9/26/2012


إلا تنصروه فقد نصره الله .. حبيبي يا رسول الله


بقلم الشيخ/ حَـــمدان بن عـــبد الــــحي شُــــــرَّاب .

الحمد لله رب العالمين، خالق السموات والأرض، وجاعل الظلمات والنور، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والرسل أجمعين، بشَّر وأنذر، ووعد وأوعد، أنقذ الله به البشر من الضلالة، وهدى الناس إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور، وجعل الله فيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وفجر لهم ينابيع الرحمة والرضوان تفجيراً، وبعد:

فلما أعطى الله سبحانه وتعالى لرسوله "عليه الصلاة والسلام " الشفاعة والدرجة الرفيعة، وهدى المسلمين إلى محبته، وجعل إتباعه من محبته تعالى؛ فقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران:31]، فكان هذا من الأسباب التي صبرت القلوب تهفو إلى محبته "عليه الصلاة والسلام " وتتلمس الأسباب التي توثِّق الصلة فيما بينها وبينه "عليه الصلاة والسلام " ، كيف لا فقد وصفته السيدة عائشة زوج النبي "عليه الصلاة والسلام "  رضي الله عنها : "كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ"، والقرآن كتاب الله وكلماته التامة، ومن كان كذلك كان أحسن الناس وأكملهم وأحقهم بمحبة خلق الله جميعاً، وسيظل نبينا "عليه الصلاة والسلام " هو القدوة الذي نستمد منه الأجيال المتلاحقة من ورثة النبوة وحملة مشاعل العقيدة زاد مسيرها، وعناصر بقائها، وأصول امتدادها .

فمن درس تاريخه "عليه الصلاة عليه وسلم "  وأعطاه حقه من النظر والفكر والتحقيق رأى نسقاً من التاريخ العجيب، استعلى به الرسول "عليه الصلاة والسلام "  والفئة المؤمنة معه على عناصر المادة وعوامل الجذب الأرضي وارتقوا بالإنسانية إلى درجات لم تشهدها على امتداد عصورها وأزمانها.

ومن يمعن النظر في سيرته "عليه الصلاة والسلام " ، محاولا أن يتتبع السر الذي وقع في التاريخ القفر المجدب فأخصب به، وأنبتت الدنيا أزهاره الإنسانية الجميلة فأنشأ "عليه الصلاة والسلام "   رجالاً إن عبتهم لم تعبهم إلا أنهم دون الملائكة، يجدها تقول له : " إن هاهنا دنيا الصحراء التي تربى في أحضانها الرجال الذين دخلوا بالإسلام على ما دخل عليه الليل" .

ولو تأملت في أفعاله "عليه الصلاة والسلام " وجدتها تقول لك : " إني أصنع أمة لها تاريخ الأرض من بعد"، ولم يكن مثله "عليه الصلاة والسلام "   في الصبر على البلاء والثبات على الحق واستقرار النفسي واطمئنانها على زلازل الدنيا، ولا في الرحمة ورقة القلب والسمو فوق معاني البقاء الأرضي، ولقد طبع الله سبحانه وتعالى على قلب الرسول "عليه الصلاة والسلام "  ، فباعد بينه وبين زيغ الهوى وسرف الطبيعة، ومن معجزاته "عليه الصلاة والسلام " أنه أضاف في تاريخه ما عجزت عنه البشرية في تاريخها؛ وبالرغم من ذلك إلا أن هجمات أعداء الإسلام تتوالى في محاربته، وتسلك السبل للقضاء عليه بأي وسيلة كانت، حتى وصل الأمر بهم إلى الاستهزاء والسخرية، وعرض الأفلام المسيئة بالرحمة المهداة بالنبي محمد "عليه الصلاة والسلام "   ، ليعطوا تصوراً سيئاً ومغلوطاً لأتباعهم وشعوبهم، وأن هذا الدين لا يستحق الاهتمام والإتباع له كحال النبي "عليه الصلاة والسلام " ، وهدفهم الطعن في نبوته، والقدح في رسالته، وإسقاط دعوته، وصد الناس عن الإسلام وما ذلك إلا لأن الإسلام ينتشر انتشاراً سريعاً، ويتوالى الناس في اعتناقه (وَاللَّه مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [الصف:8]، فكتب التاريخ أيضاً تذكر محاولة دنيئة دبرها ملوك النصارى سنة 557 هـ - 1162م لسرقة جثمان النبي "عليه الصلاة والسلام " ، إذ كلفوا نصرانيين من بلاد الأندلس بالتخفِّي في زي حجاج مغاربة، والإقامة في المدينة المنورة وتنفيذ المهمة، وقد حفظ الله تعالى نبيه الكريم، وفضح مؤامرة النصارى الرخيصة التي تظهر حقدهم الأسود على الإسلام ونبيه .

يقول ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب: إن السلطان نور الدين محمود بن زنكي رأى النبي "عليه الصلاة عليه وسلم " في ليلة واحدة ثلاث مرات، وهو يقول له في كل واحدة منها : " يا محمود انقذني من هذين الشخصين – مشيراً إلى شخصين أشقرين تجاهه، فاستحضر وزيره قبل الصبح، فأخبره، فقال له هذا أمرٌ حدث في مدينة النبي "عليه الصلاة والسلام " ليس له غيرك "، فتجهز وخرج على عجل، بمقدار ألف راحلة، وما يتبعها من خيل وغير ذلك، حتى دخل المدينة على غفلة، فلما زار طلب الناس عامة للصدقة وقال لا يبقى بالمدينة أحد إلا جاء، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس نازلان في الناحية التي قبلة حجرة النبي "عليه الصلاة والسلام "   من خارج المسجد، عند دار آل عمر بن الخطَّاب، التي تعرف اليوم بدار العشرة رضي الله عنهم، قالا : " نحن في كفاية " فجدَّ في طلبها حتى جيء بهما، فلما رأهما قال للوزير: "هما هذان" فسألهما عن حالهما حتى أفضى إلى العقوبة، فأقرا أنهما من النصارى، وصلا لكي ينقلا النبي "عليه الصلاة والسلام " من هذه الحجرة الشريفة، ووجدهما حفرا نقباً تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي يجعلان التراب في بئر عندهما في البيت، فضرب عنقيهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة النبي "عليه الصلاة والسلام " ، إنَّ هذه المؤامرة والتي ذكرها أيضاً السمهودي في كتابه "خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى" والتي شارك فيها ملوك النصارى، قديماً لتكشف بوضوح أن الأقوال والأفعال والمواقف المسيئة لديننا ونبينا وأمتنا، التي تصدر في زماننا عن قادة الغرب ومفكريه ورجال دينه ليست إلا امتداداً لحقد غربي أسود، بدأ منذ فجر الإسلام منذ بعثته عليه الصلاة والسلام .

فاليهود أعداء الله والمسلمين والبشرية جمعاء وهذا ما قاله حيي بن أخطب أحد قادة اليهود في زمن النبي "عليه الصلاة عليه وسلم "  "عداوته ما حييت" فالعداوة ما بين المسلمين واليهود أبديَّة وأصولها ممتدة الجذور .

فنبينا صلوات الله وسلامه عليه كان رحمة للعالمين، وبالمؤمنين رءوف رحيم؛ فقد جاهد أهل الكتاب وغيرهم؛ لإنقاذهم وإقامة العدل فيهم لا لاستبعادهم، بعثهُ الله لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وبُعث "عليه الصلاة والسلام"  ليحل لهم ما كانوا حرموه على أنفسهم من الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث مما هو ضار في البدن ومناف للدين، وجاء محمد "عليه الصلاة والسلام "  بالتيسير والسماحة ليضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم قال تعالى:(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الأعراف:157] .

فما عرف أهل الكتاب الحضارة العلمية إلا من حضارة الإسلام، إذ كانوا قبله في تخلف، وإن محمداً "عليه الصلاة والسلام "  هو نبي الله ورسوله وخاتم الأنبياء والمرسلين، أرسله الله للأمة جميعاً ووصفه بالرأفة والرحمة بهم يعزُّ عليه ما يعنتهم، حريص على هدايتهم، قال تعالى :( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة:128] .

فأمر الله أمته بإتباعه وطاعته فقال تعالى:(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) [محمد:33] .

وجعل طاعة محمد "عليه الصلاة والسلام "  طاعة له، قال تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) [النساء:80] .

وهناك جملة من الحُقوق لخير الهدى محمد "عليه الصلاة والسلام "  على أمته منها :

     1-  الإيمان بأنه رسول الله، والإيمان به أحد ركني شهادة التوحيد :"أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "، فلا إسلام لمن لم يؤمن به .                                                                                                                                            

    2 -  التصديق بكل ما جاء به محمد "عليه الصلاة والسلام "  وصحَّ عنه من شئون الحياة، وعدم جحدها أو أي شيء منها .

    3-  محبته وتعظيمه وإتباع سنته قولاً وعملاً، وتقديم محبته على كل شيء كما قال "عليه الصلاة والسلام "  :"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (رواه البخاري ومسلم).

    4-  والإكثار من ذكره عملاً بقوله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56] .

    5-   من الأمانة أن يعلِّم الرَّاعي رعيته (من أب أو أم أو زوج أو مسئول ... الخ) وجوب محبة النبي "عليه الصلاة والسلام " ، والإقتداء بسنته، وتطبيقها في كل شئون حياته وتصديق أخباره، وطاعة أوامره، واجتناب نواهيه، وأن لا يعبد الله إلا بما شرعه .

    6-  الإعلام له دور فعَّال بأشكاله المتعددة المسموع والمرئي والمقروء يجب نشر سيرته "عليه الصلاة والسلام "  من خلاله وبيانها للناس جميعاً وكذا العلماء والدعاة من خلال الدروس والخطب .

    7-  ومن حق النبي "عليه الصلاة والسلام "  على أمته حفظ حقوق أصحابه رضوان الله عليهم بالترضي عنهم، والكف عن مساوئهم، واعتقاد فضلهم، ومنزلتهم وسبقهم، الذين اختارهم الله لصحبة رسول الله محمد "عليه الصلاة والسلام " ، وهم الذين أووه ونصروه وعزَّروه ونشروا شريعته وبلَّغوها لمن بعدهم، قال النبي "عليه الصلاة والسلام "  في الأنصار :" لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ الله، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ الله" (رواه البخاري ومسلم).

    8-  ولاة الأمور (الحكَّام والأمراء) عليهم مُعاقبة الجناة على شخص رسول الله "عليه الصلاة والسلام "  بإقامة شرع الله فيهم؛ وإلا وقف التعامل مع هذه الدولة فتكون هيئة اقتصادية عربية متحدة في وجه المُجرمين .

    9-   ويحرم متابعة مقاطع الفيلم المسيء للرسول "عليه الصلاة والسلام " ، فيجب منع نشره على شبكة الإنترنت وأي وسيلة، وهذا هو الرد الأمثل على الإساءة للرسول "عليه الصلاة والسلام " لا بالمُظاهرات ولا بالمسيرات، وإن الشعب الفلسطيني ليعمل جاهداً على نشر سنته والعمل بها والذب عنه "عليه الصلاة والسلام "  بكل ما أوتي من قوة وخاصَّة حِراسة المسجد الأقصى الذي يجب على جميع المسلمين أن يهبوا لتحريره من دنس اليهود ومن رجسهم.

    10-  ونصرةً له "عليه الصلاة والسلام "  ومن حقه علينا محاربة البِدع ونُصح أهلها، وإنما نحيي السُّنة ونعمل على نشرها فما ظهرت بدعة إلا هُدمت سنة .

نسأل الله السلامة والعافية من الفتن والمِحن، ونسأله أن يرزقنا الثبات على الإيمان والاستقامة على دين الله القويم، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه .

وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه نبينا وإمامنا وقدوتنا وحبيبنا محمد بن عبد الله وعلى آله وعلى أصحابه وعلى أزواجه وذُرِّيته وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين .

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0