2/21/2008


المرابطة والمنبر الجديد.


المرابطة والمنبر الجديد

14/1/1428هـ - المسجد الأقصى

عكرمة بن سعيد صبري

 

ملخص الخطبة

1- وعيد اغتصاب الأرض. 2- أهمية الأراضي وحرمتها. 3- الحث على المرابطة في بيت المقدس. 4- المنبر الجديد. 5- دعوة للوحدة ووقف النزاع والاقتتال بين الإخوة. 6- الحفريات حول المسجد الأقصى.

الخطبة الأولى

أيها المسلمون، روى الصحابي الجليل سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: ((من اقتطع شبراً من الأرض ظلمًا طوّق الله يوم القيامة إياه من سبع أرضين)).

أيها المسلمون، إنّ راوي هذا الحديث الشريف هو الصحابي الجليل سعيد بن زيد رضي الله عنه، وهو من المبشرين في الجنة، ودعوته مجابة، وتتعلق بهذا الحديث الشريف رواية مفادها أن امرأة تُدعى أروى بنت أوس قد ادَّعت زورًا وبهتانا بأنّ سعيد بن زيد قد أخذ شيئا من أرضها، واشتكت إلى الخليفة مروان بن الحكم الأموي، فاستهجن سعيد هذا الادعاء الباطل وقال لمروان بن الحكم: هل آخذ شيئا من أرضها بعد الذي سمعته من رسول الله ؟! فقال له الخليفة مروان بن الحكم: ماذا سمعت من رسول الله ؟ فذكر سعيد بن زيد هذا الحديث النبوي الشريف، فقال له الخليفة مروان بن الحكم: لا أسألك بيِّنة بعد هذا، وحكَم ببراءته، فقال سعيد: اللّهمّ إن كانت أروى كاذبةً فأعم بصرها واقتلها في أرضها. فقال عروة بن الزبير رضي الله عنهما: فما ماتت أروى حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. فالله عز وجل علام الغيوب قد استجاب دعوة سعيد ضدّ هذه المرأة؛ لأنها كذبت عليه وادعت ادعاء باطلا لا أصل له من الصحة.

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إن هذا الحديث النبوي الشريف يبيّن أهمية الأراضي في الإسلام، وأن الاعتداء على الأرض إثم كبير؛ حيث يطوَّق المعتدي يوم القيامة سبع طبقات من الأرضين، كما يؤخذ من هذا الحديث الشريف بأن صاحب الأرض يملك باطنها وجوفها كما يملك ظاهرها وهواءها وسماءها.

وإن الله عز وجل قد عدَّ الخروج من الديار مقترنا بقتل النفس، فيقول في كتابه العزيز: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: 66]، فكيف ـ يا مسلمون ـ إذا كانت الأرض موقوفة ويعتدي عليها؟! فالإثم أشد وأشد على كلّ من يعتدي على الأراضي الوقفية، وكيف ـ يا مسلمون ـ إذا كان المسجد الأقصى المبارك هو المستهدف بالعدوان وتجري الحفريات أسفله وحوله وفي محيطه؟! فالعدوان مرفوض والإثم مضاعف ومضاعف، وكيف ـ يا مسلمون ـ فيمن يفرّط بشرِ أرض من فلسطين المباركة المقدسة الوقفية؟!

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إنّ رسولنا الأكرم محمّدا قد أمرنا بالمرابطة والمحافظة على بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وحثنا على البقاء والسكن فيها، فقد روت الصحابية الجليلة ميمونة بنت سعد رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس، فقال: ((ائتوه فصلّوا فيه، فإن لم تأتوا وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله))، وفي حديث شريف آخر: ((أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره))، قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمّل إليه؟ قال: ((فتهدي له زيتا يسرج فيه، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه))، وروى الصحابي الجليل ذو الأصابع قال: قلت: يا رسول الله، إن ابتلينا بعدك بالبقاء أين تأمرنا؟ قال: ((عليك ببيت المقدس، فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون)). فالواجب هو المرابطة في هذه الديار المباركة المقدسة.

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، لا تهجروا بلادكم المباركة الطيبة المقدسة رغم المعاناة وشظف العيش، فعليكم المرابطة فيها، فهي مرتبطة بجزء من عقيدة المسلمين، كل المسلمين، وإن ترابها مبلول ومضمّخ بدماء الصحابة الكرام والمجاهدين الأبرار. كما أن عودة المهاجرين إلى أوطانهم هي حقّ مشروع وواجب ديني بحقّ الآباء والأبناء والأحفاد، ولا مجال للتنازل عن هذا الحق، وقد سبق أن أصدرنا فتوى شرعية قبل سبع سنوات أكدنا فيها على أن حق العودة لا يسقط مع مرور الزمان، وأنه يحرم شرعا أخذ التعويض عن الأرض؛ لأن التعويض بمثابة البيع لها، وكما هو معلوم بأن بيع الأرض حرام تحريما قطعيا. ويجوز أخذ التعويض عن المعاناة والأضرار التي لحقت بالمهاجرين وبأبنائهم وأحفادهم مع حفظ حقّهم بالعودة.

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، لقد شاءت إرادة الله العليّ القدير أن أكون أول من يقف على المنبر الجديد للمسجد الأقصى المبارك، هذا المنبر الذي يذكّرنا بمنبر صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه الذي جهزه نور الدين زنكي في حلب ثم أمر صلاح الدين بنقله إلى الأقصى بعد تحرير بيت المقدس من الاحتلال الصليبي عام 583هـ/ 1187م، والذي أحرقته يد المكر والحقد والعدوان عام 1389هـ/ 1969م. ونسأل الله عز وجل أن يكون قدوم المنبر الجديد مقدّمة للنصر الموعود، وأن تتحرر مدينة القدس وسائر الديار الفلسطينية من الاحتلال الإسرائيلي على أيدي المسلمين الصامدين،كما نطلب من الله تبارك وتعالى أن نلقِي من علياء هذا المنبر خطبة النصر والعزة حين التحرير.

فنحن أهل الرباط نتطلع إلى ذاك اليوم الموعود، وما ذلك على الله بعزيز، وبهذه المناسبة نشكر إخوتنا في الأردن الشقيق الذين قاموا بتمويل وتصنيع وإعداد وتركيب المنبر، وأن يكون ذلك في ميزان حسناتهم يوم القيامة، ونشكر كلّ من يقدم أي دعم للأقصى بخاصة وللقدس بعامة، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.

وجاء في حديث نبوي شريف خاطب الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل رضي الله عنه قائلا: ((يا معاذ، إن الله سيفتح عليكم الشام بعدي من العريش إلى الفرات، رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة)).

 

الخطبة الثانية

أيها المسلمون، أيها المرابطون في أرض الإسراء والمعراج، أتناول في هذه الخطبة أمرين اثنين، هما:

الأمر الأول: الاتفاق على التهدئة بين الأطراف المتنازعة في الشارع الفلسطيني وعدم اللجوء إلى السلاح، فقد أصدرت الهيئة الإسلامية العليا وغيرها من الأحزاب والمؤسَّسات بيانات تطالب بوقف الاقتتال الذي تجدّد مع أمس الخميس والالتزام بالاتفاق على التهدئة ومحاسبة كل من لم يلتزم بالاتفاق، فإنه لمن المرجّح أن يكون طرف ثالث يصطاد بالماء العكر، ومن مصلحته إثارة الفتنة، والمتمثل بالعملاء والطابور الخامس، فلا بدّ من ضبط الأمور ووضع حد للفَلَتان الأمني؛ لتنكشف العناصر التي تلعب بالخفاء.

هذا، وقد كنا ولا زلنا ندعو للوحدة، وأصدرنا عدة فتاوى وأحكام شرعية بتحريم الاقتتال وتحريم الأخذ بالثأر، وعلى جميع المواطنين أن يقفوا في خندق واحد لمواجهة الاحتلال حتى ينتهي، فكلنا نقع تحت وطأته.

أيها المسلمون، يا أحفاد عمر وخالد وأبي عبيدة وصلاح الدين، الأمر الثاني: باب المغاربة وحفر الأنفاق وبناء الكنيس، لقد تزامنت هذه الأمور في وقت واحد، فإن بلدية القدس الإسرائيلية عازمة على تنفيذ المخطط المتعلق بباب المغاربة، هذا المخطّط الذي تمّ إعداده منذ سنتين، ويبحثون عن الوقت المناسب للتنفيذ، وتشير الدلائل بأن البدء بالتنفيذ سيكون بعد غد الأحد، حيث تُزال التّلّة الترابية وتتوسّع ساحة البراق، ويركّب جسر معلق بديلا عن الممرّ القديم المقام على التلة الترابية، وهذا المخطط هو اعتداء على الوقف الإسلامي واعتداء على المسجد الأقصى المبارك، كما هو اعتداء على تراث وحضارة وآثار مدينة القدس.

هذا، وإن المصلين المسلمين مدعوّون للتواجد في باحات المسجد الأقصى بعد غد الأحد للوقوف بوجه الاعتداءات والتجاوزات الإسرائيلية.

أيها المسلمون، أما موضوع الكنيس المنويّ إقامته في البلدة القديمة ملاصقا لحمام العين الذي هو وقف ذري، وإن المنقطة بشكل عام مرتبطة بالأوقاف الإسلامية، وإن هذا الكنيس لا يبعد عن السور الغربي للمسجد الأقصى سوى ثلاثين مترا هوائيّا. وهذا، وإن عددا من المحامين سيقومون بإيقاف العمل بهذا الكنيس من خلال المحاكم وبالطرق القانونية.

وأما الأنفاق الجديدة فهي تمتد من عين سلوان باتجاه المسجد الأقصى المبارك على عمق يزيد عن عشرة أمتار أسفل الأقصى من الجهة الجنوبية، وهناك أنفاق أخرى أسفل الأقصى من الجهة الغربية، والعمل بالأنفاق ما يزال مستمراً. وعليه، فإننا نحمّل السلطات الإسرائيليّة مسؤولية الاعتداءات المتكرِّرة على الأقصى ومرافِقِه وتوابعه ومحيطه، مع التأكيد على أن المصلين المرابطين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس سيحمون الأقصى ويدافعون عنه ضمن إمكانياتهم وقدراتهم، وإنهم يضحون من أجله، كيف لا فالأقصى هو الأقصى الذي جثت أمام عظمته الأجيال وحنّت لهيبته مواكب الرجال؟! وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: 21].

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0