3/31/2011


الدماء والمشرق الإسلامي


 

 

الدماء والمشرق الإسلامي

 

 

عيسى القدومي

 

 

 

من الاستفسارات والمعضلات التي كانت تدور في ذهني لسنوات عديدة ولم أجد لها جواباً مقنعاً، التساؤل لماذا يدفع وبشدة لأن تكون الحال والدماء في عالمنا الإسلامي وفي الخصوص المشرق العربي بهذا الهدر؟! ولماذا الدماء التي تسفك وكأنها دماء لا بد أن تسفك ؟! بل ولماذا تزداد سعادة فئة ليست بالقليلة وذات قوى وقرار ممن يؤمنون بعقيدة لا تتحقق نبوءاتها إلا إذا اشتعلت منطقتنا حروباً ودماراً وقتلاً وهرجاً ؟!

وظلت هذه التساؤلات تلاحقني إلى أن ابتعت كتاباً بعنوان " يد الله " للكاتبة الأميركية البارزة "غريس هالسل"، والتي عملت كمحررة لخطابات الرئيس الأمريكي الأسبق "ليندون جونسون"، وكصحفية ومؤلفة لعدد من الكتب المميزة، وكان أبرزها كتاب "النبوءة والسياسة" الذي صدر في الولايات المتحدة في نهاية الثمانينات، وأثار ردود فعل واسعة، ويعد من أبرز الكتب التي فتحت ملف "المسيحية الصهيونية" من داخلها، حيث كانت الكاتبة أحد أتباعها ودفعت مقابل ذلك ثمناً باهظاً فيما بعد، حيث اختفى الكتاب بعد صدوره ، وكانت نسخهُ تسحب من السوق أولاً بأول، وتعرضت الكاتبة لضغوط صهيونية لازمتها طيلة حياتها.

وأوضحت الكاتبة في أحد فصول كتاب " يد الله" وتحت عنوان حروب الشرق الأوسط أن من معتقدات المسيحية الصهيونية الأساسية إشعال الحروب والتعجيل بها حتى تعجل بعودة المسيح، وهنا كان السؤال: هل المسيحية الصهيونية وراء عملية تأجيج الحروب الموجودة في منطقتنا العربية والإسلامية "الشرق الأوسط" أي المشرق الإسلامي؟!

وهذا التساؤل بالتحديد أجابت عليه "غريس هالسل" في كتابها "النبوءة والسياسية" والذي سبق كتاب "يد الله"  بتفصيل دقيق .. وملخصه أن الولايات المتحدة تتعامل "بسياستين خارجيتين"، الأولى: للعالم والتي تراعي فيها المصالح السياسية. والثانية: المتعلقة بما أسموه "الشرق الأوسط" أي المشرق الإسلامي والتي تتجاوز فيه الولايات المتحدة مصالحها، وتعتبر أن مساعدة الكيان الصهيوني والالتزام بديمومته ليس أمراً سياسياً ولا يقع في إطار حسابات المصالح السياسية أو الاقتصادية، بل هو تنفيذ لإرادة إلهية، ممارسته عبادة!

ولذلك فإن هذا الإيمان يجعل القرار الأميركي مضطراً إلى عدم الوقوف بالضرورة أمام المصالح الأميركية عندما يجد نفسه مدعواً لاتخاذ قرار يتعلق بأمن الكيان الصهيوني أو بمستقبله، أو بالصراع اليهودي القائم مع الدول العربية والإسلامية، والحقيقة أنه –في الغالب-لا توجد للولايات المتحدة أية مشكلة مع العالم العربي لا بمصالحها الأمنية أو الإستراتيجية ولا النفطية أو التجارية والسياسية كذلك.

وتضيف "هالسل": فقادة اليمين المسيحي الجديد أمثال "جيري فولويل" و "هول لندسي" و "بان روبرتسون": يعتقدون إن الكتاب المقدس يتنبأ بالعودة الحتمية الثانية للمسيح بعد مرحلة من الحرب النووية العالمية أو الكوارث الطبيعية والانهيار الاقتصادي والفوضى الاجتماعية.

وخلصت "هالسل" إلى النتيجة التالية: "لا شك في أن معتقد "المسيحية الصهيونية" يقف وراء قرار إضعاف العرب، وضرورة تعزيز الترسانة العسكرية للكيان الصهيوني، وتقسيم المنطقة العربية تقسيمات وأجزاء جديدة، وإشعال الحروب والخراب في عالمنا العربي".

وكتبت "هالسل" في مقدمة كتابها عن نشأتها المسيحية حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من كيانها، وتساءلت: لماذا يصلي البعض - وهم ليسوا بالقليل – من أجل نهاية العالم ؟! وهل يجب أن ندمر العالم تدميراً كاملاً حتى نجد مكاناً في جنة جديدة !! وفي عالم جديد ؟!  وهذا يفسر استمرار سيل سفك الدماء في العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال وغيرها من بلدان المشرق الإسلامي؟!

لأن من عقيدة "المسيحية الصهيونية" والتي قامت في بريطانيا أولاً تم في الولايات المتحدة، بأن الله رتب الأمور بهذا التسلسل:

·        عودة اليهود إلى فلسطين.

·        قيام إسرائيل.

·        هجوم أعداد الله على إسرائيل.

·        وقوع محرقة هرمجيدون النووية.

·        انتشار الخراب والدمار ومقتل الملايين.

·        ظهور المسيح المخلص.

·        مبادرة من بقى من اليهود إلى الإيمان بالمسيح.

·         انتشار السلام في مملكة المسيح مدة ألف عام.

 

وعن مدى "انتشار عقيدة هرمجيدون" سردت "هالسل" أقوال القساوسة والبارزين في وسائل الإعلام الإنجيلية ومعتقداتهم في "حركة هرمجيدون" ... وكيف أنهم كما قال أحدهم: يعيشون في سباق نحو "هرمجيدون" وأن نهاية العالم تقترب أكثر وأكثر !! وأنه لابد من حدوث حروب قبل "هرمجيدون" يُقتل فيها واحداً من كل اثنين، وأن ثلاثة مليارات شخص سوف يقتلون!! هذا ما أعلنه القس "كين بوغ" في كنيسة ماكلين للكتاب المقدس، ويُدَرسه للكثير من القادة وأصحاب القرار !! ونقلت كذلك كلمات المبشر الإعلامي الإنجيلي "فولويل" أن: "هرمجيدون حقيقة وهي حقيقة مرعبة وأن المليارات من البشر سوف يموتون في محرقة هرمجيدون!".

أما نحن المسلمون فنؤمن بمعركة كبرى هائلة تقع في آخر الزمان تسمى "الملحمة" بين المسلمين والصليبيين دون الإشارة إلى اسم "هرمجدون" تحديداً ، وينتهي الأمر بانتصار المسلمين في المعركة.

والخلاصة: "هرمجدون" ضد السنن الكونية والشرعية، و"الملحمة" متوافقة معها ؛ و"هرمجدون" يأس وقنوط ؛ والملحمة بشرى وأمل ؛ و"هرمجدون" تدعو إلى استحضار هزيمتنا كأمر واقع، و"الملحمة " تجعل انتصار المسلمين هو الأمر الواقع.

واجب المسلمين تجاه تلك المعتقدات والسياسات:

 

من أعظم الواجبات على المسلمين جميعاً تربية الأمة كلها, بأفرادها وجماعاتها, ودولها, على صحة المعتقد وسلامة المنهج, والعمل بالشرع الحنيف, بإخلاص لله تعالى، وتربية الأمة, على عقيدة الولاء والبراء؛ فإن هذه العقيدة من أصول الإيمان عند المسلمين. والعمل بشرع الله تعالى, والتحاكم إليه, في السراء والضراء, وفي جميع الأحوال, وبجميع المجالات, السياسية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.

ومن أعظم واجبات المسلمين تجاه أعدائهم التسلح بالعلم الشرعي, وتفقيه الناس بدينهم؛ فإن ذلك من أبلغ الأسلحة في صيانة الأمة وحفظها من مخططات أعدائها، فالعلم الشرعي الصحيح, يجعل الأمة, تعرف كيف تتعامل مع أعدائها, ومن يجاريها, أو يخطط ضدها, وتعرف السبل الكفيلة بإيقاف شرور الأعداء وإبطال تدبيراتهم.

ومن العلم الشرعي, الذي يجب أن يفطن له المسلمون, حكاماً ومحكومين, أشراط الساعة, والأحداث الكبرى, والفتن العظيمة, التي جاء ذكرها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, أعني أحداث آخر الزمان.

فأعدائنا وضعوا خططهم المستقبلية على ضوء عقائدهم، فكان الواجب على المسلمين أن يتعلموا العلم الصحيح الثابت من الوحي, في تلك الأحداث الكبرى, والوقائع العظمى, وبخاصة الحروب والفتن مع اليهود والنصارى والدجال, ويأجوج ومأجوج, وغير ذلك من أشراط الساعة وعلامات قرب وقوعها, مما لا يمكن أن يعرف إلا عن طريق الوحي المعصوم.

 

وختاماً أقول: كم تحتاج الأمة إلى متخصصين لدراسة التيارات العقدية, والتي تعمل ضد المسلمين وبلدانهم, ليتصدوا لتلك العقائد, ويبينوا تناقضها وتعارضها, ومن ثم تهافتها, عبر استعمال كافة الوسائل والتقنيات, وبخاصة الوسائل الإعلامية الحديثة, التي تبث للعالم كله من قنوات فضائية إسلامية أو عامة وشبكة الإنترنت ووسائل التواصل الحديثة المسموعة والمرئية.

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0