2/28/2008


حكاية اليهود وآثارهم في مصر !!


حكاية اليهود وآثارهم في مصر !!

 

سعي اليهود لإقامة متحف يهودي في مصر مازال مستمرا منذ عام 1999م ، وظهرت حكاية الآثار اليهودية مجددا في مصر قبل عامين تقريباً ، حينما تولتا وزارتا الثقافة والسياحة المصرية تجديد منطقة الفسطاط في حي مصر القديمة الذي يقع جنوب العاصمة القاهرة ، والتي تضم واحداً من أكبر المساجد في مصر هو مسجد عمرو بن العاص . حينها رأى الكيان الصهيوني أن تشمل عمليات الترميم الآثار اليهودية فيها ، وتلقت القاهرة المقترح الذي كان معداً بإتقان ، والمتضمن تقديرا لتكاليف الترميم بنحو 50 مليون دولار أمريكي، وأرفق مع الطلب استعداد أحد رجال الأعمال اليهود المقيمين في نيويورك تحمل تكاليف ترميم تلك الآثار ، وكان فريقاً علمياً من إحدى الجامعات العبرية انتهى قريباً من عملية بحث طويلة رصد خلالها غالبية الآثار اليهودية في مصر ، والتي ادعى أنها المباني التي يتجاوز عمرها 100 عام . وتجنبت وزارتا السياحة والآثار الرد رسمياً على المقترح الصهيوني باعتبار أن تلك الخطوة تحتاج إلى قرار سيادي يتجاوز صلاحيات الوزيرين المختصين .

وفوجئ بعدها وزير الخارجية المصري ورئيس جهاز المخابرات خلال زيارتهما إلى واشنطن بطلب غريب من الحاخام اليهودي الأميركي أندرو بيكر، مسؤول العلاقات الدولية في اللجنة اليهودية الأميركية، بتأليف لجنة دولية تساهم وتشرف على ترميم الآثار اليهودية في مصر، بما تتضمنه من معابد وممتلكات ومقابر في القاهرة والإسكندرية . وتزامن طلب بيكر مع طلبات في السياق نفسه، كان آخرها إقامة مولد للنبي موسى في قرية في محافظة الشرقية يقال أنه عثر فيها على آثار من عصر النبي موسى !!

وسبق ذلك طلباً رسمياً من الكيان اليهودي موجه للحكومة المصرية لمساعدتها على استعادة نحو مئة مخطوطة خاصة بالتوراة وسجلات المحاكم اليهودية، التي ادّعت أنه جرى الاستيلاء عليها بشكل غير قانوني خلال نزوح مئات الآلاف من اليهود المصريين إليها بعد نكبة فلسطين عام 1948 !! وترادف ذلك مع تحرك موجه لعشرين منظمة لليهود المصريين ، والتي تتّخذ من واشنطن وعواصم غربية مقراً لها ، للسعي إلى شن حملة ضغوط سياسية ودبلوماسية على الحكومة المصرية للاستجابة للمطالب اليهودية .

وساهم الحاخام اليهودي المتطرف عوفاديا يوسف – المهاجر من مصر - في تلك الإدعاءات ، وأرسل رسالة إلى وزارة الخارجية المصرية دعاها فيها إلى "الإسراع في رد جزء هام من التراث اليهودي" . وتزامن ذلك مع سعي اللوبي اليهودي في واشنطن إلى إقامة دعاوى قضائية ضد الحكومة المصرية لمطالبتها بدفع نحو خمسة مليارات دولار أميركي كتعويضات عن الممتلكات التي خلفها اليهود وراءهم لدى مغادرة مصر !!

لكن يهود مصر أبقوا أنفسهم على مسافة بعيدة من هذا الجدل، حيث نفت رئيسة الطائفة اليهودية "كارمن وينشتاين "، البالغة من العمر سبعين عاماً ، أن تكون هناك قضايا رفعها أحد اليهود في مصر يطالب فيها بتعويض عن أملاكه. ورأت أنه " من غير المعقول أن ترفع قضايا في أميركا مثلاً عن أراض أو ممتلكات تقع في أراض مصرية ". واتهمت منظمات يهودية أميركية بمحاولة تهريب الأسفار اليهودية إلى أميركا، مشيرة إلى أن " جماعة في نيويورك حاولت نقل الأسفار اليهودية الموجودة في معابد مصر وكذلك بعض المقتنيات بحجة أنها كانت ملكاً لأجدادهم" !!

ومع قلة عدد اليهود المصريين المقيمين في مصر حالياً، حيث لا يزيد عددهم عن 200 يهودي والبعض يقدر عددهم بـ100 فقط ، وعلى الرغم من اندماجهم داخل المجتمع المصري، إلا أن هناك موقع على شبكة الانترنت يحمل اسم "الجمعية التاريخية للطائفة الإسرائيلية في مصر"، وهو الاسم الذي يطلق على اليهود المصريين منذ أكثر من 200 سنة، يدعى أنه يمثلهم ويطالب الحكومة المصرية بالعديد من المطالب !! وتطلب الجمعية من كل يهودي مصري أن يبعث إليها بقصته مسجلة على شريط فيديو حتى لا يشكك أحد في مصداقية القصة ، فعلى حد قولهم : أن أصوات الناكرين للمحرقة في ازدياد والسبب في ذلك هو موت الناجيين أو اختفاء شهاداتهم وهذا هو ما سيحدث لليهود العرب، فالأصغر سنا ومن يتذكر ما حدث له، جاوز عمره الخمسين، لذلك يجب تسجيل التاريخ للأجيال، قبل الموت وقبل فوات الأوان!!

ويعلن الموقع أهدافه بوضوح وهى : جمع وحفظ الصور وشجرة الأنساب والوثائق الفنية والتاريخية والأسرية المنشورة وغير المنشورة التي تمكن المؤسسة من فتح وإقامة مركز المحفوظات لليهود من مصر !!. ويعلق الدكتور "محمد أبو غدير" أستاذ الدراسات العبرية بجامعة الأزهر على هذا الموقع الإلكتروني بقوله : " أن هناك العديد من الجمعيات التي تنادى بمثل تلك المطالب "، ويقول : " للأسف أننا نعانى من غياب العمل المنظومي، فهم يقومون بحشد كافة إمكاناتهم لدعم قضاياهم التي ينفق عليها الكثير من الأموال " .

هل سيقام متحف يهودي في مصر ؟!

وفي الآونة الأخيرة جرت عدة اتصالات ومفاوضات بين علماء أثار يهود ومسئولين بالمجلس الأعلى للآثار في مصر، لدراسة طلب افتتاح متحف للتاريخ اليهودي في المنطقة التاريخية بالقاهرة القديمة ، وترأس الدكتور زاهي حواس رئيس المجلس الأعلى للآثار الوفد المصري في هذه المفاوضات ، للبحث في تفاصيل للمشروع الذي يستند إلى مزاعم يهودية حول وجود الكثير من الآثار والمصنوعات اليدوية اليهودية من عصور قديمة لدى عدد من العائلات اليهودية سواء في مصر أو خارجها.

واعترض بشدة معظم علماء الآثار المصريين على إقامة متحف يهودي في مصر لأنه سيعطي لليهود حقوقاً تاريخية في مصر غير موجودة في الواقع حيث لم يكن لهم أية آثار تستدعي إقامة مثل هذا المتحف ، ويحظى هذا الرفض بدعم وزير الخارجية أحمد أبو الغيط الذي عبر في فبراير الماضي عن احتجاجه على هذا المشروع  ، فضلاً عن اعتراض الأمن القومي، نظرًا لأنه سيستدعي اتخاذ إجراءات أمنية مشددة في ظل الإقبال المتوقع عليه من جانب اليهود وخاصة يهود الكيان الصهيوني .

وبعدها كشف مصدر مسؤول بوزارة الثقافة أن المحادثات بشأن إنشاء متحف لتاريخ اليهود بمصر مازالت مستمرة إلى الآن ، وأكد أمراً خطيرا ألا وهو : " أنه في حالة عدم الموافقة علي إنشاء هذا المتحف سيتم تخصيص قاعة بأحد المتاحف المصرية الكبرى لهذا الغرض "!!

وأكد ذلك المقترح المستشار الأثري بالمجلس الأعلى للآثار "عبد الله العطار" بقوله : "أن فكرة إنشاء متحف لليهود مرفوضة لعدم كفاية الآثار اليهودية الموجودة في مصر واللازمة لإنشاء هذه المتحف، بالإضافة إلي أن الكتب الدينية والأدوات الأثرية التي تحتويها مكتبات المعابد اليهودية مازالت تستخدم في الطقوس الدينية وإقامة الشعائر داخل المعابد ومن الصعب الاستعانة بها في إنشاء هذا المتحف لأنها ستؤدي إلي تعطيل الشعائر اليهودية. وأشار العطار إلي أنه ربما تطرح فكرة أخري بديلة عن المتحف وهي إقامة قاعة متخصصة للآثار اليهودية بأحد متاحفنا، فالآثار اليهودية شأنها شأن الآثار الإسلامية والقبطية وغيرها !!" . 

ولذلك اعتبر د. محمد الكحلاوي أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة والأمين العام لاتحاد الأثريين العرب: " أن مسألة إقامة متحف لليهود مطلب وليس طلباً، وهناك فرق بين الاثنين ، فالمطلب أمر يقدم ويملي عليك ، وما عليك إلا تنفيذه مشيراً إلي أن هذا المطلب تتبناه جهات صهيونية وأمريكية مثل اللجنة اليهودية- الأمريكية، والجمعية الدولية لليهود القادمين من مصر مقرها نيويورك ، التي طالبت باسترداد الآثار اليهودية والمشاركة في ترميم المعابد عدة مرات " .

ووصف الكحلاوي اليهود في مصر بأنهم: " ليسوا شعباً منفصلاً عن المصريين، بل هم طائفة تداخلت في نسيج الشعب المصري بعاداته وتقاليده، فيهود مصر والمعروفين بـ"طائفة القرائين" لا يعترف بهم يهود الغرب ، وهم مواطنون درجة ثانية داخل الكيان الصهيوني ، وأكد الكحلاوي أن الصهاينة لديهم خطة سياسية للتغلغل داخل المجتمع المصري والحصول علي الشرعية والأحقية في ذلك ، فالمتحف له تأثير قوي في المجتمع ثقافياً وتعليمياً فهل يريدون إقامة مركز إشعاع ثقافي لهم تحت شعار أنه تاريخ اليهود بمصر؟!

وقد أثارت مؤخراً تصريحات د. زاهي حواس رئيس المجلس الأعلي للآثار حفيظة عدد من الأثريين المصريين حين أعلن رفضه لطلب ترميم المعابد اليهودية ، وأكد في نفس الوقت " أن فكرة إنشاء متحف لليهود مطروحة للنقاش " !!

لماذا المطالبة بحفظ الآثار اليهودية الآن ؟

وصعد الكيان اليهودي هذا العام عبر مؤسساته العلمية والتراثية نشاطه في عقد المؤتمرات والندوات وتقديم الدراسات لتوثيق ما يزعمون أنها أملاك اليهود في العديد من الدول العربية ، ومصر على وجه الخصوص ، والعمل على إيجاد قاعدة بيانات خاصة بها .

ولعل هذا النشاط الآن يهدف إلى إسقاط المطالبة بحقوق الفلسطينيين المغتصبة من أرض وممتلكات وحق العودة وغيرها ، وجعل حقوقا أخرى يطالب فيها ، تتقزم أمامها المطالب العربية والفلسطينية ... منها حقوق اليهود في العالم العربي ، ومن ثم  الوصول إلى إلغاء المطالبة بحقوق الفلسطينيين وممتلكاتهم التي اغتصبوها في العقود الستة الأخيرة ، وللمفارقة اليهود يتحدثون عن أملاكهم في مصر والمنطقة العربية وتساندهم جماعات ضغط غربية وأمريكية وإعلام ويطالبون بأموالهم ويقدرونها بعشرات المليارات!!! والعزاء لحقوقنا في فلسطين وأملاكنا ووقفياتنا ومقدساتنا ... والمؤكد من سير الأحداث أن ورقة أملاك اليهود في الوطن العربي ستكون ضمن أحد أهم الأوراق للكيان الصهيوني في المفاوضات المقبلة لعملية السلام المقترحة ؟!

فتاريخ الابتزاز اليهودي معروف، وهو لعبة أتقنها اليهود جيدا، وجنوا من خلالها مكاسب عدة، ماليا وسياسيا، إلا أنهم هذه المرة يريدون تحقيق أهداف أكثر فاعلية يثبتون من خلالها بأن الفلسطينيين ليسوا وحدهم أصحاب حق العودة، بل اليهود أيضا، ومن ثم فإن الحل الأخير هو تخلي العرب عن حقوقهم، مقابل الحقوق التي تخلى اليهود عنها وهي ممتلكاتهم، وأن الفلسطينيين ليسوا فقط هم الضحية ولكن اليهود أيضاً، فهل يستطيعون إقناع العالم بهذا وسط المغالطات اليهودية؟

ويؤكد ذلك ما قام به اليهودي موردخاي بن بورت حين قدم عام 1993 للرئيس الأميركي بوش الأب ملفا وثائقيا زعم فيه أن الأراضي والممتلكات -كما جاء في تقرير موردخاي - التي أجبر اليهود على التخلي عنها في الدول العربية وبينها مصر تقدر بعشرة مليارات مارك ألماني وتزامن تقرير موردخاي مع قرب عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة حسب اتفاقات أوسلو 1993. والملف يزعم أن قيمة الأراضي المصادرة من الفلسطينيين من قبل اليهود تماثل أو تقترب من أملاك اليهود في المنطقة العربية ، وذلك لقطع خط المطالبة العربية بحقوق أبناء الشعب الفلسطيني ، والسعي لإلغاء هذا الحق المشروع .

التعويضات للصوص الأرض والتاريخ

والمراقبون لهذا الخلاف كشفت لهم أوراقا كثيرة أبرزها : أن عدد اليهود الذين يحاولون الحصول على تعويضات رفعوا نحو3500 قضية تبلغ قيمتها نحو 5 مليارات دولار، ويقف وراءهم الاتحاد الأوروبي وأمريكا التي أرسلت في فترة سابقة وفدا من لجنة الحريات الدينية الأمريكية التقى أعضاء الطائفة في القاهرة والإسكندرية ، وأثار الوفد ملف أملاك اليهود في مصر . والجدير بالذكر أن الملفات التي يثيرها اليهود والضجة حول هذا الملف يتضمن توصيات تقول إن لليهود أملاك في مصر والتي يزعمون أنهم تركوها عقب حروب 1948 و1956 وهربوا!!!

ما سبق يؤكد عدم اكتفاء الصهاينة باغتصاب فلسطين ومحاولات تهويد القدس وتصفية قضية فلسطين بشكل نهائي، بل يتجاوزون ذلك إلى محاولات لتزوير تاريخ المنطقة والعبث به، وإيجاد مبررات لزرع أنفسهم في أي مكان فيها، كالمطالبة بإقامة متحف يهودي في القاهرة بدعوى أن الآثار اليهودية في مصر كثيرة ، وعلماء الآثار يؤكدون انه ليس لليهود في مصر آثار تستدعي وجود مثل هذا المتحف المستقل ... ولا شك إن مثل هذه المطالبات تأتي في إطار مخططات اليهود ولهاثهم وراء مزاعم وأكاذيب لا أساس لها ، لإيجاد موطئ قدم لهم بيننا .

عيسى القدومي


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0