7/4/2011


العايش لـ : الثورات العربية على الظلم.. أول إرهاصات النصر على إسرائيل


 

 

 

 

 

 

مثلت تهاوياً للفساد والبدء ببناء جيل إسلامي واعٍ ومؤمن بقضيته

 

العايش لـ : الثورات العربية على الظلم.. أول إرهاصات النصر على إسرائيل

 

أجرى الحوار: أحمد يحيى

 

جريدة عالم اليوم الكويتية: 27/6/2011م

 

قال رئيس مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية الشيخ جهاد العايش إن القرآن الكريم يقدم العبر والدروس خلال قصة طالوت وداود التي قدمت آليات تحرير فلسطين وتوحيد صف الأمة للانتصار على الأعداء.

وأوضح خلال حوار أجرته معه «عالم اليوم» إنه لا يكفي التغني بفلسطين المقدسة وكذلك ليس الحل في الدعوة إلى صلاة فجر مليونية لعدة أيام، مستدركا: رغم أهمية ما قامت به الثورات العربية والأفكار المبدعة في طرح آليات لتحرير فلسطين إلا ان تحقيق الهدف يكون بالالتزام بقوله تعالى: {وأعدوا}.

وتابع العايش: نعيش في صراعنا مع اليهود مرحلة المناوشات التي سبقت وجود الملك في عهد بني إسرائيل، وعلينا الاستفادة من العبر في تلك القصة القرآنية.. كل ذلك وتفاصيل أخرى في الحوار التالي:

 

> كيف تصف حالنا اليوم؟

 

< ما أشبه ليلتنا ببارحة بني إسرائيل الذين قالوا لطالوت عنوان الحق [لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِه] (البقرة)، وأصابهم الخوف من مواجهة الباطل، مثلهم كمثل بعض قومنا الذين قالوا مثل قولهم، تشابهت أقوالهم ونرجو ألا تتشابه قلوبهم، قالوا لا طاقة لنا بجيش اليهود الذي لا يقهر وتراسنته التي لا تدفع وشكيمته التي لا تغلب! ينادون بالسلام دون ضابط ولا رابط ولا حتى المطالبة بحق ممكن أن يؤخذ، إن فريقي الصراع بالأمس هما فريقا الصراع اليوم وعلى الأرض ذاتها،فالمسلمون في فلسطين اليوم يمثلون الفريق الإسلامي يقاتلون نيابة عن المسلمين في العالم، ويمثلون ما عند الأمة من درجة الإيمان بربهم، بهم يعرف ما عند الأمة من إيمان وصلاح وقرب من الله سبحانه وتعالى، وهذا مصداق قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم : ( إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم... ) السلسلة الصحيحة للألباني 403.

 

تغنٍ مخادع

 

> يلاحظ أن قضية فلسطين حاضرة في الدول العربية والإسلامية.. ما رأيك بمستوى هذا الحضور؟

 

< وهذا صحيح رغم ما قام به الغرب واليهود ومن عاونهم من أبناء جلدتنا لسلخ الشعوب عن قضية فلسطين، لكن دون جدوى فقد غيبوا قضية فلسطين عن الاعلام والمناهج الدراسية وحتى عن منابر الدعاة ومنعوا أهل العطاء والخير والصدقة من تحويل أموالهم لنصرة إخوانهم في فلسطين، لكن كما قلت دون جدوى، لكني أقول إن التغنّي ببركة الأرض المقدسة ( فلسطين ) دون حصولنا على مقومات البركة في ذاتنا وهو التمسك بأمر الله وسنة نبيه، لهو تغن مخادع، ودعوى كاذبة، فذاك أبوالدرداء رضي الله عنه لما دعا سلمان الفارسي رضي الله عنه للحاق به إلى الأرض المباركة قال له : “إن الأرض المقدسة لا تقدس أحدا فإنما يقدس الإنسان عمله “.

وبنو إسرائيل لما تساووا في المعصية بينهم وبين عدوهم سلط الله عليهم عدوًا أشد شكيمة وبأسًا منهم وإننا نحن كذلك إذا تساوينا بالمعصية مع أعدائنا، ووكلنا الله إلى أنفسنا فسلط علينا عدوًا لا يرحمنا !!

 

صلاة فجر مليونية

 

> منذ أيام تنادى الناس ومن خلال صفحات الفيس بوك الى توجيه الجموع العربية والاسلامية الى حدود فلسطين من سورية ولبنان والأردن ومصر، كما أعلنوا عن إقامة صلاة فجر مليونية في عدة مساجد عربية ولعدة أيام فقط، كيف تقيم هذه الجهود والنشاطات ؟

 

< هم مشكورون على حرصهم وجهدهم والإبداع في التفكير، لكن ما هكذا تورد الإبل، للأسف أنهم خرجوا من دول اشتعلت فيه الثورات وانشغل أهلها بالهم والشأن الداخلي لكل دولة وما أصابها من خطب وجلل فكيف يخرجون لمواجهة اليهود بأسوأ توقيت وصدور عارية وظهر مكشوف؟

الفوضى والعمل غير المنظم لا يحرر فلسطين وهو مناف لأمر الله (وأعدوا)، والامة مشغولة بثغور جديدة وصفوف مبعثرة أكثر من ذي قبل حتى اتسع الخرق على الراقع، فليس من الحكمة جرها الى معركة لم نعد العدة لها، سوى جماهير غاضبة لا تملك خطة ولا برنامج عمل.ولا يعني ان الرعب دب في قلوب اليهود بسبب زحف المظاهرات المليونية إلى حدود فلسطين أننا سننتصر على اليهود، فما هي الخطة التي أعدت لما بعد ذلك أو واجهها اليهود فهم أمة منظمة ونحن أمة مبعثرة. ومن سنن الله أن النظام يغلب الفوضى.

 

اما صلاة الفجر المليونية التي حددوا لها أياما وأماكن معلومة، فهي دعوة ظاهرها الخير وباطنها العجز والتقصير الواضح فلماذا لا تكون كل صلواتنا مليونية ولا تقتصر على ايام ثلاثة ثم نعود بعدها لنغط في النوم؟ ان من يعجز عن تلبية نداء الصلاة هو أعجز عن تلبية نداء حي على الجهاد.اذا هم دعوا الى صلاة مليونية لثلاثة أيام فقط وفي دول معنية فقط فأنا ادعو الى صلاة مليونية في كل يوم وفي كل قطر وناحية وحتى آخر يوم من أيام حياتنا، والله لو رأينا الناس يتحركون لصلاتهم كما يتحركون لمعاشهم وكسبهم، لرأينا اليهود قد انفضوا عن فلسطين وتركوها لأهلها دون قتال يذكر لكنه والله التقصير وأنصاف الحلول والعجز الذي لا نزال نعاني منه.

 

> إلام تشير قوة اليهود على الأراضي المحتلة؟

 

< إن قوة الكافرين على الأرض المباركة معيار يشير إلى قوتهم على سائر المسلمين في سائر الأصقاع والميادين، وإنه إذا ما اندحرت قوتهم عن الأرض المقدسة فإن ذلك دليل على رفع سلطانهم عن كثير من بلاد المسلمين، وبالأمس ابتليت الفئة المسلمة والتي تمثلت ببني إسرائيل بالفئة الكافرة التي تمثلت بالجبارين واليوم وبعد أن انقلب حال بنو إسرائيل وكفروا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وآمن به أهل فلسطين سلط الله اليهود عليهم.

 

الأيوبي وزنكي

 

> وأي مرحلة نحن فيها اليوم؟

 

< إن المرحلة التي نعيشها في صراعنا مع يهود هي مرحلة المناوشات،هي ذاتها المرحلة التي سبقت وجود الملك في عهد بني إسرائيل وشعروا بالحاجة إليه وطلبوه من الله تبارك وتعالى بقولهم ( ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ) وكذلك نحن اليوم لا يزال خطباؤنا يهجون بالدعاء أن يهيئ الله لنا ملكاً كالناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.كما أنه استحق الملك حقيقة لما استرد المسجد الأقصى من الصليبيين، وأن طالوت استقر له الملك لما استرد التابوت إلى بني إسرائيل.

 

وما قام به القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي يوم أن حرر القدس وغيرها من الامارات الاسلامية لم يكن ليتحقق الا بفضل من الله ثم بجهود دعوية عظيمة هيأت له أن يكمل السير وينال شرف النصر، وإلا فالحقيقة لقد كان لنور الدين زنكي رحمه الله أن يشاطره هذا النصر لولا أن المنية قد عاجلته فهو الذي عمل على اصلاح الناس والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وملاحقة الفاحشة في دور الخنا وأوكار الفجور وشرب الخمر الذي خيم على كثير من الناس،مع إعادة إحياء العقيدة في نفوس الامة ومحاربة الفرق الضالة.

 

مطلوب قائد عادل

 

> وكيف ننتصر؟

 

< إن العودة إلى الدين والتمسك به هو السبيل إلى النجاة ودفع ظلم الأعداء، به العز والسؤدد، إن عقوداً من الزمن تاه فيها بنو إسرائيل في صحراء سيناء لا يهتدون سبيلاً،وعقوداً مثلها وزادت عنها تشتت الفلسطينيون خلالها في سائر الأرض يلتمسون عيشاً يؤمنون به على أنفسهم، ولقد حرر طالوت أنفس بني إسرائيل من شهواتهم فاستطاع بعد ذلك تحرير البلاد من الكافرين،وإن الغارقين في المعاصي من قومنا لم ولن يستطيعوا تحرير شبر من أرض المسلمين ما داموا على المعاصي عاكفين.

 

إن مطلب بني إسرائيل بالأمس لإنقاذهم من جورالظالمين المعتدين عليهم، واليوم هو ذاته مطلب الشعب الفلسطيني بأن يجمعهم تحت راية قائد عادل يقيم فيهم جهاداً شرعياً لا لبس فيه يسترد به حقوقهم ويدفع عنهم شرور أعدائهم قال تعالى :[أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّه}.

 

داعية غشوم ظلوم

 

> كيف تنظر الى الدعاة في هذه الايام.. هل يقومون بالدور الذي يؤدي للعودة للدين؟

 

< الدعاة هم بشر ومتفاوتون في خبراتهم وأدائهم، وكل عامل منهم قائم بأمر الله فهو على ثغر ومهما كانت طبيعة الأمر الذي يقوم به، لذلك الله بارك في جهود كثير من الدعاة وبانت ثمراتها مع أنهم ليسوا من كبار الدعاة ولا من المشهورين المبرزين، لنا نحن معشر الدعاة عبرة في صلاح الدين الايوبي ونور الدين زنكي رحمهما الله، وخاصة الداعية الذي يظن ان جهده وذكاءه وعلمه يسع عموم الدعوة فهو غشوم ظلوم لنفسه ودعوته، وإن مابناه من دعوة اعتمدت على شخصه سرعان ما ينتهي كيانها بانتهاء وجوده بينها.إن أصنافا من الدعاة لتعجب من جزعهم لأنواع من كماليات الدنيا لا يصبرون على فقدانها ويضجرون عند غيابها فكيف بهم يصبرون على هم الدعوة وبلائها.

 

التاريخ يعيد نفسه

 

> لماذا تركز في حديثك على قصة طالوت وجالوت؟

 

< لأن فيها العبرة والعظة،و قرابة ثلث القرآن إخبار من الله سبحانه وتعالى عن سير الماضين، إنها ليست للتسلية وملأ الفراغ، بل هي للعبرة وإن التاريخ يعيد نفسه.وهي من أقرب القصص القرآني لواقعنا المأساوي هذا الزمان في فلسطين، وإن بني إسرائيل حال كونهم الفئة المسلمة ثم فرطوا بأمر الله، تسلطت عليهم الشعوب وشردتهم وسلبت مالهم وسبت نساءهم واستولت على تابوتهم الذي كان بمثابة الأثر المقدس بين أيديهم، إنه هو ذاته ما يقع على الشعب الفلسطيني من قتل وتشريد وذل بين كثير من شعوب الأرض واستيلاء على ما أودعه الله بينهم وهو المسجد الأقصى وقد استولى عليه اليهود واستباحوا قداسته، فضلاً عن كون بني إسرائيل من أقرب الأمم إلى أمة الإسلام لذا أكثر الله من ذكرهم لنا عن غيرهم.

 

 إن هذه القصة تحكي فترة من فترات بني إسرائيل، لما دخلوا الأرض المقدسة وانحرفوا عن منهج الله، سلط سبحانه وتعالى عليهم من يضطهدهم ويسومهم سوء العذاب إنها مفارقة عجيبة تحتاج منا إلى تأمل ووقفات نأخذ منها الدروس والعبر، إن قومنا دخلوا الأرض المقدسة بعد اتفاق أوسلو فظنوه نصرا من الله، فزاد فجور بعض من دخل فسلط الله عليهم مزيدا من طغيان اليهود؛ فزادت الإبادات والمجازر الجماعية ثم جاء الجدار اليهودي ليخنق الشعب الفلسطيني بأسره بذنب هؤلاء وأزلامهم ثم حصار غزة وما جره على الشعب الفلسطيني من الويلات تلو الويلات.

 

 إن هذا الجيل من بني إسرائيل الذي يقص الله سبحانه وتعالى حالهم تلخصت معصيتهم في عدم طاعة ربهم، وإن أمتنا أمة مسلمة لكنها لم تستحق نصر الله ؛ لأن كثيرا منهم لا يقيم أمر الله سبحانه وتعالى، ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم،ولا أمر أولي الأمر من العلماء الربانيين، فكيف لها أن تنال الظفر على الأعداء، إننا ندعوهم وندعو أنفسنا لنقدسها بالأعمال الصالحة التي ترضي الرب سبحانه وتعالى.

إن عبر هذه القصة شملت شريحة واسعة من الناس، فهي إلى القادة والفصائل المحاربة التي تواجه اليهود ليتعلموا من مدرسة طالوت وداود عليه السلام إلى الشعوب المسلمة عامة والشعب الفلسطيني خاصة لأنه رأس حربة في هذا الصراع وليسلكوا السبل الناجحة في التربية لتأتي أكلها بعد حين بإذن ربها.

 

مرحلة المغالبة

 

> ما نصيحتك ولمن؟

 

< إلى الذين يطمحون تحقيق الغلبة للدين، لا بد وأن يتحلوا بالصفات التي تؤهلهم لهذا المنصب وإلا فلا يزاحموا أهله، فرسوخ الدين ورباطة الجأش والحكمة في الأقوال والأفعال، والحد الأدنى من العلم، هي صفات لا تنازل عنها.ولا يتحقق لهم التمكين إلا بعد الابتلاء، ولن يولد جيل الريادة والتمكين إلا من رحم أمة المعاناة التي تجاوزت مراحل الابتلاء والاختبار، فعلى هذا لنتنبه ولا نتعجل النصر.

 

إن ما يصيب أهلنا في فلسطين وغيرها هي مرحلة المغالبة، وهي مرحلة تتطلب منهم الصبر ليتحقق لهم التمكين بإذن الله متمثلين قول تعالى :[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون](آل عمران:200).

 

قوة ورباط الخيل

 

> كيف يتحقق النصر والتمكين؟

 

< من سنن الله الكونية لتحقيق النصر و التمكين الجمع بين الأسباب المعنوية والمادية من غير أن تنفك واحدة عن الأخرى. والأسباب المعنوية مثل وجود القيادة الصالحة والذكية الفطنة، والدعاء،و البرامج التدريبية لصقل المواهب والقدرات، وصدق الانتماء، و الصبر، والتناغم والتكامل بين القيادة الشرعية والسياسية،و العلم الشرعي.أما الأسباب المادية فهي قوة الجسم، وإعداد العدة والتدريب على الحرب وبناء القوة العسكرية وغيرها وقد جمع الله تبارك وتعالى ذلك في قوله : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ).

 

قتل المسيح الدجال

 

> ومن أين نبدأ؟

 

< ان للتمكين مراحل لا ينبغي للقادة والمربين والدعاة أن يغفلوا عن خطواتها، وأن يعوا عند أي مرحلة يجب أن يقفوا.ومراحل التمكين لدين الله متوالية لا ينبغي تجاوز مرحلة عن الأخرى وهي سنة كونية لا مفر منها؛ تبدأ بالتعريف بالدعوة، ثم مرحلة الإعداد بالتربية وترسيخ العقيدة وهي مهمة الربانيين من علماء ودعاة ونحوهم وهي بحاجة الى مزيد من الوقت دون تعجل،ثم مرحلة المغالبة وقد تأخذ ردحا من الزمن تتكبد فيها الأمة الخسائر، وأخيرا مرحلة الظفر والنصر.وتدافع الناس والصراع بين الحق والباطل موصول إلى قيام الساعة حتى يقتل عيسى عليه السلام عنوان الحق رمز الباطل المسيح الدجال عند باب لد في فلسطين.

 

القائد جنة

 

> كيف يخرج القائد الذي يقود الامة للنصر؟

 

< لكل زمان دولة ورجال وان للنصر أهلون، وإن لهم موعدا، وإن داود عليه السلام خرج من وسط الجيش المجاهد، فمن ميدان المعركة بدأ أمره، وترقى في طريق القيادة والملك والحكمة والمسؤولية. فالقائدان طالوت وداود عليه السلام ظهرا من وسط الناس، وقدمهما الميدان والعمل والواقع ولم يفرضا فرضا على الناس، وهنا فائدة لابد من الاشارة إليها وهي أن داود عليه السلام نبي يخرج من بين صفوف قائد رباني لكنه ليس بنبي. وفي هذا إشارة إلى أن العمل الصادق والمخلص هو الذي يخرج القادة، والميدان هو الذي يكشف عن المعادن و المواهب؛ فالفئة المؤمنة كلها معدن خالص وكلها جرس مسمع، من أي الجهات طرقته سمعت له صوتا، فقد يخرج الفاضل من أثر المفضول، فرب حامل فقه الى من هو أفقه منه، ورب مبلغ أوعى من سامع. فهذه هي طريقة القادة الذين يقودون الأمة إلى طريق النصر والتمكين.وقد أدرك عقلاء بني اسرائيل في حربهم ضد العماليق أهمية ومكانة القائد فإنه جنة، ووجوده شرط في جهاد الطلب، وبه الكمال والتمام في جهاد الدفع.

 

مناورة طالوت العسكرية

 

> كيف لهذا القائد أن يكتشف خريطة من حوله ومدى صدقهم من عدمه؟

 

< إن على القائد أو المربي أو الداعية أن يرسم في ذهنه خريطة أصناف من حوله كما يسمونها الآن معرفة أنماط من معه وحوله، و معرفة درجات طاعتهم لربهم ثم ولائهم لمشروعهم وقضيتهم و قائدهم ويتفرس ويستشرف حقيقة معدنهم عند الحاجة إليهم، والقائد الفطن يدرك أن هناك صنفا من متبوعيه لا حاجة لكثير من الابتلاءات والاختبارات حتي يدرك حقيقتهم.

 

 وما سلكه طالوت من برنامج تدريبي أو مناورة عسكرية قبل الخوض في المعركة الحقيقية لمعرفة قدرات أتباعه الإيمانية لهو الأسلوب الذي لا مفر منه لأي قائد وفي أي زمان ومن ذلك تيقظه لحماسة جنده المفرطة وتكرار التجارب وتنوعها للوصول إلى صفوة الجند وخبرته بالنفوس وعزله للفئة المريضة من جنده وتركهم خلفه، حتى لا يشكلوا عبئا عليه، وعلى إدارته فضلا عن تأثيرهم السلبي على باقي جنده.ومهما تحلى الجنود بالأخلاق، فهذا لا يعفي القيادة هي الأخرى أن تكون قد اتصفت بصفات وتحلت بأخلاق قيادية لتكتمل بها حلقة أسباب النصر. وقد اثبت طالوت أنه يستحق الملك بجدارة فقد تماسك أمام تضاؤل ونقصان عدد جنده أثناء التجارب حتى تبقت الفئة المختارة التي خاض بها المعركة.

 

مطالب خداعة

 

> ألا ترى أن الحماسة كافية.. كما يردد البعض؟

 

< من العبر التي ينبغي على الدعاة والقادة والمربين أن يعوها، المطالب الخداعة، وكثيرًا من المدعوين وغوغاء الناس يكثرون من الاقتراحات والمطالب الدعوية وغيرها التي تظهر حرصهم على الأمة كما يزعمون وكثير منهم يحسنون فن التنظير وكأنهم لاعب أساس في تسيير أحداث الدعوة ومجرياتها، وهم في حقيقة أمرهم لم يفارقوا وسادة فراشهم.لذا فالقائد والمربي الحاذق هو الذي لا يغتر ولا ينخدع بحماسة جماهيره أو كثرة تنظيرهم، قبل أن يضعها على محك الاختبار وقبل الولوج بها في المعارك الحاسمة.والكثرة لم تدغدغ مشاعر طالوت ولم تدعوه إلى الفرح المفرط بها، فالعبرة في النوع لا في الكم عنده.والاختبارات الثلاثة التي تعرض لها بنو إسرائيل كشفت لطالوت عن الفئة الحقيقية التي ينبغي له أن يخوض بها غمار حرب ضروس لأن الجنود المخلصين الأشداء سبب رئيس في كسب جولات الحرب.

 

التغيير للتمكين

 

> إلام ينتهي الصراع بين الحق والباطل؟

 

< الصراع بين الحق والباطل و تدافع الناس من أجل البقاء سنة الله الجارية في خلقة منذ أن خلق الأرض وما عليها إلى قيام الساعة وعلى الأرض المقدسة تحديداً، والعارف بسنن الله الجارية يسير نحو التغيير للتمكين وفق قواعد الله وسننه الكونية.

 

> السير نحو التغيير للتمكين يتطلب ان استوضح منك كيف يكون ذلك؟

 

< من سنن الله في النصر والتمكين سنة التدرج والمرحلية في تربية الأفراد والجماهير، إنه بذلك يخفف الصدمة ويخفف عن محبيه وعلى متبوعيه الفتنة، ويمتص ردود الأفعال من ناقميه، ويقطع الطريق على المغرضين والمنافقين،والذي يوفق لذلك يتأتى له الوصول إلى مراده دون أن يخرج عن سنن الله وأحكامه الشرعية.

 

> ومن أين نبدأ؟

 

< إن سنة الله في خلقه تتطلب تغيير النـاس ما في أنفسهم، فقد أخبر الله تعالى في مطلع آيات هذه القصة [ ألم تر إلى الملأ]إنه جيل التغيير الذي قاد انتفاضة الإيمان وطالب بالتغيير وعمل على ذلك فالله لايغير ما بقوم حتى يغيروا هم ما بأنفسهم.

 

انقطاع الأنبياء عن بني إسرائيل

 

> وكيف بدأت مسيرة أنبياء الله في تحرير فلسطين؟

 

< جاء إبراهيم إلى فلسطين مع ابن أخيه لوط عليهما السلام يحمل معه دعوة التوحيد حيث وصى بها بنيه مستخلفاً لهم دعوة أسسهم عليها واثناء وجودهما في فلسطين رزق إبراهيم بإسحق عليهما السلام، كما رزق يعقوب ( إسرائيل ) بأبنائه الأثنى عشر (الأسباط) فخرج يعقوب إلى جوار ابنه يوسف عليهما السلام في مصر ويبدو أنه ترك خلفه من ذريته من يرعى أمر المسلمين منهم هناك في فلسطين.

 

 وفي فترة تصادف وجود موسى عليه السلام على أرض مصر في عهد الفراعنة غلب الجبارون على الأرض المباركة فلسطين فيتغير فيها نظام الحكم الإسلامي، فيخرج نبي الله موسى عليه السلام وبأمر من الله في بني إسرائيل من مصر مروراً بسيناء متوجهاً إلى الأرض المباركة لتحريرها، ولإقامة شرع الله فيها وهنا ظهر الكفر والعناد وسوء الطباع من بني إسرائيل فأعلنو الحرب على الله تعالى برفضهم دخول فلسطين، فأعلن الله الحرب عليهم، فكان التيه في سيناء أربعين سنةً،حتى وافت المنية موسى عليه السلام وهم في التيه وكان ما بين إبراهيم إلى وفاة موسى عليهما السلام قرابة 700 سنة ومن بعدها انقطع الانبياء عن بني اسرائيل.

 

“الكوهن” خليفة موسى

 

> كيف عاش بنو اسرائيل في فترة انقطاع الانبياء عنهم؟

 

< بقي بنو إسرائيل من بعد وفاة موسى و يوشع صلوات الله عليهما قرابة أربعمائة سنة لا يقيمون شيئاً من أمر الحكم والسيادة، إنما همهم إقامة الدين والدعوة إليه،«والكوهن» بينهم بمثابة الخليفة لموسى صلوات الله عليه،يشرف على أضاحيهم وقرابينهم ويقيم لهم الصلاة، ويشترطون فيه أن يكون من ذرية هارون أخا موسى عليهما السلام لأن موسى لم يعقب؛ ثم اختاروا من بينهم سبعين شيخاً يدبروا أمورهم ومعاشهم.

 

 ولم يبق من سبط النبوة أحد - وهو سبط «لاوي» - من يقيم فيهم أمر الله أو يدبر أمرهم، إلا امرأة من بني إسرائيل حبلى حبسوها فكانت تدعو الله رجاء أن تلد لهم غلاما ؛ فجاءها الولد فسمته «شمويل» - أي سمع الله دعائي-.

 

> وكيف اغتصب جالوت فلسطين؟

 

< كان جالوت الكافر ملك«العمالقة أو العماليق أو القوم الجبارين»، يستوطن هو وقومه ساحل البحر بين مصر وفلسطين،وقد تسلطوا على بني إسرائيل فأذاقوهم البلاء والعذاب الشديد،أخذوا أرضهم وأذلوا رجالهم وسبوا نسائهم وسلبوا توراتهم وفرضواعليهم الجزية، وانتهى بينهم كل سبط للنبوة، ومضى عليهم أربعمائة سنة وهم على هذا الحال حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فطلبوا على لسان نبي لهم قيل أنه «شمويل أو صمويل»،أن يبعث الله لهم ملكا يقاتلون معه. وهذا من سنة الله في خلقه عندما تستضعف الأمم فإنها تلجأ إلى المناداة و إلى الوحدة والترابط وتذعن لطاعة السرب أو لأوامر الرئيس.

 

الصحوة الإيمانية

 

> متى وقعت هذه القصة؟

 

< وقعت أحداث هذه القصة بعد دخول بني الإسرائيل الأرض المقدسة في فترة من فترات حياتهم، بعد أن انحرفوا عن منهج الله سلط الله عليهم من يضطهدهم ويهزمهم بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، وقد سلب الله منهم التابوت الذي فيه سكينة من الله وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون وأوقعه بيد الجبارين الكفرة.

 

> ومن الذي ينادى بالاصلاح والترابط؟

 

< هم صفوة المجتمع الذين يحملون هَمَّ أمتهم،هم الطائفة المنصورة، هم من يحملون هم الدين.إنها الصحوة الايمانية الجديدة بين بني اسرائيل، والعودة إلى الدين بعد السآمة من الغواية.وقد اجتمعـوا على همِّ أمتهم فوصفهم الله بالملأ وهم الجماعة وبالجماعة والنظام ومن رحم المعاناة يولد النصر، وحينها اصطفى الله لهم الملك طالوت وهو من نسل بنيامين بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام، وليس من سبط الملك الذي هو في يهوذا ولا من بني لاوي سبط النبوة، وقد خصّه الله تعالى بزيادة «بسطة في العلم والجسم»، وبسببه انتقل التابوت مرة أخرى إلى بني إسرائيل.

 

> هل ارتضوا به ملكا عليهم؟

 

< لا، لقد اعترضوا على تمليك طالوت عليهم بحجة انه ليس من السبط الذي منه الملك ولا من اهل الاموال، وذلك ليثيروا الفتنة بين المؤمنين رغم أنه اختيار الله لهم وقد زاده الله بسطة في العلم والجسم ومعه آية وعلامة على تمليك الله له وهي ان التابوت الذي سلبه الجبارون سيرجع الى بني اسرائيل من خلاله تحمله الملائكة وتضعه بين أيديهم.

 

313 مؤمنا غلبوا العماليق

 

> من عادتهم الاعتراض رغم انهم من طلبوا ملكا يقودهم للقتال في سبيل الله.. فهل من اعتراضات أخرى؟

 

< خرج الملك طالوت بالجنود من بيت المقدس وهم يؤمئذٍ ثمانون ألفاً لم يتخلّف عنه إلا معذور لمواجهة الكافرين جالوت وقومه.وبعد أن انفصل عن مستقرهم ودارمقامهم، وملذاتهم ؛ من نساء وطعام وشراب، وراحة بال منشؤها الأمن والأمان، وأصبح الأمر جدا لا هزل فيه، وساحة لا مكان فيها للكلام والأقوال والتنظير أو التعليل،، وكانت جموع جيش الإيمان يتقدمها الكهنة، ونبي وملك، والعدو بعيد،وأثناء المسير الشاق تساقط منهم من تساقط لكن الملك أكمل مسيره دون أن يلتفت للوراء حتى وصل بهم الى نهر اعترضه هو وجنوده وهو نهر الاردن وقيل أن الله تعالى أجرى هذا النهر الذي لم يكن موجودا من قبل لتجربة بني اسرائيل وابتلائهم على عدم الشراب منه كما أمرهم الملك طالوت. انها حاجة القائد ليميز الطيب من الخبيث والجيد من الرديء من جنده واختبار مستوى الصبر عندهم وحقيقة ولائهم. ولكن لم يتجاوز من جند طالوت النهر سوى 313 مؤمنا.

 

ولما تقابل الفريقان انتصر طالوت وجنوده وقتل داود جالوت بحجر في مقلاعه أصاب بين عيني جالوت فصرخ ثم صرع.وكان داود أحد حنود طالوت من الفئة المؤمنة التي تجاوزت كل مراحل الاختبار فاستحق شرف قتل جالوت واستحق بعدها شرف النبوة والتي جاءت في القرآن بلفظة “ الحكمة”.

 

مشروع طالوت التربوي

 

> إذن نجح داود في الاختبارات؟

 

< إن داود عليه السلام قبل ان يبعث نبيا هو ثمرة مشروع طالوت التربوي.ولما مات الملك طالوت مالت قلوب بني إسرائيل الى داود عليه السلام فاجتمعوا عليه، فكانت منحة الملك من الله. وهو أول من استحق الملك والنبوة فيمن قبله لأن النبوة كانت في بني اسرائيل في سبط والملك في سبط آخر. وخصه الله بعلم ومهارات لم يخص بها غيره من نبي او بشر فعلمه منطق الطير وصنعة اللبوس وكلام الدواب.

 

> ذكرت أن عدد المؤمنين كانوا 313 فكيف هزموا جيش الجبارين ؟

 

< سنن الله الكونية والشرعية في جهاد طالوت لا تشترط الكثرة لغلبة أهل الكفر مادامت الفئة بأمر الله عاملة وعلى سنة نبيه سائرة ويقينها وبرها لا حدود له وأعدت كل ماعندها من عدة. واغلب غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم كان فيها جيش الايمان أقل عددا من جيش الكفر والطغيان.

 

مبررات الجبناء

 

> ما رأيك فيمن يقول إننا لا نستطيع محاربة اليهود وأعوانهم لأنهم أكبر وأكثر منا عدة وعتادا ؟

 

< ان الذين يثبطوننا بدعوى أن عدد وعدة يهود وأعوانهم هي أكثر وأكبر إنما يزرعون فينا اليأس وهذه مبررات الجبناء الذين انقطع حبلهم مع الله على الدوام، فالمشكلة ليست عددهم ولا عتادهم لكن المشكلة في إيماننا ومدى علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى.

 

 

للاطلاع على المقابلة من المصدر:

 

http://www.alamalyawm.com/ArticleDetail.aspx?artid=189560

 

 

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0