2/24/2008


رؤية شرعية حول الحصار الظالم على إخواننا في غزة.


رؤية شرعية حول الحصار الظالم على إخواننا في غزة

 

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

 

الحمد لله القائل في محكم التنزيـل: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) "الأنفال/72" والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعــد:

قال الحق سبحانه وتعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) "التوبة/71".

يمثل حصار غزة المفروض اليوم على الفلسطينيين جريمة بكل المقاييس، ويُصنف الضعف المصاحب لهذا الحصار، والصمت المؤلم على المستوى الإقليمي والدولي على أنه كارثة فوق الكارثة .. فالجرح النازف، والضعف السياسي، والافتراق الداخلي كل ذلك مدعاة للحسرة والألم.

والمشاهد الناطقة داخل القطاع تصوّر المشهد بصورته المؤلمة، فمجموعة النساء الثكالى والرجال الحيارى، والشيوخ والأطفال، والمرضى والمعوزين .. ظلام دامس، وشح في المواد الغذائية، ونقص بل انعدام للدواء، جُثث تسقط وتتهاوى، وربما عزّ الكفن، واكتظت المقابر، وهل بعد استصراخ أهل غزة الناس لإنقاذهم ولو بتكفين موتاهم .. أو بحفر القبور لشهدائهم؟ هل بعد ذلك مشهد أكثر نزفاً للقلب، وسحاً للعين على ما وصلنا إليه؟!.

وحينما تستصرخ أمهاتنا وأخواتنا الفلسطينيات هناك بقولهن: لا بأس أن تشاهدوا جنائزنا .. لكن استروا عوراتنا .. واخلفونا في أهلينا بخير .. فتلك التي تعقد الألسنة وتتفطر لها الأكباد؟! وحين تُبلل دموع الشيوخ الثرى في فلسطين وهم يستصرخون إخوانهم في مد يد العون لهم ويتحسرون على مستقبل أبنائهم وبناتهم .. فتلك كارثة ربما لم يشهد التاريخ لها مثيلاً؟ إنه قطار الموت يسير في قافلة تحمل إخواننا الفلسطينيين نعلم محطتها الأولى، ولا ندري أين يتوقف هذا القطار ومتى يتوقف؟! إنه الحصار الجائر، حتى أصبحت غزة منطقة الكوارث من الدرجة الأولى.

ونقول لأهلنا في غزة:

أبشروا وأملوا وارجوا كل خير، فيكفيكم شرفاً وعزة أن أسوتكم في مثل هذا الحصار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حين حوصروا في شعب أبي طالب، وكذلك حينما حاصرتهم الأحزاب ومن قبلهم أصحاب الأخدود، قال تعالى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) "البروج/8"، ثم كانت عقب كل تلك الحصارات بشريات الفرج والتمكين، فأبشروا بنصر الله طالما صبرتم كما صبروا واحتسبتم كما احتسبوا، وتوكلتم كما توكلوا، ونقول لهم: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) "الأعراف/128".

فأهم ما نحتاج إليه نحن جميعاً في هذا العصر -الذي كثرت فيه المصائب وتعددت أوجهها- الصبر، لأنه دأب الأنبياء والمتقين، وحلية أولياء الله المخلصين، فالصبر ليس حالة جبن أو يأس أو ذل، بل الصبر حبس النفس عن الوقوع في سخط الله تعالى وتحمل الأمور بحزم وتدبر, والصابرون يوفون أجورهم بغير حساب، قال تعالى عن أهل الجنة: (سلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ) "الرعد/24"، فهو المحك الرئيس، لصدق العبد، واحتسابه مصيبته عند الله.

ولنبشر جميعاً بنصر الله تعالى إذا حققنا العبودية لله سبحانه، وحينها يصبح الحجر والشجر جنداً من جنود الله تعالى في صف المؤمنين، ويكون التمكين للمسلمين في الأرض، قال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي أرتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) "النور/55"

ونوصي أنفسنا وإخواننا على أرض فلسطين بما وَصَّى به الله عباده المؤمنين في خاتمة سورة آل عمران حيث قال: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).

والشعب الفلسطيني مطالب بتوحيد صفوفه والتمسك بثوابته الشرعية والدفاع عنها، ونبذ الخلاف والوقوف صفّاً واحداً في مواجهَة الاحتلال والثبات على نهجِ الوَحدة القائم على الشريعة الإسلامية؛ الوحدة التي لا يذّل فيها مظلوم، ولا يشقى معها مَحروم، ولا يعبَث في أرضِها باغ، ولا يتلاعب بحقوقِها ظالم.

 

واجبنا نحو إخواننا في فلسطين:

إن وقوف أمتنا الإسلامية والعربية مع قضية فلسطين وشعبها مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى... فالحصار اشتد والاعتداءات في ازدياد والآلام تتفاقم والمعانة ليس لها حدود ...

فالدعاء ... الدعاء، فإنه سلاح المخبتين، وتضرع المتقين... فاجتهدوا فيه خصوصاً في أوقات الإجابة، في الصلوات والأسحار، فإن سهام الليل لا تخطئ، وبين الأذان والإقامة وفي السجدات، وعند القنوت، وفي كل وقت، عسى الله أن يستجيب لدعوة صالحة منا فيفرج بها عن أمتنا.

علينا أن نكسر الحصار المفروض للتجويع والإذلال بكل السبل، وليتبرع كل منا للشعب المسلم المحاصر، ولنسهم جميعاً في إيصال المال للأيتام والأرامل والأسر المتعففة والمرضى والطلبة الذين انقطعت بهم السبل وانقطعوا عن جامعاتهم ومعاهدهم...

ولابد من وقفة مع المصارف العربية التي تمنع تحويل الأموال للشعب الفلسطيني ومؤسساته الخيرية، والتي تسهم في حصار الشعب الفلسطيني بخضوعها للضغوط واستجابتها للأوامر الخارجية حتى لا تتهم بمساندة الإرهاب!!! أليس لنا الحق بوصفنا أمة إسلامية وشعوباً تتابع المعاناة -على الهواء مباشرة- في محاولة فك ذلك الطوق المصرفي الجائر ووضع تلك المصارف في القائمة السوداء، ولنحاسبها حول انهزامها في أول مواجهة؟!!

ولتتحمل الجمعيات والهيئات الإسلامية والعالمية مسئوليتها كاملة، وتؤسس اتحادات عالمية ضاغطة وفاعلة تتحرك في كل صعيد ووفق استراتيجيات بعيدة المدى لكسر الحصار، ولتتخذ من السبل القانونية والضغط المؤسساتي والإعلامي والسياسي وسائل في سبيل تحقيق ذلك.

والمطلوب من إعلامينا ومؤرخينا أن يؤرخوا ويوثقوا لمرحلة الحصار بكل تفاصيلها وأبعادها ومواقف الآخرين منها. وعليهم أن يقوموا بواجبهم تجاه إخوانهم - بما أوتوا من جهاد الكلمة والقلم - في كل وسيلة إعلامية بين أيديهم حتى يعلم العالم أن المسلمين في توادهم وتراحمهم وتماسكهم وتناصرهم كمثل الجسد الواحد.

ومطلوب منا كذلك أن نعي حجم المؤامرات التي تدور على فلسطين وشعبها، وأن نعرف ما وراء تلك الأحداث، وكيف سخر اليهود الإعلام الغربي وغيره لتبرير الحصار وسياسة القتل البطيء للمسلمين في الأرض المباركة فلسطين.

وألا تغفل أعيننا عما يحدث في القدس وبيت المقدس من تهويد وانتهاكات بحق مقدساتنا، فضلاً عن الاعتداءات المتكررة والمتواصلة على المسجد الأقصى، وكيف يتم نزع الصبغة الإسلامية عن معالمها شبراً ... شبراً، وإضفاء الصبغة اليهودية عليها، وكيف يجري ذلك على قدم وساق من قبل اليهود لتحقيق مآربهم جيلاً بعد جيل.

ومطلوب منا أيضاً أن نعي أسباب النصر على أعدائنا، وألا نضخم قوتهم ونردد مقولاتهم بأن جيشهم لا يقهر، فقد تجلى حالهم وحقيقتهم فهم أجبن خلق الله تعالى، وأكثرهم رعباً وخوفاً في المواجهة والحرب الحقيقية!!

مطلوب منا أن نتوحد حول قراراتنا العربية والإسلامية التي تحق الحق وترد الباطل –وما ذلك ببعيد- كما توحد الغرب الأوروبي والأمريكي حول رؤاه ومواقفه وقراراته بكل ما يتعلق بفلسطين وشعبها، عندما أوقفوا المساعدات عن الحكومة الفلسطينية المنتخبة والشعب الفلسطيني بأكمله، وموقفهم من الاعتداءات الصهيونية الظالمة. أليس في استطاعتنا ونحن نملك الكثير أن نقابل تلك القرارات، بمواقف وقرارات مماثلة حتى لا نترك إخواننا في فلسطين يواجهون الحصار والموت البطيء وحدهم؟!!

ونقول لحكام المسلمين ... اتقوا الله فيما في أيديكم من أمانات، واتقوا الله في أرواح المسلمين التي تُزهق كل ساعة جوعاً ومرضاً وحبساً وفقراً وضعفاً.

اتقوا الله واصنعوا شيئاً فبأيديكم إمكانات لو اجتمعتم وأحسنتم استغلالها لأثَّرتم في العالم، وليست الاتفاقيات مع اليهود هي الوحيدة التي لا يجوز الخروج عليها، أليست هناك اتفاقيات وإعلانات حقوق الإنسان وحقوق المدنيين حال الحرب وغيرها؟ وأين التزام اليهود بها؟! ثم أليس فوق هذه الاتفاقيات المواثيق الإلهية التي تحرم الإعانة على قتل مسلم أو ظلمه وانتهاك حرمته قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) "المائدة/ 2".

مطلوب منا ألا نبرر لليهود ممارساتهم بالذرائع التي أرادوا أن يقنعوا العالم بها لإكمال جرائمهم بضرب البنية التحتية والمؤسسات، وكل مظاهر الحياة على أراضي الضفة والقطاع.

ونقول لليهود ومن والاهم ونصرهم وأمدَّهم بما يقتلون به المسلمين، ويحصرونهم ويظلمونهم: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) "الشعراء/ 227". فستعلمون قريباً عاقبة بغيكم وظلمكم، فلن تزيد شدة الحصار المسلمين في كل مكان -وليس في غزة فقط- إلا بغضاً لكم وكرهاً وعداوة، ولن تغير من تمسكنا بديننا وثوابتنا. ولن تزيدكم نظرتكم المستعلية لأنفسكم إلا ذلاً وصغاراً، فأسوتكم فيها فرعون وملؤه، وعاقبتكم عاقبته، ومصيركم مصير كل متكبر.

ومطلوب من الشعوب الإسلامية في العالم أن تقدم المزيد من الدعم والمآزرة لإخوانهم، وليحذر المسلمون جميعاً في العالم من أن يكونوا سبباً في التخذيل أو التواني أو النكوص عن دعم فلسطين والمصلحين فيها فنصرة الشعب الفلسطيني إنما هي نصرة لأرض المسلمين ...

ومطلوب من علماء المسلمين ودعاتهم أن ينصحوا لأمتهم ... أئمتِهم وعامتِهم، ويقولوا الحق ويبيّنوه في كل مكان ومجال، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويبينوا للأمة وليها من عدوها، وما معنى موالاة هذا العدو وصورها، ويحيوا قضايا الأمة وقضايا الإيمان والإسلام والإحسان في القلوب والعقول. ولا يكتموا شيئاً من الدين، ويحذروا من الركون إلى الذين ظلموا قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) "هود/ 113".

 

ونوجه في الختام نداءنا للعالم أجمع: الراحمون يرحمهم الله ... ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

نداء ... لعلماء الأمة، لتقولوا كلمتكم نصرة لفلسطين فإن الأمة تسير خلفكم وتستنير بآرائكم.

نداء ... للجامعة العربية لكسر الحصار عن غزة.

نداء ... للبنوك العربية لترفع القيود عن تحويل الأموال إلى غزة.

نداء ... للدول العربية لفتح الحدود وكسر الحصار فعلاً وقولاً.

نداء ... لكل مسلم حتى لا يبخل بالدعاء والعطاء، فهما السبيل الذي بين يديك لتدلل على إيمانك ونصرتك.

نداء ... لكل أجهزة الإعلام العربية والإسلامية لتقوم بواجبها وتؤدي أمانة كلمتها وصدق رسالتها.

نداء ... للجميع أن نجعل فلسطين والقدس والمسجد الأقصى حديثنا وديدننا في كل منتدى وملتقى وحوار.

 

والحمد لله رب العالمين.

 

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0