الإلهي في الشيء.

 

بركة أرض بيت المقدس الحسية:

إن البركة الحسية لهذه الأرض الطيبة منشأها من الله تعالى، فلقد بارك الله في أرضها بالخصب وبالثمار والأشجار والأنهار والأشجار والأنهار وعذوبة المياه والسهول والجبال .

وهناك أيضاً الموقع الاستراتيجي الهام الذي حظيت به فلسطين وهي كونها حلقة ربط أسيا بأفريقيا، وهي بوابة العبور التي كانت دائماً مطمعاً يحرص عليه كل من يحاول دخول أفريقيا أو دخول أسيا من جهة أفريقيا، ولذلك تعد فلسطين من أقدم دول العالم في الحضارات القديمة.

ويؤكد الحافظ ابن كثير على البركة الحسية لأرض فلسطين فلقد نص في تفسيره عند قوله تعالى: (باركنا حوله) أي: بالزروع والثمار.

ومن يريد الاستزادة عن مظاهر البركة الحسية قديماً وحديثاً فليراجع ما كتب عن جغرافية أرض فلسطين والتي يعتبرها اليهود أنها الأرض التي تدر الحليب والعسل.

 

البركة المعنوية:

هذه البركة منشأها ما اختص الله به هذه الأرض من فضائل وهي:

1-    القدسية.

2-    ملجأ الأنبياء عند اضطهادهم من حكامهم الجائرين.

3-    بسط الملائكة أجنحتها للشام.

4-    مرقد الأنبياء.

5-    مسرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

6-    أرض المحشر والمنشر.

 

المبحث الثاني:

 

ذكرت في المبحث الأول منشأ البركة المعنوية وذكرت ستة خصائص، وسأقوم بإذن الله في هذا المبحث بشرح تلك الخصائص.

 

أولا : اعتبار أن فلسطين أرض مقدسة:

هذه الخاصية أعطيت لفلسطين عندما طلب موسى عليه السلام من قومه الاستمرار في هجرتهم من مصر ودخولهم أرض فلسطين، وذلك مصداقاً لقوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) المائدة/1، فإطلاق موسى عليه السلام لفظ الأرض المقدسة إنما أطلقه على أرض فلسطين وبالتالي، فإن الشيء المقدس في الاسلام يكون له بركة.

 

ثانياً: ملجأ الأنبياء عند اضطهادهم من الحكام الطواغيت:

لقد هاجر الأنبياء هجرات متعددة إلى مدن وقرى مختلفة، وإذا ما قمنا باستعراض هذه الهجرات يفاجأ الإنسان أنها فراراً من مدن ظالمة إلى مدن وجد فيها الأمان، وإليكم بعض هذه الهجرات.

أولها: هجرة إبراهيم ولوط عليهما السلام من العراق إلى أرض فلسطين، قال الله تعالى: (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم) العنكبوت/26، قال قتادة في تفسير هذه الآية: (هاجروا جميعاً من كوني وهي من سواد الكوفة إلى الشام. وتتضح صفة هذه الأرض بقوله تعالى: (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) المائدة/21.

ثاني هذه الهجرات: هجرة موسى عليه السلام من مصر إلى فلسطين مصداقاً لقوله تعالى: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين).

 

ثالثاً: بسط الملائكة أجنحتها الدائم على بلاد الشام:

فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا طوبى للشام. قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطة أجنحتها على الشام) رواه الترمزي (2/221) وصححه الألباني في تخريج فضائل الشام للربعي حديث(1) أي أن الملائكة تحفها وتحوطها بانزال البركات ودفع المهالك والمؤذيات.

 

رابعاً: أرض فلسطين هي مرقد الأنبياء:

يرقد في أرض فلسطين كثير من الأنبياء، وقد ثبت وجود قبر الخليل إبراهيم عليه السلام وهو ما أكده شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى جزء 27 صفحة 445 ، وأيضاً يوجد قبر موسى عليه السلام وإن لم يعرف مكانه تحديداً إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أثبت أن قبر موسى عليه السلام في فلسطين وذلك لما رواه مسلم: ( .. ثم جاءه ملك الموت يقبض روحه فقال: "..فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر." فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلو كنت لأريتكم قبره إلى جانب هذا الطريق تحت الكثيب الأحمر").

ولكن لابد من التنبيه على أنه ليس في معرفة قبور الأنبياء بأعيانها فائدة شرعية وليس حفظ ذلك من الدين، حيث أنه لا يشرع شد الرحال لزيارة قبور بأعيانها ويراجع في تفصيل هذه المسألة المهمة مجموع الفتاوى جزء 27 صفحة 445 .

ومما يؤكد أهمية الأرض المقدسة للأنبياء أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صلى بهم إماماً في المسجد الأقصى وذلك بعد رجوعه (هبوطه) من السماء على القول الراجح وسيأتي تفصيل ذلك في المبحث التالي.

 

المبحث الثالث:

مسرى الرسول عليه الصلاة والسلام

 

نظراً لأهمية فلسطين وبيت المقدس فلقد جعلها الله بوابة السماء عندما طلب من خليله وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم الذهاب إليه, فلقد كان من الممكن الصعود مباشرة من مكة إلى السماء ولكن لحكمة عنده عز وجل جعل هذا الصعود (المعراج) عن طريق بيت المقدس ليؤكد لنا أهمية بوابة السماء التي نُصب فيها المعراج، وهو الدرج أو السلم الذي صعد عليه صلى الله عليه وسلم ليقابل ربه عز وجل.

 

واليك أخي المسلم ترتيبا مختصراً لقصة الإسراء والمعراج:

1-  أسري به عليه الصلاة والسلام يقظة لا مناماً من مكة الى بيت المقدس راكباً البراق, فلما وصل إلى المسجد ربط دابته عند باب المسجد الأقصى - لا قبة الصخرة - ودخله فصلى في قبلته لوحده.

2-    ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها فصعد فيه إلى السماء الدنيا وبقية السماوات إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى.

3-    تلقى من الله عز وجل أمر الصلاة وفرضيتها.

4-    ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم إماماً لما حانت وقت الصلاة ويحتمل أن تكون صلاة الفجر يومئذ أو غيرها.

 قد صلى عليه السلام بالأنبياء إماماً بعد هبوطه لأنه عندما كان يمر بهم في منازلهم كان يسأل جبريل عنهم واحداً واحداًَ وهو يخبره عنهم فمن غير المعقول أن يصلي بهم إماماً قبل صعوده ثم يسأل جبريل عنهم.

5-    ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد الى مكة بغلس من الليل.

 

ملاحظة: للاستزادة يراجع تفسير ابن كثير(3/22)، وكتاب الإسراء والمعراج للشيخ محمد جميل زينو صفحة (29-31).

 

المبحث الرابع:

أرض المحشر والمنشر

 

لقد خص الله أرض فلسطين بهذا الأمر عن بقية بلاد الشام وذلك لما رواه البيهقي والحاكم في مستدركه والإمام الترمذي في الترهيب وقد صححه الإمام الألباني في صحيح الترغيب برقم 1179 وهو عن أبي ذر رضي الله عنه:

أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في بيت المقدس أفضل, أو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه, ولنعم المصلى, هو أرض المحشر والمنشر, وليأتين على الناس زمان ولقيد _ أو قال : قوس _ الرجل حيث يرى منه بيت المقدس, خير له أو أحب إليه من الدنيا جميعاً).

شرح الفوائد من هذا الحديث:

إن آخر أشراط الساعة الكبرى وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة هي خروج النار العظيمة والتي جاءت الروايات تفيد بأن خروج هذه النار يكون من قعر عدن وتخرج من بحر حضرموت كما أوضحتها روايات أخرى. ويؤكد ما قلته سابقاً ما جاء من الأحاديث التالية:

أولاً- ما رواه من حديث ابن أسيد في ذكر أشراط الساعة الكبرى قوله: ("...وأخر ذلك نار تخرج من اليمن, تطرد الناس إلى محشرهم") رواه مسلم انظر مختصر صحيح مسلم للمنذري حديث رقم(2037).

ثانياً- وعن حذيفة أيضاً: ("ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس") رواه مسلم انظر مختصر صحيح مسلم للمنذري حديث رقم(2037).

ثالثاً- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ("ستخرج نار من حضر موت قبل يوم القيامة تحشر الناس") رواه الترمذي وأحمد انظر صحيح الجامع حديث رقم(3609).

ولمن أراد مزيداً من التفاصيل عن هذه النار وبقية أشراط الساعة فننصحه بقراءة  كتاب أشراط الساعة للدكتور يوسف الوابل، وأيضا كتاب "بل جاء أشراطها" للشيخ الفاضل محمود عطية وقد وفقهما الله لجمع أشراط الساعة، وقد أفادا بأن هذه النار هي التي سأل عنها ابن عمر رضي الله عنهما ومنه قال: (قلنا يا رسول الله فماذا تأمرنا ؟ "قال عليكم بالشام") رواه الإمام أحمد والترمذي فضائل الشام حديث (11).

ويؤكد هذا المعنى أيضاً ابن حجر في فتح الباري (12/402) فيقول: "وفي تفسير ابن عيينة عن ابن عباس: من شك أن المحشر ها هنا – يعني : الشام- فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ "اخرجوا" فقالو الى أين؟ قال "إلي أرض المحشر" وقد حاول بعض العلماء انكار هذا الأمر عن طريق التأويل أو صرف معنى هذه الأحاديث عما ذكرته لكن كثرة الأحاديث وما جاء عن الصحابة في فهم الأحاديث ليؤكد ما يلي:

أولاً: أن الحشر يكون في الدنيا وقبل الآخرة.

وهذا الأمر هو الذي أجمع عليه العلماء كما ذكر ذلك القرطبي وابن كثير وابن حجر وتدل عليه النصوص كما تقدم بسطها. انظر تفصيل هذا الاجماع في أشراط الساعة للدكتور يوسف الوابل (ص 410-430).

ثانياً: بيت المقدس أرض المنشر:

وتفصيل ذلك: أن الناس عند البعث يكون منشرهم وخروجهم من الشام حيث يتم الاعداد للحساب، وقد قال بعض العلماء بأن أرض الشام يومئذ - أي بعد النشر - هي ليست الأرض قبل المنشر حيث تتغير عند القيامة ولكن تظل التسمية هي الشام (بيت المقدس) أرض المحشر والمنشر حتى لو تغيرت طبقة الأرض والله أعلم.

 

ثمار كون فلسطين أرض مباركة:

1-    دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للشام بالبركة كونها أقل الأماكن إظهاراً للفتن.

2-    أن بيت المقدس لا يدخله المسيح الدجال.

3-    أن فلسطين يكون فيها مقتل الدجال عند مدينة اللد.

4-    حث الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها عند اشتداد الفتن.

5-    اجتماع المسلمين في الشام وبالذات في فلسطين لقتال اليهود والدجال.

6-    بلاد الشام وبالذات فلسطين هي آخر مكان للطائفة المنصورة التي تظل فيه ثابتة على الحق حتى تقاتل الدجال.

 

*        بهذا أكون - بحمد الله - انتهيت من الباب الأول من كتابي "تذكير المسلم الحزين ببلد اسمه فلسطين"، أما الباب الثاني فسيكون شرحاً للثمار التي ذكرتها إن شاء الله.


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0