3/16/2011


جمهورية اليهود في جنوب شرق روسيا


 

جمهورية اليهود في جنوب شرق روسيا

 

 

عيسى القدومي

 

 

نُشرت أخبار عدة  وتقارير مؤخراً مفادها أن هناك حلاً أكثر عدلاً وواقعية للقضية الفلسطينية، ألا وهو : عودة اليهود إلى وطنهم الأول والمتمثل بجمهورية اليهود والتي تقع في جنوب شرق روسيا في بيروبيدجان. وظننت حينها أن المسألة ما هي إلا آراء تفرد بها بعضهم فيما تطرح السيناريوهات حول الحل النهائي للقضية الفلسطينية في «حل الدولتين» أو «حل الدولة».

فقد نقلت صحيفة الغد الأردنية في 3/10/2010م ، ما نشرته صحيفة أميركية أن تركيا وروسيا بصدد العمل على حل أزمة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية استنادا إلى حقيقة مؤداها أن هناك دولة يهودية شرعية علمانية كانت قد أسست في العام 1928 في (بيروبيدجان) الروسية تطبيقاً لسياسة «القومية العلمانية السوفيتية».

وأضافت الغد : أن صحيفة (كاونتر بنتش) قالت إن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف أعلن أثناء زيارة غير مسبوقة لبيروبيدجان أخيراً أن روسيا تدعم فكرة إقامة موطن لليهود في بيروبيدجان الروسية. وأضافت في تحليل كتبه الصحافي والكاتب (إريك وولبيرغ)، أن «ميدفيديف» ونظيره التركي «عبد الله غول» يعكفان حالياً على تشكيل تحالف يضم بلداناً عربية مع إيران بهدف حل القضية الفلسطينية، خصوصاً أن روسيا تمتلك مفتاحاً للتسوية في الشرق الأوسط، يتمثل في تلك الدولة.

وأشار وولبيرغ إلى أنه لا شيء يمنع اليهود الروس الذين كانوا قد هاجروا إلى إسرائيل من العودة إلى بيروبيدجان ولا سيما أن ثلث عددهم مستبعدون على أساس أنهم ليسوا يهوداً أصليين بشكل كاف، ويمكن أن يشكلوا مشكلة خطيرة لدولة تأسست على النقاء العرقي وحسب (1). 

وهذا ما تتبناه كذلك السيدة البريطانية ميشيل رينوف التي تحمل لقباً شرفياً هو (ليدي) فترى أن هناك حلاً لم يحظ بالاهتمام الواجب ويتمثل في عودة اليهود إلى وطنهم الأول الذي يقع في جنوب شرق روسيا والذي ظل كذلك إلى أن ظهرت فكرة توطين اليهود في فلسطين ونجح الصهاينة في تحقيقها، فصرفت الأنظار عن جمهورية اليهود الأولى التي تأسست بطريقة سلمية ودون حاجة لاغتصاب أراض من سكان أصليين.

وتدافع السيدة البريطانية (ميشيل رينوف) عن حل عودة اليهود إلى موطنهم الأول بحجج وبراهين تاريخية مدهشة لم يسمع بها من قبل، وقد أسست لهذا الغرض منظمة تروج لهذا الحل بقوة وتحمل اسم جمهورية اليهود. ولا تدع «رينوف» فرصة تمر دون محاولة نشر الفكرة المتكتم عليها إعلامياً.

والحل باختصار كما تراه يتمثل في عودة آمنة لليهود في فلسطين المحتلة إلى جمهورية اليهود واسمها أوبلاست ولكنها معروفة أكثر باسم عاصمتها بيروبيدجان؛ حيث من الممكن لهم أن يعيشوا بأمان وسلام ودون أي معاداة لساميتهم، وأن ينعموا بأجواء الثقافة اليهودية السائدة بقوة هناك وأن يتحدثوا اليديتش (لغة يهود أوروبا) كما يريدون على أن يتركوا أرض فلسطين لسكانها الأصليين.

وتؤكد الليدي رينوف أن الثقافة السائدة في بيروبيدجان ومساحتها التي تعادل مساحة سويسرا تسمح بهذا الحل العادل وإنهاء مأساة الفلسطينيين المشردين في أصقاع الأرض، حيث الكثافة السكانية فيها 14 نسمة / ميل مربع ، مقابل 945 ميل مربع في الكيان الصهيوني (إسرائيل) و1728 / ميل مربع في الأراضي الفلسطينية.

وترى رينوف أن اليهود كذبوا عندما زعموا إبان الحرب العالمية الثانية أنهم في أمس الحاجة إلى أرض فلسطين وطناً لهم حيث لم تكن هناك حاجة لتشريد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم، فخيار الانتقال لتلك الجمهورية كان متاحاً أمامهم ولكنهم فضلوا فلسطين لأنهم كانوا يطمعون في السيطرة على القدس.

وتستهجن التعتيم الإعلامي المحكم على حقيقة الوطن الأول لليهود في جنوب شرق روسيا والإصرار على الإشارة إليه على أنه مقاطعة، متسائلة في استنكار: «أي مقاطعة تلك التي يعادل حجمها حجم سويسرا؟!»، وتضيف: الحقيقة أنه مع تفكك الاتحاد السوفييتي أصبحت كل أثنية مؤهلة لأن تعلن جمهوريتها التي تقيم عليها باستثناء بيروبيدجان التي كانت تسبب «حساسية» لإسرائيل وتثير هواجسها باحتمال رفع الوعي العام العالمي بوجودها كأول وطن لليهود.

وقالت الليدي رينوف: الكثيرون لا يعرفون شيئاً عن هذه الحقيقة، والقليلون الذين تسنح لهم الفرصة لأن يستمعوا إليّ ويعرفوا الحقيقة لا يصدقونني بسهولة ولكني مستعدة لأن أسخر ما تبقى من حياتي كي يصدقني العالم ويسعى لحل الصراع استناداً لهذه الحقيقة.

وزاد قناعتي بما طرح حينما قرأت كتاب اختراع الشعب اليهودي (شلومو ساند) (2) : أن إعادة كتابة الماضي ( اليهودي)، تمت على يد كتّاب أكفاء خلطوا شظايا الذاكرة بالخيال، وقد أسهمت في هذا، على وجه الخصوص، الدراسات الأكاديمية عن الماضي اليهودي، والتي أنتجتها الجامعات اليهودية في فلسطين ومن ثم في إسرائيل، وكذلك معاهد الدراسات اليهودية التي انتشرت في أنحاء العالم الغربي المختلفة، علاوة على عوامل أخرى (3). وتساءل (ساند) فيما لو أن اليهود في العالم كانوا حقاً «شعباً» ، فما هو الشيء المشترك في مكونات الثقافة (الإثنوغرافية) (4)  ليهودي في كييف (5) ويهودي في المغرب غير الاعتقاد الديني وبعض الممارسات الدينية؟!

وفي مجال سعيه إلى تفنيد مزاعم اليهود بحق تاريخي في الأرض, يحرص (شلومو زاند) على البرهنة على أن أصول اليهود المعاصرين لا تنتهي إلى أرض فلسطين القديمة، ويستشهد بالنظرية القائلة بأن يهود وسط أوروبا وشرقها, الذين ينتسب إليهم 90٪ من اليهود الأمريكيين ينحدرون من الخزر الذين اعتنقوا الديانة اليهودية في القرن الثامن الميلادي، وأقاموا إمبراطورية لهم في القوقاز. وهي نظرية ظهرت لأول مرة في القرن التاسع عشر واكتسبت مصداقية كبرى عندما تناولها الكاتب البريطاني آرثر كوستلر في كتابه الشهير (القبيلة الثالثة عشرة) الصادر عام 1976.

ويقول : إن السؤال الإجمالي وربما الأصعب: ما مدى استعداد المجتمع اليهودي – الإسرائيلي- للتخلص من الصورة العميقة التي تنسبه إلى «شعب مختار» والكف، سواء باسم تاريخ زائف أم بواسطة بيولوجيا (6)  خطيرة، عن تفخيم الذات وإقصاء الآخر من داخله (7) ؟!

وينقل (ساند) عن الدكتور (أهرون سندلر) ، أحد زعماء الصهيونيين في ألمانيا الذي هاجر إلى فلسطين الانتدابية في العام 1934م، وأصبح طبيباً للجامعة العبرية في القدس، إدراكه أنه ما من أعراق نقية في الواقع، إلا أنه ادعى على الرغم من ذلك أن اليهود تحولوا فعلياً إلى وحدة عرقية (8).

ويضيف (ساند) أن هناك وثيقة خزرية أخرى أحضرت من المحفوظات في القاهرة، وجدت أيضاً في الجامعة البريطانية وتم الكشف عنها فقط في العام 1962، وتشهد على انتشار اليهودية في مناطق نفوذ الخزر السلافية في حوالي 930 للميلاد، أرسلت كرسالة من كييف وبها طلب مساعدة ليهودي من سكان المكان واسمه (يعكوف بن حانوكا). وقد وقعت الرسالة بأسماء عبرية نموذجية وأسماء خزرية – تركية وتمثل جميعها (سكان كيوب) (كييف). وهذه الرسالة تشهد بالتأكيد على الوجود القديم للمتهودين الخزر في المدينة التي تحولت بسرعة إلى عاصمة المملكة الروسية الأولى، بل من المحتمل أيضا أن يكون أجداد هؤلاء اليهود هم الذين أقاموها؛ لأن مصدر اسم كييف هو من إحدى اللهجات التركية، وليس صدفة أنه يوجد داخل أسوار البلدة القديمة للمدينة مدخل واسع أطلق عليه اسم «باب اليهود» حيث وصلوا عبره إلى حي سكني «يهودي» وحي آخر اسمه «خزر» (9). وكذلك أصبحت الأكاديمية الإسرائيلية صماء تجاه هذه القضية ولم يجر أي بحث في هذا المجال. وبشكل بطيء ولكن بمنهجية أضحى أي ذكر للخزر في الساحة العامة الإسرائيلية بمثابة شيء غريب من عالم آخر.

ويؤكد ( ساند) أن أبناء الشعب اليهودي في أنحاء العالم لا يتحدثون ولا يقرؤون أو يكتبون العبرية، ولا يهضمون المشهد الحضري أو الريفي للمكان، كما أنهم لا يعيشون مباشرة انقسامات وهموم وأفراح وأتراح المجتمع الإسرائيلي (10).

وما خطه (شلومو ساند) في كتابه يترادف مع ما ينشر الآن ويمهد لإقامة الدولتين وبدأ يشاع أن غالبية يهود بريطانيا مع حل الدولتين، حيث أظهرت دراسة مسحية أجراها معهد أبحاث السياسات اليهودية على أربعة آلاف شخص من يهود بريطانيا، أن اليهود البريطانيين يتعاطفون بقوة مع إسرائيل, ويؤيدون حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها, لكنهم يرون أن عليها الآن مساعدة الفلسطينيين على إنشاء دولتهم الخاصة, حيث يؤيد أكثر من ثلاثة أرباع اليهود البريطانيين (77%) «حل الدولتين» بوصفه «الطريقة الوحيدة» لإحلال السلام بالشرق الأوسط. 

والتساؤل : لماذا أثارت موسكو هذا الموضوع المثير في هذا الوقت بالخصوص؟ ويخشى بعض المراقبين أن تكون إحدى النتائج غير المحسوبة لهذا الحل، هي أن يصبح لليهود دولتان (أو ربما أكثر) لا قدّر الله... فالبشرية لن تحتمل فكرة وجود دولتين لليهود في العالم!



1- وهذا ما أكده د. فيكتور بولسكي السكرتير الأول في سفارة الكيان الصهيوني في روسيا سابقاً : بأن هناك تقديرات تقول أن 35%إلى 37% من القادمين الروس الجدد إلى إسرائيل هم من غير اليهود.

 

- اختراع الشعب اليهودي عنوان كتاب للبروفسور (شلومو ساند), أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب, صادر عن دار فايار في باريس, وتقدم في قائمة أكثر الكتب مبيعاً في الكيان الصهيوني, الأمر الذي لم يتوقعه المؤلف، وترجم إلى اللغة الفرنسية والإنجليزية وجار ترجمته لعدة لغات. ومؤلفه يعلن صراحة أن غرضه هو تفنيد ادعاءات اليهود بحق تاريخي في أرض فلسطين، أما سبيله إلى تحقيق ذلك فهو البرهنة على أنهم ليسوا شعباً ذا ماضٍ مشترك أو رابطة دم وأصل واحد إضافة إلى كونهم لا ينتمون إلى هذه الأرض. وقد ترجم للعربية . ونشرته الأهلية للنشر والتوزيع في 2010م

3-  أنظر : اختراع الشعب اليهودي ، شلومو ساند ، :  ص13

4- عرَّف هامرسلي وأتكنسون البحث الإثنوغرافي بـ"أنه منهجية بحث اجتماعي يتميز بالانخراط العميق للباحث -علناً أو خفيةً- في حياة الناس لفترة من الزمن، يراقب ما يحدث، ويسمع ما يُقال، يسأل الأسئلة، ويجمع ما يمكن من بيانات، بهدف تسليط الضوء على قضايا محورية في البحث" .

- كييف: هي عاصمة أوكرانيا، وتعتبر من أقدم المدن في أوروبا الشرقية .   

- البيولوجيا: علم من العلوم الطبيعية يهتم بدراسة الحياة، وأشكالها المختلفة، وتفاعل الكائنات الحية مع بعضها البعض ومع البيئة التي حولها .

7 - اختراع الشعب اليهودي، شلومو ساند، ص 396.

8 - أنظر : اختراع الشعب اليهودي، ص 344 .

9 - اختراع الشعب اليهودي، ص 292.

10 - اختراع الشعب اليهودي، ص 363.

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0