11/21/2011


الرسول صلى الله عليه وسلم في مواجهة اليهود ج2


الرسول صلى الله عليه وسلم في مواجهة اليهود ج2

وليد ملحم

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه:

لقد تنوعت وتعددت الأساليب التي استخدمها اليهود في معاداة الرسول صلى الله عليه وسلم والإضرار بالدعوة الإسلامية ومحاولة إيقاف عجلة تقدمها.

الأساليب اليهودية في حرب الرسول صلى الله عليه ودعوته :

1-   محاولة اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم :

 لم يترك اليهود أي فرصة سانحة لهم تخلصهم من الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريق القتل أو الاغتيال إلا استعملوها فهي طرق يهودية قد تمرسوا عليها قديما, فقد قتلوا كثير من الأنبياء وكما أخبرنا الله جل وعلا: {... أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ }البقرة87.

قال ابن القيم رحمه الله: فهم قتلة الأنبياء قتلوا زكريا وابنه يحي وخلقا كثيرا من الأنبياء حتى قتلوا في يوم سبعين نبيا وأقاموا السوق في آخر النهار كأنهم لم يصنعوا شيئا واجتمعوا على قتل المسيح وصلبه فصانه الله من ذلك وأكرمه أن يهينه على أيديهم وألقى شهبه على غيره فقتلوه وصلبوه وراموا قتل خاتم النبيين مرارا عديدة والله يعصمه منهم (هداية الحيارى ج1ص 19).

تذكر لنا كتب الحديث والسير ان هنالك محاولتين لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم من قبل اليهود فالأولى: هي محاولة قتله واغتياله من قبل بني النضير . فقد بوب البخاري :

باب حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ وَمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فِي دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ وَمَا أَرَادُوا مِنْ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ أُحُدٍ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا }.

وهناك روايتين لمحاولة اغتيال بني النضير للرسول صلى الله عليه وسلم احدها محاولة قتله غدرا وغيلة بواسطة خناجر خبأها اليهود تحت ملابسهم والثانية محاولة قتله غدرا بإلقاء صخرة من فوق جدار ولا ندرى لعلها هي محاولة واحدة جاءت بروايتين فالله اعلم . وسنذكر الروايتين بإذن الله تعالى :

 روى أبو داود: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ... أجمعت بنو النضير بالغدر فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حبرا حتى نلتقي بمكان المنصف فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك فقص خبرهم فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحصرهم فقال لهم إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه فأبوا أن يعطوه عهدا فقاتلهم يومهم ذلك ... الحديث (رواه ابوداود . تحقيق الألباني : صحيح الإسناد ).

وقد أورد رواية الاغتيال هذه ابن مردويه وكذلك عبد الرزاق في المصنف :

قال ابن حجر في الفتح : وَرَوَى اِبْن مَرْدُوَيْهِ قِصَّة بَنِي النَّضِير بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ " أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب بْن مَالِك عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ... فَأَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثَة مِنْ أَصْحَابك وَيَلْقَاك ثَلَاثَة مِنْ عُلَمَائِنَا ، فَإِنْ آمَنُوا بِك اِتَّبَعْنَاك . فَفَعَلَ . فَاشْتَمَلَ الْيَهُود الثَّلَاثَة عَلَى الْخَنَاجِر فَأَرْسَلَتْ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي النَّضِير إِلَى أَخ لَهَا مِنْ الْأَنْصَار مُسْلِم تُخْبِرهُ بِأَمْرِ بَنِي النَّضِير ، فَأَخْبَرَ أَخُوهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يَصِل إِلَيْهِمْ ، فَرَجَعَ ، وَصَبَّحَهُمْ بِالْكَتَائِبِ فَحَصَرَهُمْ يَوْمه (فتح الباري ج11ص 358),عبد الرزاق في المصنف ( ج5ص359 ).

أما الطريقة الأخرى التي أوردها أهل السير وهي إلقاء صخره على الرسول صلى الله عليه وسلم فقد رويت في دلائل النبوة للبيهقي وأبو نعيم وغيرها من الكتب :

فعن ابن إسحاق ، قال : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري ، فيما حدثني يزيد بن رومان ، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف ، فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في الدية ، قالوا : نعم يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه ، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب جدار من بيوتهم قاعد ، فقالوا : من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيقتله بها فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك منهم عمرو بن جحاش بن كعب فقال : أنا لذلك ، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فيهم : أبو بكر ، وعمر ، وعلي رضي الله عنهم . فأتاه الخبر من السماء بما أراد القوم ... الحديث .(دلائل النبوة للبيهقي ج3ص428).

أما محاولة الاغتيال  الثانية : فقد حاولت امرأة من يهود خيبر قتل النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق شاة مسمومة .

فقد روى البخاري: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ أَلَا نَقْتُلُهَا قَالَ لَا فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ( رواه البخاري: باب قبول الهدية من المشركين ).

وفي فقه السيرة: فلما اطمأن بها المقام أهدت امرأة سلام بن مشكم للرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة وأكثرت من السم في ذراع الشاة لما عرفته أن الرسول يؤثرها وقد تناول النبي مضغة منها فلاكها ثم لفظها وهو يقول : إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم وكان معه بشر بن البراء فأساغ اللحم وازدرده . فجيء بالمرأة الجانية فاعترفت بما صنعت وقالت: بلغت من قومي ما لا يخفى عليك فقلت إن كان ملكا استرحت منه و إن كان نبيا فسيخبر فتجاوز عنها النبي (صلى الله عليه وسلم ) .  ثم مات بشر بعد ما سرى السم في جسمه فقيل : اقتص له منها وقيل بل أسلمت وعفا عنها . (فقه السيرة ج1ص 347). (حكم الشيخ الألباني على هذه الرواية بالصحة في معرض تحقيقه لفقه السيرة ).

2-   إثارة الفتنة والشقاق بين المسلمين :

من أساليب اليهود التي تمرسوا عليها هي إثارة الفتن في المجتمعات التي تعاديهم وذلك لعدم قدرتهم على المواجهة, وكما أثاروا سابقا قبل الإسلام العداوة بين الأوس والخزرج أرادوا إعادة الكرة لعلها تنجح كما نجحت سابقا ولم يدر بخلدهم أن الأوس والخزرج قد تغيروا وأصبحوا ينعمون بنعمة الإسلام العظيمة التي لا تفرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى .

واليكم الحادثة التي رواها ابن المنذر في تفسيره وابن هشام في السيرة والطبري في التفسير وهذه الرواية  بسنده فقال: حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال، حدثني الثقة، عن زيد بن أسلم، قال: مرّ شأسُ بن قيس وكان شيخًا قد عَسَا في الجاهلية، عظيمَ الكفر، شديد الضِّغن على المسلمين، شديدَ الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدّثون فيه. فغاظه ما رأى من جَماعتهم وألفتهم وصَلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع مَلأ بني قَيْلة بهذه البلاد! لا والله ما لنا معهم، إذا اجتمع ملأهم بها، من قرار! فأمر فَتى شابًّا من يهودَ وكان معه،  فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، وذَكّرهم يَوْم بعاث وما كان قبله، وأنشدْهم بعض ما كانوا تقاوَلوا فيه من الأشعار وكان يوم بُعَاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفرُ فيه للأوس على الخزرج ففعل. فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجُلان من الحيَّين على الرُّكَب: أوسُ بن قَيْظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس - وجبّار بن صخر، أحد بني سَلمة من الخزرج. فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رَدَدْناها الآن جَذَعَةً! وغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، السلاحَ السلاحَ!! موعدُكم الظاهرة والظاهرةُ: الحَرَّة فخرجوا إليها. وتحاوز الناس. فانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغَ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال:"يا معشرَ المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهُرِكم بعد إذْ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمرَ الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيدٌ من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكَوْا، وعانقَ الرجال من الأوس والخزرج بعضُهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رَسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيدَ عدوِّ الله شَأس بن قيس وما صنع. فأنزل الله في شأس بن قيس وما صنع:"قل يا أهل الكتاب لم تكفرُون بآيات الله والله شهيدٌ على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا"  الآية. وأنزل الله عز وجل في أوس بن قَيْظيّ وجبّار بن صخر ومَنْ كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شأس بن قيس من أمر الجاهلية: "يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردُّوكم بعد إيمانكم كافرين" إلى قوله:"أولئك لهم عذابٌ عظيم". (تفسير الطبري ج6ص55).قال الإمام الزيلعي في تخريجه للكشاف في الحكم على القصة (روي من طريقين) وقال الشوكاني في فتح القدير رويت هذه القصة مختصرة ومطولة من طرق .

هذه هي طرق اليهود التي يجب على المسلمين الحذر منها دائما .

3- إثارة الشكوك حول الدين الجديد في المدينة :

من ضمن الخطط الشيطانية الماكرة التي استخدمها اليهود هي أنهم كانوا يعرفون عند سكان المدينة من الأوس والخزرج بأنهم أهل علم وكتاب وكانوا يتوعدون بنبي قربت ساعة ظهوره, فاستغل اليهود تلك النقطة فتآمروا فيما بينهم على أن يؤمنوا في أول النهار ويكفروا آخره على أنهم لم يجدوا صفات ذلك النبي كما هو موجود عندهم أو أنهم وجدوا أن هذا الدين ليس هو المكتوب عندهم ليدخلوا الشك والريبة في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم .

ذكر هذه القصة ابن أبي حاتم في تفسيره وسعيد بن منصور في سننه ومجاهد في تفسيره حيث قال : ( آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره ) قال : هم اليهود ، صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أول النهار صلاة الفجر وكفروا آخر النهار ، مكرا منهم ، ليروا الناس أنه قد بدت  لهم منه الضلالة  بعد أن كانوا اتبعوه . (تفسير مجاهد ج1ص 174)

قال الأمام السعدي رحمه الله : ثم أخبر تعالى عن ما همت به هذه الطائفة الخبيثة، وإرادة المكر بالمؤمنين، فقال { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره } أي: ادخلوا في دينهم على وجه المكر والكيد أول النهار، فإذا كان آخر النهار فاخرجوا منه { لعلهم يرجعون } عن دينهم، فيقولون لو كان صحيحا لما خرج منه أهل العلم والكتاب، هذا الذي أرادوه عجبا بأنفهسم وظنا أن الناس سيحسنون ظنهم بهم ويتابعونهم على ما يقولونه ويفعلونه، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.(تيسير الكرم المنان ص 969).

وقال ابن عاشور: قيل أشير إلى طائفة من اليهود منهم كَعْب بن الأشْرَف ، ومالك بن الصيف ، وغيرهما من يهود خيبر ، أغواهم العجب بدينهم فتوهموا أنهم قدوة للناس فلما أعيتهم المجاهرة بالمكابرة دبروا للكيد مكيدة أخرى ، فقالوا لطائفة من أتباعهم : آمِنوا بمحمد أولَ النهار مظهرين أنكم صدّقتموه ثم اكفُروا آخر النهار ليظهر أنكم كفرتم به عن بصيرة وتجربة فيقول المسلمون مَا صرف هؤلاء عنا إلاّ ما انكشف لهم من حقيقة أمر هذا الدين ، وأنّه ليس هو الدين المبشر به في الكتب السالفة» ففعلوا ذلك .(التحرير والتنوير ج3ص 130)

فشلت خطة اليهود هذه كما فشلت غيرها من الخطط وذلك بسبب توفيق الله أولا ومن ثم وعي المجتمع المسلم وتمسكه بدينه ويقينه به , حيث طرد اليهود شر طردة .

4-  تزكية وتصحيح مذهب الكفار:

 لم يتردد اليهود في التعاون مع كفار قريش والمنافقين للقضاء على الدعوة الإسلامية الناشئة في المدينة النبوية ولو على حساب إعطاء التزكية والمشروعية للدين الوثني الذي يتعبد به في مكة فالغاية عند اليهود تبرر الوسيلة.

 فعن ابن عباس رضي الله عنه : لما قدم كعب بن الأشرف ( مكة ) أتوه فقالوا له : نحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيد أهل ( المدينة ) فنحن خير أم هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا  قال : بل أنتم خير منه فنزلت عليه : " إن شانئك هو الأبتر ".

 قال : وأنزلت عليه :" ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل . والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا " ( النساء : 44 و 45 ) أخرجه ابن جرير في ( التفسير ) ( 30 / 330 ) بإسناد صحيح رجاله رجال ( الصحيح ) وقال المؤلف في ( التفسير ) : ( رواه البزار وإسناده صحيح ) (صحيح السيرة النبوية للألباني ص 225).

5-   هجاء الرسول صلى الله عليه وسلم والتحريض على المؤمنين :

من شدة غل اليهود وحسدهم على الإسلام والمسلمين لم يكتفوا بالعداء فقط بل تجاوزوه إلى الطعن والسب وهجاء خير البرية رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذلك لينفسوا عن غيضهم  وحقدهم الدفين على  هذه الرسالة المنزلة من عند الله.

قال ابن القيم رحمه الله في ذكر كعب بن الاشرف اليهودي:  وَكَانَ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ وَأُمّهُ مِنْ بَنِي النّضِير ِ وَكَانَ شَدِيدَ الْأَذَى لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ يُشَبّبُ فِي أَشْعَارِهِ بِنِسَاءِ الصّحَابَةِ فَلَمّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ ذَهَبَ إلَى مَكّةَ وَجَعَلَ يُؤَلّبُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ثُمّ رَجَعَ إلى الْمَدِينَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ هـ . (زاد المعاد ج3ص 169).

وروى أبو داود في سننه: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم : وكان كعب بن الأشرف يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون والمشركون يعبدون الأوثان واليهود وكانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأمر الله عز وجل نبيه بالصبر والعفو ففيهم أنزل الله ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) الآية فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم أمر النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطا يقتلونه فبعث محمد بن مسلمة وذكر قصة قتله فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون فغدوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا طرق صاحبنا فقتل فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول ودعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينه كتابا ينتهون إلى ما فيه فكتب النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة .(سنن أبو داود, تحقيق الألباني : صحيح الإسناد ).

6-   محاولة سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم أسئلة اختبارية ومحرجة :

بما أن اليهود أهل كتاب فهذا يقتضي أنهم أصحاب علم فكانوا يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم أسئلة الغرض منها إحراجه صلى الله عليه وسلم , على أساس أن أجوبة هذه الأسئلة كانت عندهم فقط وهم يختصون بإجابتها, لكن فاتهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نبي يوحى إليه والله يعلمه ويخبره و كما قال تعالى : {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }النساء113.

هذه الرواية التي رواها البخاري تعطي تصور عما كان يضمر اليهود: فعن عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ حَرْثِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ فَمَرَرْنَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَسْأَلُوهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنَسْأَلَنَّهُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَالَ:{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي }.(رواه البخاري : باب قوله تعالى إنما قولنا )

قال الإمام السعدي : وهذا متضمن لردع من يسأل المسائل، التي لا يقصد بها إلا التعنت والتعجيز، ويدع السؤال عن المهم، فيسألون عن الروح التي هي من الأمور الخفية، التي لا يتقن وصفها وكيفيتها كل أحد، وهم قاصرون في العلم الذي يحتاج إليه العباد.(محاسن التاويل ص 290).

7-   همز ولمز الرسول صلى الله عليه وسلم والدعاء عليه :

من أساليب اليهود الهمز واللمز بطريقة خفية وغير مباشرة وهذه من أساليب الجبناء العاجزين  .

فعنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكُمْ قَالَتْ عَائِشَةُ فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ.(صحيح البخاري .باب الرفق في الأمر كله ).

وقد بوب البخاري : بَاب إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُصَرِّحْ نَحْوَ قَوْلِهِ السَّامُ عَلَيْكَ

قال الشيخ ابن عثيمين : وكان اليهود يسلمون على النبي، صلى الله عليه وسلم، فيقولون: "السام عليك يا محمد" والسام بمعنى الموت، يدعون على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالموت. فقال النبي، عليه الصلاة والسلام: "إن اليهود يقولون : السام عليكم فإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم".هـ.

قال ابن حجر: وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الدَّاعِي إِذَا كَانَ ظَالِمًا عَلَى مَنْ دَعَا عَلَيْهِ لَا يُسْتَجَاب دُعَاؤُهُ ، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى : ( وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال )(فتح الباري ج18ص 201)

8-   إنكارهم على تبديل القبلة والاعتراض على أحكام الله :

من أفعال اليهود المشينة هي ازدراءهم لما ينزل من أحكام أو نسخ لحكم قديم بحكم جديد. ويترصدون لأي حدث يمكن أن يستثمروه لصالحهم أو يمكنهم الطعن  في الدين من خلاله, ولكن في كل مرة والحمد لله يرجع كيدهم إلى نحورهم ومن هذه الأمثلة قضية نسخ الكعبة .

فعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ:{ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ }

فتوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ وَهُمْ الْيَهُودُ : { مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }.

قال الإمام السعدي : فأخبر تعالى أنه سيعترض السفهاء من الناس، وهم الذين لا يعرفون مصالح أنفسهم، بل يضيعونها ويبيعونها بأبخس ثمن، وهم اليهود والنصارى، ومن أشبههم من المعترضين على أحكام الله وشرائعه،(محاسن التاويل ص22 )

وقال الشيخ ابن عثيمين : و{ السفهاء } جمع سفيه؛ وهو الذي لا يحسن التصرف لنفسه؛ وكل من خالف الحكمة في تصرفه فهو سفيه؛ فهؤلاء السفهاء سفهاء في دينهم؛ وقد يكونون في المال جيدين؛ وسفه الدين بينه الله سبحانه وتعالى بقوله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} البقرة: 130 .هـ.

9-   سحر الرسول صلى الله عليه وسلم:

 من الأساليب الخسيسة والوضيعة التي اتبعها اليهود في حربهم للرسول صلى الله عليه وسلم والتي تنم عن عدم الانتماء لأي دين سماوي فضلا عن الإيمان به,  هو سحرهم للرسول صلى الله عليه وسلم على يد لبيد بن أعصم وهذه الحادثة روتها عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ قَالَ سُفْيَانُ وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَا فَقَالَ يَا عَائِشَةُ أَعَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ أَتَانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلْآخَرِ مَا بَالُ الرَّجُلِ قَالَ مَطْبُوبٌ قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ وَفِيمَ قَالَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ قَالَ وَأَيْنَ قَالَ فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ قَالَتْ فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ فَقَالَ هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ قَالَ فَاسْتُخْرِجَ قَالَتْ فَقُلْتُ أَفَلَا أَيْ تَنَشَّرْتَ فَقَالَ أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ شَرًّا(رواه البخاري : باب هل يستخرج السحر ).

وفي رواية ذكرها الشيخ الألباني في الصحيحة رقم 2761 : كان رجل [ من اليهود ] يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ، [ و كان يأمنه ]، فعقد له عقدا ، فوضعه في بئر رجل من الأنصار .

 فانظر أخي إلى غدر اليهود لقد كان يأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخله بيته فقابل الإحسان بالاساءة وهذا ديدن يهود .

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو الخلق الكريم لم يعاقبه كما ذكرت الرواية: و كان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر له شيئا منه ، و لم يعاتبه[ قط حتى مات ] " .(الصحيحة رقم 2761).

و عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ قَالَتْ فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَنَزَلْتُ قُبَاءً فَوَلَدْتُ بِقُبَاءٍ ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَّكَ عَلَيْهِ وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا لِأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ الْيَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلَا يُولَدُ لَكُمْ,.

هذه الرواية تثبت أن تعاطي اليهود للسحر أمر مشهور عند المجتمع العربي المحيط بهم, ولعل هذه الإشاعة من تدبير يهود .

10- التحالف مع الكفار للقضاء على المسلمين :

 ان من أخطر الأعمال التي قام بها اليهود هو تحالفهم مع المشركين من كفار قريش وغيرهم في حصار المدينة النبوية والتي سميت غزوة الخندق .

فقد تحول عدائهم من العداء القولي أو الفكري إلى العداء الفعلي وهذا يعني ان العداء قد بلغت ذروته فهم قد عقدوا العزم على اجتثاث تلك الدعوة المباركة بأي ثمن ولكنهم وكما في كل مرة رجعت الدائرة عليهم .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : وأَمّا قُرَيْظَةُ فَكَانَتْ أَشَدّ الْيَهُودِ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَغْلَظَهُمْ كُفْرًا ، وَلِذَلِك جَرَى عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَى إخْوَانِهِمْ . وَكَانَ سَبَبُ غَزْوِهِمْ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا خَرَجَ إلَى غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَالْقَوْمُ مَعَهُ صُلْحٌ جَاءَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ إلَى بَنِي قُرَيْظَة َ فِي دِيَارِهِمْ فَقَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِعِزّ الدّهْرِ جِئْتُكُمْ بِقُرَيْشٍ عَلَى سَادَتِهَا ، وَغَطَفَان ُ عَلَى قَادَتِهَا ، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الشّوْكَةِ وَالسّلَاحِ فَهَلُمّ حَتّى نُنَاجِزَ مُحَمّدًا وَنَفْرُغَ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ رَئِيسُهُمْ بَلْ جِئْتنِي وَاَللّهِ بِذُلّ الدّهْرِ جِئْتنِي بِسَحَابٍ قَدْ أَرَاقَ مَاءَهُ فَهُوَ يَرْعُدُ وَيَبْرُقُ فَلَمْ يَزَلْ حُيَيّ يُخَادِعُهُ وَيَعِدُهُ وَيُمَنّيهِ حَتّى أَجَابَهُ . فَفَعَلَ وَنَقَضُوا عَهْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَظْهَرُوا سَبّهُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْخَبَرُ فَأَرْسَلَ يَسْتَعْلِمُ الْأَمْرَ فَوَجَدَهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ فَكَبّرَ وَقَالَ أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ .  (زاد المعادج3ص113) .

لقد كان عقاب بني قريظة قاسيا وذلك لعظم غدرهم, ألا وهو حكم سعد بن معاذ فيهم الذي حكم بحكم الله من فوق سبع سماوات . وهو قتل مقاتلتهم وسبي نسائهم .

11- استهداف أرواح المسلمين بالقتل :

 كلما سنحت لليهودي فرصة في الانتقام من المسلم فإنه لا يدخر جهدا في فعل ذلك من قتل أو سرقة مال أو انتهاك عرض .

فعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ فَأُخِذَ فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ (رواه مسلم : باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر ) . وفي رواية البخاري :  فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَهُ بَيْنَ الْحَجَرَيْنِ هـ.

إن هذا اليهودي قتل تلك البنت الصغيرة قتلة بشعة تنم على عدم وجود أي شعور بالحس الإنساني فضلا على الشعور الديني لدى هؤلاء القوم .

 12- استعمال الكلمات الصحيحة ويقصدون بها المعنى السيئ :

صدق الله إذ وصف اليهود بأنهم شياطين الأنس وكما سبق أن هذه أخلاق الجبناء الذين يفتقرون إلى الشجاعة في المواجة, وما ينم ذلك إلا بسبب انعدام الحجة وبطلان المذهب .

قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } . البقرة104 , 105.

يقول الإمام السعدي: كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين: { رَاعِنَا } أي: راع أحوالنا، فيقصدون بها معنى صحيحا، وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا، فانتهزوا الفرصة، فصاروا يخاطبون الرسول بذلك، ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، سدا لهذا الباب، ففيه النهي عن الجائز، إذا كان وسيلة إلى محرم، وفيه الأدب، واستعمال الألفاظ، التي لا تحتمل إلا الحسن، وعدم الفحش، وترك الألفاظ القبيحة، أو التي فيها نوع تشويش أو احتمال لأمر غير لائق، فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن ... ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع، وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين، أنهم ما يودون { أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ } أي: لا قليلا ولا كثيرا { مِنْ رَبِّكُمْ } حسدا منهم، وبغضا لكم أن يختصكم بفضله فإنه { ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ومن فضله عليكم، إنزال الكتاب على رسولكم، ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فله الحمد والمنة.(محاسن التأويل ص 61).

تتمة الموضوع في الجزء الثالث ...


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0