12/16/2012


هل تقترب غزة من عدوان صهيوني جديد ؟!!


هل تقترب غزة من عدوان صهيوني جديد ؟!!

 

خاص ـــ مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

يكاد ينعقد إجماع الفلسطينيين من أحزابٍ سياسيةٍ وفصائلَ عسكريةٍ ومحللين وأكاديميين وعمومِ الناس بأن ما حدث من اعتداء صهيوني على قطاع غزة لن يكون الأخير , وستعقبه جولات وجولات من الصراع الإسلامي الصهيوني .

والإجماع منعقد على أن اليهود لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة , وأنهم ليس لهم عهد ولا ميثاق , وهم غدَّارون مكَّارون خدَّاعون كذَّابون , وهذا ليس بجديد عليهم فذلك ثابت عليهم منذ القدم  ؛ وعليه فإن إمكانية نقض اليهود لتفاهمات التهدئة المبرمة مؤخرا برعاية مصرية وبضمانة أمريكية قائمة وكبيرة .

ولكن الخلاف الذي يسود في أوساط الساسة والمحللين ودوائر صنع القرار توقيت هذا الهجوم المتوقع , وما هي طبيعته ؟

للوصول إلى إجابة هذا السؤال الذي يحيك في صدر كل امرئ , ويدور في ذهن كل إنسان , ويؤرق الكثيرين حاول مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية  رصد أقوال المحللين السياسيين , واستقراء الأحداث والتصريحات  التي أعقبت إعلان التهدئة ..

هدوء بهدوء

لعل نتائج العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة قد فرضت على الأرض معادلات جديدة على مستويات متعددة وأصعدة مختلفة , وأسست لقواعد أخرى في التعامل مع الكيان الصهيوني , ومن أبرز تلك المظاهر احتفاظ المقاومة بحقها في الرد على أي خرق أو انتهاك للهدوء من قبل العدو الصهيوني على أساس " وإن عدتم عدنا " .

كما استطاعت حماس ــ على وجه الخصوص ـــ أن تحصد ثمرة من ثمار هذه الجولة وهي أنها أثبتت لجميع أبناء الشعب الفلسطيني  بأنها الأقوى والأكثر دقة وتنظيما واستعدادا ؛  وما كان لذلك أن يتحقق إلا بفعل أنها لم تكن تسمح لأحد أن يَجُرَّها إلى معركة لم تستعد لها جيدا , وكانت تفوت على العدو الفرصة في شن حرب على غزة في وقت لا تريد فيه حماس أن يخوض العدو حربا مع غزة  حتى وإن وصل به الأمر  أن يقتل  أحد أفرادها !!

وبعد مرور عشرين يوما أو يزيد على اتفاق التهدئة فإننا نلحظ بأنه  لم يسجل أي خرق من قبل فصائل المقاومة الفلسطينية لحالة الهدوء , ولم يطلق أي صاروخ على الكيان الصهيوني من قطاع غزة , بخلاف ما كان الأمر عليه في السابق ؛ على الرغم من انتهاكات الاحتلال المتواصلة والمتلاحقة لاتفاق التهدئة , وتفسير ذلك أن فصائل المقاومة قد أجمعت أمرها ( المؤيد منها  لحماس والمخالف والمعارض ) بأن يكون قرارهم في الحرب والسلم واحد وعليه يُصَعِّدوا مرة واحدة ويهدئوا مرة واحدة , وتكون مرحلة الهدوء بمثابة إعداد واستعداد من قبل الجميع .

 

هدوء حذر ومضلل

الحكومة الفلسطينية في غزة لا تتعامل مع الأمر بسذاجة أو حماقة , وباتت لا تثق بالاحتلال ولا تُعَوِّل على الدول التي تضمن تلك الاتفاقيات [1] وهو ما دفعها لإيقاف جميع الدورات العسكرية لعناصر الشرطة الفلسطينية وإلى إشعار آخر .[2] على أساس " لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين " .

أما الفصائل الفلسطينية في غزة فإنهم يتعاملون مع الأمر وكأنه لا توجد ضمانات , ويتوقعون انقضاض العدو عليهم في كل وقت وقد رصد المركز عشرات التصريحات لمختلف الناطقين السياسيين والعسكريين التي تتحدث عن عدم الثقة بالجانب الصهيوني .

كتائب القسام وفي تصريح للناطق باسمها بتاريخ السابع والعشرين من نوفمبر ( بعد انتهاء العدوان بخمسة أيام ) أوضحت أن كافة التهديدات الصهيونية تؤخذ على محمل الجد لدى المقاومة خاصة وأن المشروع الصهيوني قد بني على دماء الفلسطينيين , وأضاف الناطق باسم القسام قائلا : " نحن لا نؤمن لا لتهدئة ولا لهدنة لأن كل التهدئات الماضية العدو الصهيوني هو من اخترقها وبادر بالعدوان , ونقول له : إن عدتم عدنا " .

بينما نائب رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس الدكتور موسى أبو مرزوق أقرَّ بأن حركته لا تأمن جانب الاحتلال مطلقا , ولكن ما يجعلها مطمئنة بعض الشيء هو إنجاز المقاومة اللافت , والضمانات المصرية الموثقة هذه المرة .

من جانبه أكد الناطق الرسمي باسم سرايا القدس أبو أحمد " أن العدو يحاول التنصل من التعهدات التي قطعها على نفسه والتزم بها في اتفاق التهدئة، في مؤشر واضح على نواياه العدوانية ضد الشعب الفلسطيني الأمر الذي يضع الوسطاء الذين ضمنوا التهدئة إلى تحمل مسئولياتهم وإلزام العدو باحترام التهدئة بشكل كامل "

بدوره فقد أوضح رئيس قسم الصحافة والإعلام بجامعة الأمة والمحلل السياسي المعروف الدكتور عدنان أبو عامر بأن الطيران الحربي الذي يخترق أجواء غزة بصورة مرعبة ومخيفة ـــ بغض النظر عن زيارة مشعل للقطاع ــــ هو بمثابة تأكيد بأننا على مرمى حجر من المواجهة القادمة ! , مضيفا بأن التحليق المكثف للطيران لا يبشر بتهدئة طويلة الأمد وهو تحديث لبنك الأهداف الصهيوني , ووجه الدكتور أبو عامر  دعوته لرجال المقاومة العاملين في الميدان لضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر .

وتساءل أبو عامر بقوله : " تترقب إسرائيل حال رد فعل المقاومة الفلسطينية على أي خرق نوعي لإطلاق النار هل تتصرف كالقنفذ الذي يتكور لينشر أشواكه , أو الأفعى التي تلدغ فورا ؟ " . 

القناة الصهيونية العاشرة أخذت إذنا بإعداد تقرير عن عمل وحدات الجيش الصهيوني المختلفة عقب انتهاء الحرب وقامت بالتجول على القواعد البرية والبحرية والجوية للجيش الصهيوني وخلصت إلى أن العمل على الحدود برا وفي الأجواء يسير كالمعتاد , وأن التدريبات والاستعدادات تسير على قدم وساق للتحضير لأي طارئ .

وفي هذا الصدد يقول " آفي شاي " أحد الضباط المسئولين عن نقطة حراسة على الحدود مع شمال قطاع غزة " إن مهمتنا هنا أن نكون جاهزين وهذا الهدوء مضلل ... " .

وفي نفس السياق أوردت القناة مقابلة مع جنود سلاح البحرية الذين اتفقوا على " أن الهدوء حذر ومضلل , وأن الأمر لم ينته بعد , وأن الأمر معقد جدا أكثر من ذي قبل " .

اتفاق هش وخروقات متواصلة

انتهت الحرب وانتهى العدوان الصهيوني  ولم تنته آثارهما بعد ؛ ولعل من أبرز آثاره التوصل إلى تهدئة برعاية مصرية وبحضور أمريكي ؛  إذ إن من أعلن عن التوصل للتهدئة هو وزير الخارجية المصري برفقة وزيرة الخارجية الأمريكية , ولكن ما لبث الأمر طويلا وإذ بوزيرة الخارجية الأمريكية تطالعنا عبر وسائل الإعلام وتقول بأن اتفاق التهدئة هش وتحذر حماس من انتهاء التهدئة إذا ما واصلت عملية تهريب الأسلحة على الرغم من أن فصائل المقاومة ــ بما فيها حماس ـــ  لم تُخِل بأي بند من بنود تفاهمات التهدئة المبرمة في القاهرة . بينما في الوقت نفسه تُسجل المؤسسات المعنية ومراكز الدراسات ووسائل الإعلام عشرات حالات الخرق من قبل العدو الصهيوني لتلك التهدئة , وأدت تلك الخروقات حتى اللحظة لاستشهاد اثنين وإصابة العشرات واعتقال عدد من الصيادين في عرض البحر  , وتوغل محدود شرق محافظة خانيونس , فضلا عما يحدث في الضفة الغربية من مداهمات واعتقالات وقتل وتشريد وتهجير بشكل يومي وكأن العدو الصهيوني يريد أن يثبت مبدأ فصل الضفة الغربية المحتلة عن قطاع غزة حتى على صعيد المقاومة , ويحاول الاحتلال أن يكرس أن الضفة وما يحصل فيها لا يعني إلا أهل الضفة , وأن قطاع غزة وما يحدث فيه لا يعني إلا أهل غزة  ! .

مقومات العدوان لم تنضج بعد

الأستاذ الدكتور عبد الستار قاسم أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية وفي اتصال مع مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية استبعد اندلاع مواجهة جديدة في المستقبل القريب مرجعا ذلك لأمرين . أحدهما : أن الكيان الصهيوني لم يفق بعد من صدمته والمفاجأة والصفعة التي تلقاها خلال عدوانه الأخير على غزة , والأمر الثاني : أن الكيان الصهيوني مقبل على استحقاق انتخابي وعليه لن يتم شن عدوان قبل إجراء الانتخابات .

وأضاف قاسم بأنه بعد إجراء الانتخابات إذا فاز نتانياهو سيكون بحاجة لوقت ليس بالقصير لإعادة أولوياته , وترتيب أوراقه من جديد , وتشكيل حكومة تحظى بالثقة , وعليه لن تكون حرب على غزة في سلم أولوياته , وإذا ما فاز غير نتانياهو فإنه سيكون أيضا أمام إرث ثقيل ورثه عن سلفه نتانياهو وأمام تحديات صعبة سيعاني منها ويواجهها وعليه فإن الحرب على غزة لن تكون قريبة .

وقلل قاسم من أهمية التهديدات التي يطلقها العدو الصهيوني بين الفينة والأخرى بشأن شن عدوان جديد ,  موضحا بأن هناك فرق بين القول والفعل , وبأن جميع المعطيات الميدانية لدى الجانب الصهيوني لا تسمح بنشوب حرب جديدة مع غزة خصوصا بأن دوائر الأمن الصهيوني ومراكز صنع القرار في الجيش لا زالت تدرس مواطن ومكامن الخلل التي حدثت أثناء الحرب الأخيرة على غزة , وتحاول معالجتها .

وكشف الدكتور قاسم بأن الجيش  الصهيوني يعاني من مشكلة عسكرية تكتيكية حقيقية وهي عجزه عن خوض المعركة بدون سلاح الجو الصهيوني , وبين بأن شغل الجيش الشاغل في هذه المرحلة هو تحييد سلاح الجو من المعركة وذلك لإلحاقه خسائر في المدنيين وعدم الظفر بالمقاومين , وبذلك لم يثبت نجاحه .

وأردف قاسم قائلا : إن الجيش الصهيوني يبحث في المرحلة الحالية عن سلاح نوعي يتم فيه اكتشاف الفراغات تحت الأرض  " الأنفاق " , وتطوير القنابل لتضرب أعماق الأرض , وبذلك يتم تجنيب المدنيين الفلسطينيين من المعارك التي تدور مع المقاومين .

ونوه الدكتور قاسم إلى ضرورة أن تعد المقاومة نفسها جيدا للمرحلة المقبلة مؤكدا ضرورة أن تسعى المقاومة الفلسطينية لإيجاد وسائل لتحييد سلاح الطيران الصهيوني من المعركة تماما , وبذلك يستطيع المقاومين الخروج على وجه الأرض للمواجهة البرية .

وختم قاسم قوله بأن كل الأمور مرهونة بالتطور التقني لأحد الطرفين وأن الكيان الصهيوني حال رأى في نفسه قوة وقدرة لمواجهة جديدة سينفذها بلا تردد ؛ خصوصا أن اتفاق التهدئة ليس طرفا فيه .  

 

طبيعة المواجهة القادمة

وبناء على ما تقدم  فمن المؤكد أن العدوان الصهيوني قادم لا محالة طالت المدة أو قصرت ؛ ما يُحَتِّم علينا الاستعداد جيدا للمواجهة القادمة , ولعله من شبه المؤكد أن الحرب القادمة ستكون قاسية ومؤلمة على الجانبين وستكون أشبه بحرب تكسير العظام وعض الأصابع .

وإذا كان العدو الصهيوني في حربه الأولى على غزة قد قام بعملية الرصاص المصبوب , وفي الحرب الثانية أتى لاستعادة قوة الردع وترميمها , فإن الحرب الثالثة " القادمة " ستكون لاستعادة ماء الوجه المصبوب في غزة , والذي أهدر في غزة خلال العدوان الأخير بفضل الله عز وجل ثم بضربات المقاومة الشديدة والمفاجئة .

...................................................

 [1] - التاريخ يسجل بأن حرب الفرقان 2008 / 2009 أتت بعد تفاهمات مع مصر على تهدئة الأوضاع الميدانية في غزة , وهذا ما جعل الحكومة تعود لطبيعتها !! فكان الغدر الصهيوني , وكذلك العدوان الأخير على غزة كان بعد وقف لإطلاق النار رعته مصر شفويا , وكان الهدوء على الأرض سيد الموقف إلا أن الكيان الصهيوني غدر ونقض العهد وقام باغتيال قائد القسام أحمد الجعبري .

[2] - إذ إن حرب 2008 / 2009 م كانت عقب استهداف الاحتلال الصهيوني الدورات العسكرية لعناصر الشرطة الفلسطينية الذين قتل منهم قرابة 250 دفعة واحدة !! , ومعلوم بأن الاحتلال الصهيوني عندما يريد أن ينتقم من غزة فإنه يسارع لاستهداف عناصر الشرطة الفلسطينية لأن هذا ما بوسعه أن يفعله إذ إن عناصر المقاومة الفلسطينية تحركاتهم في الميدان قليلة وحذرة .


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0