2/9/2008


إلى ( حماس ) : تعالوا إلى كلمة سواء


إلى ( حماس ) : تعالوا إلى كلمة سواء ..

 

الشيخ عبدالعزيز الطريفي

 

الحمد لله كما ينبغي أن يكون الحمد من الكمال، وأشكره كما ينبغي أن يكون الشكر من الجلال والجمال وبعد:

لم تواجه الأمة الإسلامية – فيما أظن - منذ عصر الخلفاء الراشدين وإلى يومنا هذا خطراً أشد ولا أنكى مما تواجهه اليوم، فلم يُستهدف الإسلام كما استهدف اليوم، فالحرب الصليبية اليهودية التي نشهدها اليوم وتقودها أمريكا في هذا العصر - بأقنعتها المتنوعة - ليست حرباً عسكرية ولا اقتصادية فحسب، بل هي حرب عقدية، وفكرية، وحضارية، وأخلاقية، ويخطئ ويغلط من يظن أن الهدف منها هو القضاء على الإرهاب.


قال الله تعالى: ((وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)) (البقرة : 120) هذه حقيقة يجب أن لا تغيب عنا بحال .


ثم إن التمكين في الأرض من المنن والمنح العظيمة، التي يجب على المُمكّن أن يرعاها، حق الرعاية، فلا يكون ذلك في حقه استدراجاً يهوي به في مهاوي الهلكات. قال تعالى: ((الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)) (الحج : 41). وفاء بالواجب لذلك التمكين.


والتمكين من أعلى الدرجات في الأرض لأنه لا يتحقق للمؤمن إلا بعد محنة.


وقد سأل عبد القاهر بن عبد العزيز الشافعي: أيما أفضل الصبر أو المحنة أو التمكين ؟، فقال الشافعي رحمه الله : التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر وإذا صبر مكن؛ ألا ترى أن الله عز وجل امتحن إبراهيم عليه السلام ثم مكنه، وامتحن موسى عليه السلام ثم مكنه، وامتحن أيوب عليه السلام ثم مكنه، وامتحن سليمان عليه السلام ثم مكنه وآتاه ملكاً، والتمكين أفضل الدرجات، قال الله عز وجل "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض" وأيوب عليه السلام بعد المحنة العظيمة مكن، قال الله تعالى: "وآتيناه أهله ومثلهم معهم - الآية" . وشرط التمكين الحق هو ما تقدم في الآية السابقة.

 وعلى العقلاء من أمتنا أن لا يغتروا بالشعارات البراقة والألوية البيضاء، دون البحث عن حقيقة العمل تحت ذلك الشعار وتلك الراية، فكم خُدعت أمتنا وشعوبنا بتلك الشعارات التي تناقض الحق قولاً وفعلاً .


لقد جثت الأمة على الركب من الهُزال والهوان والضعف، وتكففت موائد اللئام، والخديعة الكبرى والتدليس العظيم هو أن يُدّعى الحق في الظاهر، وفي الباطن الزيف، وهذا هو النفاق، والحمل على ذلك هو استغلال عواطف الأمة المسلمة، التي ربما يجهل كثير من أبنائها حقيقة الأصول والفروع في الإسلام.


يجب على الأمة أن تتفحص نفسها وتطابق عملها وقولها مع حكم الله وحكم نبيه صلى الله عليه وسلم، ولتعلم أن الله يبتلي الأمة بالسراء والضراء ليميز الخبيث من الطيب، وأن التمكين في الأرض ليس من مصادفات الدهر، وموافقات الكون، والحنكة والقدرة والقوّة كما يقول فرعون في ملكه، بل هو حكمة إلاهية بالغة، وهذا حق مسلم غني عن التوضيح.


إن النزول عند حكم الله وعدله من أعظم الواجبات، وأجل المتحتمات، والتسليم لحكم الله حال العلم به، أصل من أصول الدين، بل لا يتحقق الإيمان إلا به، قال تعالى: ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)) (النساء : 56).


وقد سر كثير من المسلمين التمكين لـ)حماس(، وتوليها أمر الحكم في فلسطين، وذلك أنها تعلن رفع راية الجهاد، والحمية للإسلام، وقد تابعت مستجدات أحداثها، عل الله أن يرفع بها عن فلسطين نظاماً وشعباً الظلم بنوعيه:

ظلم النفس : وهو التفريط في حدود الله وأحكامه، وتطبيق شرعه.

ظلم الغير : وهو التفريط في إنصاف الناس، والعدل فيما بينهم، وحفظ حقهم العام في المال والأرض.

حتى اطلعت على (بنود برنامج حكومة حماس) والمنشور منها في الصحف يوم الثلاثاء 21/ صفر/ 1427 للهجرة.

وقد قرأتها كاملة فلم أر فيها شيئاً يشير إلى التحاكم لشرع الله، ولو في جانب من جوانب الحياة، بل كلها تدور بين (القانون) (والديمقراطية) وأمثالها.

ولهذا من الواجب على أهل العلم البيان والتوضيح ، وإنزال بنود حكومة حماس على شرع الله، والواجب على قادة (حركة المقاومة الإسلامية حماس) النزول لحكم الله، والتحاكم لشرعه، وسأورد ما ناقضت فيه الحركة حكم الله أصولاً وفروعاً :

 أولاً : جاء في (بنود برنامج حكومة حماس) في مواضع عديدة التركيز على ترسيخ (الديمقراطية) والعمل عليها، ولم أر في البرنامج إشارة للإسلام وتحكيمه، ولا في موضع واحد، ففيها جاء : (تحقيقاً لمبدأ الديمقراطية) و(بناء مؤسساتنا الوطنية المختلفة على أسس .. ديمقراطية) و(حماية الديمقراطية ...).

والديمقراطية هي الأخذ بعمل الأكثرية، من غير نظر لحق ولا باطل، موافقة الكتاب والسنة أو مخالفتهما، وهي بأشكالها (الاتفاقية) أو (التعاقدية) أو (الطائفية) أو (الليبرالية) أو (غير المسيسة) مباينة في أكثرها لحكم الله في التشريع، فلا مقام للحلال والحرام معها، بل المرد رغبة الناس فقط.

وأما ما تركه الله للناس من تنظيم حياة ومعاش، فلا مانع من أخذ رأي الناس فيه، والخضوع لرغباتهم، سواء سمي ديمقراطية أم لم يسم.

وهذه الفكرة (الديمقراطية) نظام قديم عمل بها ودعى إليها الفلاسفة كـ (أرسطو) في أنواع الحكم الثلاثة و (أفلاطون (وغيرهما، وقد تبنتها كثير من السياسات الآن دون تمييز أو نظر، وقد كثرت الدعوة إليها من غير معرفة لأصلها، ومنشأها، وما نشأت إلا بعد ذوبان (الماسونية) و (الاشتراكية) وبعد صد الشعوب عنها، وإن كان قد أقبل عليها بعض المسلمين رغبة في التجديد وتحكيم العقل، والجهل أو التجاهل لحكم الله ووجوب العمل به، وبعد أن رأوا حقيقةً أنها لا تصلح للإصلاح، ولا مسلكاً للنجاح، نزعوها، ونبذوها وعدوها تخلفاً ورجعية، بعد إن كان المنادي بها والعامل بها رموزاً إصلاحية تجديدية، ولما حلت الهزيمة النفسية في الشرق نبذ أكثره قيم شرعه، وأصول دينه، منادياً دون وعي بكل دعوة تُسمع، وهكذا سيأتي كل جيل يلعن من سبقه ويرميه بكل موبقة وتخلف، وهاهي الديمقراطية التي دعا بها الغرب وجدت كذلك من يتبناها ويدعو للتحاكم إليها في كل نزاع!

فمتى تعي الأمة حقاً أن لديها كتاباً منزلاً وشريعة سماوية من خالق الخلق والعالم بشئونهم؟!

فالواجب أن يعلم أن لا يصلح معاش الناس ودينهم إلا حكم الله وشرعه، فالله فرض ذلك ونفى الإيمان عمن تحاكم إلى غيره، فقال تعالى: ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)) (النساء : 56).

وكل من زعم الإيمان بقوله مع مخالفة عمله قوله، في الحكم بغير حكم الله، فقد كذب في دعواه قال تعالى : ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً)) (النساء: 61,60).

  والحكم والتحاكم من العبادات التي لا يجوز صرفها إلا لله، وقد سماها الله عبادة قال تعالى : ((إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ)) (يوسف : 40(.


ومن تحاكم لغير الله فقد جعل شيئاً من حقوق الله في العبودية لغيره، كما فعل أهل الكتاب، قال تعالى : (( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) (التوبة : 31).

أخرج أحمد والترمذي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية:((اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ )) قال: فقلت إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم.

التحاكم عبادة كالركوع والسجود، فهؤلاء لم يركعوا ويسجدوا لهم وإنما أطاعوهم في تغيير أحكام الله، بتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال، فذلك من عبادتهم؛ وهو من الشرك الأكبر، لقوله تعالى‏:‏ ‏((أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ‏)) (الشورى: 21). قال الله‏:‏ ‏(( ‏وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) (التوبة : 31).

قال حذيفة رضي الله عنه: إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم لكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً استحلّوه و إذا حرّموا عليهم شيئاً أحله الله لهم حرّموه فتلك كانت ربوبيتهم.

وقال أبو العالية: ( قالوا ما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا وما نهوا عنه فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم).

 

وعلى القواعد الديمقراطية إن رغب شعب ينتمي للإسلام تحريم الحلال أو العكس، فهل ستعمل به حماس ؟! إن كان من برنامجها العمل بهذا فهو الحكم الطاغوتي والضلال المبين، وإن لم تعمل به، فقد خرمت تلك الدعوى التي تزعم تطبيقها.


ثانياً : دعت إلى التحاكم إلى ما يسمى بـ(القانون) فقالت في برنامجها: (تعزيز سيادة القانون)، فأي قانون يكون له السيادة، فلم أر في بنود البرنامج الـ (39) بنداً ذكر لفظ الجلالة (الله) فأي حكم وقانون تريده "حماس" ؟!

ولم أر في بنود حكمها ما يشير إلى أن الحكم يخضع لحكم الله بوجه من الوجوه، بل لم أر لكلمة (الإسلام) موضعاً في بنود حكمها، سوى عندما ذكر (الوقف) ربما لتعلقه بالمال والمصلحة الدنيوية الظاهرة<SPAN lang=AR-SA dir=ltr style="COLOR: black; FONT-FAMILY: Arial; mso-bidi-font-family:


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0