1/2/2008


هل الإسلام يُحَرِّم المُثلة في القتل.


بقلم: عمر الشهابي.

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الأمين وبعد:

فهذه دراسة في حكم التمثيل في القتل كتبتها عندما تعالت الأصوات بأن الإسلام يُحَرِّم المُثلة في القتل، هكذا بإطلاق دون نظر على القصاص والعدوان والمصالح الشرعيَّة.

 

التمثيل في القتل

 تعريف المثلة:

قال ابن منظور: والعرب تقول للعقوبة: مَثُلَة ومُثْلَة، فمن قال مَثُلَة جمعها على مَثُلات، ومن قال: مُثْلَة جمعها على: مُثُلات ومُثْلات.

 

ثم قال: و مـثَّلتُ بـالـقتيل إذا جدعت أنفه وأذنه أو مذاكيره أو شيئا من أطرافه. ( لسان العرب – مادة مثل [615/11] ).

ومنه ما يطلق عليه ( الـسحـل ):

قال ابن منظور: الـسـَّحل القشر و الكشط : أي تكشط ما عليها من اللحم،  وقال: وسحله سحلا فانسحل: أي قشره ونحته. ( لسان العرب – مادة سحل [329/11] )

 

***

 

أحاديث النهي عن المثلة

 

وردت عدة أحاديث في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة نقلها عنه جمع من أصحابه منهم بريدة و عمران بن حصين و ابن عمرو و أنس و سمرة بن جندب والمغيرة و يعلى بن مرة وجرير بن عبد الله وعبد الله بن يزيد وأسماء بنت أبي بكر.

 

فمن ذلك :

 

-  ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النهبة والمثلة .

 

-  ما أخرجه أحمد و مسلم و الأربعة عن بريدة مرفوعًا:  ( اغزوا باسم  الله في سبيل الله و لا تغلوا و لا تغدروا و لا تمثلوا و لا تقتلوا وليداً .... ) الحديث.

 

-  ما أخرجه أحمد و أبو داود و النسائي و ابن حبان عن عمران بن حصين مرفوعا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحثنا على الصدقة و ينهانا عن المثلة، و قد رواه البخاري عن قتادة أثر قصة العرنيين مرسلاً.

 

-  ما أخرجه أحمد عن المغيرة أنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة.

 

-  ما أخرجه أحمد و البخاري وأبو داود و الترمذي  عن أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: ( إن وجدتم فلانًا و فلانًا لرجلين فأحرقوهما بالنار، ثم قال حين أردنا الخروج إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما )، و في بعض ألفاظ الحديث: ( وإنه لا ينبغي لأحد أن  يعذب بعذاب الله ).

 

و ثمة نصوص أخرى تفيد النهي عن التمثيل بالحيوان أيضًا ليس هذا مجال ذكرها .

 

فيتحصل مما تقدم أن التمثيل من حيث الأصل منهي عنه في البشر و الحيوان.

 

 لكن هل هذا النهي يفيد التحريم أم التنزيه؟  و هل هو على إطلاقه أم يجوز التمثيل في القتل في بعض الأحوال؟

 

قبل الإجابة على ذلك لابد من تقرير أمور:

• أولاً: العقوبات الشرعة المنصوص عليها ليست من المثلة:

المثلة المنهي عنها ترد على العقوبات التي لم يأتي النص بخصوصها.

 قال ابن حزم رحمه الله: ( المثلة ما كان ابتداءً  فيما لا نص فيه و أما ما كان قصاصا أو حدا كالرجم للمحصن أو كالقطع  أو الصلب للمحارب فليس مثلة ). ( المحلى [288/12]).

 

• ثانيًا: التحريق من المثلة:

أن التحريق من المثلة بل هو من أشد أنواعها، سواءً كان التحريق حال القتل أو بعد القتل.

 

 و مما يدل على ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه:  حدثنا  و كيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: (كانوا يكرهون أن يحرق العقرب بالنار و يقولون مثلة ). حديث [33147 – 468 /6].

 

• ثالثًا: قطع الرأس بعد القتل من المثلة:

 

      إذا كان جدع  الأنف أو قطع الأذن أو تسميل العين أو الخصاء من التمثيل، فإن قطع الرأس من المثلة من باب أولى . قال في (منتهى الإرادات) – وسيأتي - : " كره رميه الرأس بمنجنيق بلا مصلحة؛ لأنه مثلة " (625/1) . وقال ابن حزم: " وكذا ترك الميت بلا دفن مثلة " [المحلى(239/3)].

 

          رابعًا: المثلة بالكافر قبل قتله أشد منها بعد القتل:

 

      أن المثلة بالكافر بعد قتله لها حكم المثلة بعد الظفر وقبل قتله، بل هي أخف لأن حرمة الحي آكد من حرمة الميت.

 

         خامسًا: موضع النزاع في المثلة بالكافر بعد قتله:

 

     أن محل النزاع في المسألة و مناط البحث فيها إنما يرد على المثلة بعد الظفر بالكافر أي بعد التمكن منه أما قبل الظفر به فيجوز قتله على أي حال قال في الاستذكار: ( و المثلة محرمة في السنة المجمع عليها وهذا بعد الظفر و أما قبله فلنا قتله بأي مثلة أمكننا )  نقلا عن مواهب الجليل  (355/3).

 

وقال ابن عابدين في حاشيته: ( نهينا عن المثلة بعد الظفر أما قبله فلا بأس بها اختياراً ) [ 131/4 ].

 

إلا أن البعض يقيد ذلك بألا يمكن قتلهم أي قبل الظفر إلا بالمثلة بهم و ذلك بتحريقهم و نحوه. انظر شرح مختصر خليل للخرشي (114/3). 

 

***

 

اختلاف العلماء في حكم المثلة

 

§    قال الشوكاني في نيل الأوطار: ( و قد اختلف السلف في التحريق فكره ذلك عمر و ابن عباس و غيرهما مطلقاً     وأجازه علي و خالد بن الوليد و غيرهما ، و قال المهلب : ليس النهي على التحريم بل هو على سبيل التواضع ) [271 /7 ].

 

§    و نقل النووي عن القاضي عياض قوله: ( و اختلف السلف في معنى حديث العرنيين و قال بعضهم :النهي عن المثلة نهي تنزيه ) شرح النووي لصحيح مسلم [154 / 11].

 

وهذا الذي مال إليه النووي في شرحه حديث بريدة حيث قال: ( و في هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها و هي تحريم الغدر و تحريم الغلول و تحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا و كراهة المثلة ) [ 37 / 12 ] و انظر فقه الجهاد و القتال لمحمد هيكل [1306/2].

أقول و بالله التوفيق:  بتأمل نصوص الشرع و مقاصده وأفعال الصحابة الكرام و أقوال أهل العلم رحمهم الله تعالى يظهر أن النهي عن المثلة ليس على إطلاقه بل هو مشروع في أحوال حتى عند من قال أن النهي عن المثلة على التحريم.

 

 

الأحوال التي تجوز فيها المثلة:

 

         الحالة الأولى : أن يكون التمثيل معاملة بالمثل:

 

و يستدل لذلك بما يلي :

 

 أولا:  قوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين}.

 

قال الشعبي و ابن جريج: ( نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم لنمثلن بهم فأنزل الله فيهم ذلك ) ابن كثير [653 /2 ].

 

وقال القرطبي: أطبق جمهور أهل التفسير إن هذه الآية مدنية، نزلت في شأن التمثيل بحمزة يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري في كتاب السير،  و ذهب النحاس أنها مكية   والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالاً حسنًا  لأنها تتدرج الرتب من الذي يدعى و يوعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله؛ لكن ما روى الجمهور أثبت.

 

 روى الدارقطني عن ابن عباس قال: لمَّا انصرف المشركون عن قتلى أحد لا نصرف رسول الله  صلى الله عليه وسلم فرأى منظرًا ساءه، رأى حمزة قد  ُشق بطنه، و اصُطِلم أنفه، وجُدعت أذناه ، فقال: ( لولا أن يحزن النساء أو أن تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع و الطير، لأمثلن مكانه بسبعين رجلا، ثم دعا ببردة و غطى بها وجهه فخرجت رجلاه فغطى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وجعل على رجليه الإذخر، ثم قدمه فكبر عليه عشراً، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع و حمزة مكانه حتى صلى عليه سبعين صلاة، وكان القتلى سبعين، فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة  (إلى قوله ) و اصبر و ما صبرك إلا بالله } فصبر    ولم يمثل بأحد ) تفسير القرطبي [132 /10]، وكذا أخرجه عبدالله بن أحمد في مسند أبيه بإسناده عن أبي بن كعب بنحو هذه القصة. تفسير ابن كثير [653/2]. 

 

قال شيخ الإسلام – رحمه الله -: ( أما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص، وقد قال عمران بن حصين ما خطبنا رسول الله خطبة إلا أمرنا بالصدقة و نهانا عن المثلة، حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثل بهم، ولا نجدع آذانهم، ولا نبقر بطونهم، إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا فنفعل بهم ما فعلوا   والترك أفضل كما قال تعالى: { و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به... } قيل أنها نزلت لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد فقال: لئن ظفرني الله بهم لأمثلن بضعفي ما مثلوا بنا، فأنزل الله هذه الآية وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة ...،  ثم جرى بالمدينة سبب يقتضي الخطاب فأنزلت مرة ثانية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( بل نصبر). مجموع الفتاوى [ 314 /28 ].

 

ونقل صاحب الفروع عن الإمام أحمد: ( أنه إن مثلوا مُثل بهم ) ذكره أبو بكر.

 

وقال شيخنا – شيخ الإسلام – رحمه الله- : ( المثلة حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر ولهم تركها و الصبر أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد ولا يكون نكالاً لهم عن نظيرها، فأما إن كان في التمثيل الشائع دعاء لهم إلى الإيمان أو زجر لهم عن العدوان، فإنه هنا من إقامة الحدود و الجهاد المشروع، ولم تكن القضية في أحد كذلك فلهذا كان الصبر أفضل، فأما إن كانت المثلة حق لله تعالى فالصبر هناك واجب، كما يجب حيث لا يمكن الانتصار و يحرم الجزع ). الفروع [219 /6] - الفتاوى الكبرى [545/5].

 

ثانيا: ما جاء في الصحيحين عن أنس أن قوما عكل وعرينه اجتووا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم  بلقاح و أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الذود فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ) البخاري حديث [1430-546/2)، ومسلم حديث [1671-1296/3].

 

 قال الباجي - رحمه الله تعالى -: ( أمَّا ما روي عن أن النبي  صلى الله عليه وسلم  أمر بالعرنيين الذين قتلوا رعاء رسول الله  صلى الله عليه وسلم  واستاقوا نعمه، فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، فإنه روى سليمان التيمي عن أنس أنهم كانوا فعلوا بالرعاء مثل ذلك، و مثل هذا يجوز من مثل بمسلم أن يُُمثل به على سبيل القصاص ) المنتقى شرح الموطأ [ 172/3]. 

 

يشير رحمه الله تعالى إلى ما أخرجه مسلم في صحيحه بإسناده عن سليمان التيمي عن أنس قال: ( إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة).

 

  كما أخرجه الترمذي والبيهقي عنه أيضا، إلا أن الرواية اقتصرت على تسميل  العين ولم يرد فيها قطع أيدي وأرجل الرعاة وهو تمثيل زائد عن القصاص، إنَّما جاء ذلك عند بعض أهل المغازي على ما نقله القاضي عياض وابن حجر وسيأتي.

 

 وجميع الروايات الواردة في القصة والتي أخرجها الشيخان وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وعامة أصحاب السنن والمسانيد، لم تأت فيها رواية واحدة تفيد قطع أيدي وأرجل الرعاة بل جميعها تقتصر على ذكر قتلهم للرعاة.

 وعليه فإنَّ ما رواه بعض أصحاب المغازي لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحاح الثابتة عن أهل الحديث رحمهم الله جميعَّا كما ورد عند النسائي في المجتبى، حديث[4028] عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم  صلبهم، و قد ضعفه الألباني.

 

وقال القاضي عياض: ( اختلف العلماء في معنى حديث العرنيين هذا، فقال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة فهو منسوخ.

 

 وقيل ليس منسوخاً، وفيهم نزلت آية المحاربة وإنما فعل بهم النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل قصاصاً لأنهم فعلوا  بالرعاة مثل ذلك، وقد رواه مسلم في بعض طرقه ورواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأهل السير والترمذي وقال بعضهم النهي عن المثلة نهي تنزيه ليس بحرام ) شرح صحيح مسلم [154/11].

 

و قال ابن حجر في الفتح : ( ومال جماعةمنهم ابن الجوزي، على أن ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص لما عند مسلم من حديث سليمان التيمي عن أنس إنَّما سمل النبي صلى الله عليه وسلم  أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة 0000 إلى قوله وتعقبه بن دقيق العيد أن المثلة وقعت من جهات وليس في الحديث إلا السمل، قلت: – أي ابن حجر – كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازي إنهم مثلوا بالراعي.

 

وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ،  قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة: في هذا الحديث ينسخ كل مثلة، و تعقبه ابن الجوزي  بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ.

 

 قلت: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بعد الأذن فيه، و قصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة رضي الله عنه وقد حضر الإذن ثم النهي.

 

 وروى قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود، و لموسى بن عقبة في المغازي  ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم  نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، و إلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي 0000 إلى أن قال في فوائد الحديث: ( وفيه قتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة إن قلنا أن قتلهم كان قصاصاًَ و فيه المماثلة في القصاص و ليس ذلك من المثلة المنهي عنها) فتح الباري [1/341]. 

 

قال ابن كثير – رحمه الله -: (  قد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العُرَنِيِّين هل هو منسوخ أو محكم؟.

 

فقال بعضهم: هو منسوخ و زعموا إن فيها عتابًا للنبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال الله تعالى { عفا الله عنك لم أذنت لهم}.

 

ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا القول فيه نظر ثم صاحبه مطالب ببيان الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ.

 

وقال بعضهم: ( كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين)، و في هذا نظر فإن قصتهم متأخرة، وفي رواية جرير بن عبدالله لقصتهم ما يدل على تأخرها، فإنه أسلم بعد نزول المائدة.

 

 ومنهم من قال: ( لم يسمل النبي صلى الله عليه وسلم  أعينهم، إنما عزم على ذلك حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين)، و هذا القول أيضاً فيه نظر فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل وفي رواية سمر.   ابن كثير [57/2 ].

 

 قال أبو حاتم: ( المثلة المنهي عنها ليس القود الذي أمر به لأن أخبار العرنيين المراد منها كان القود لا المثلة). صحيح ابن حبان، حديث[ 4473-324/10].

 

وقال البخاري – رحمه الله - في صحيحه: باب: ( إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق؟).

 

وقال ابن حجر – رحمه الله -: ( كأنه أشار بذلك إلى تخصيص النهي في قوله  "لا يعذب بعذاب الله " إذا لم يكن ذلك على سبيل القصاص).  فتح الباري [1447/2)].  

 

ومما تقدم نخلُص إلى ما يأتي:

 

- أن التمثيل يشرع من جهة المعاملة بالمثل لسمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين، ولما جاء في سبب نزول قوله تعالى: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به 000} .

 

- أن ادعاء النسخ لحديث العرنيين مردود من جهتين:

 

أولاً:  افتقاره إلى التاريخ و قد مر قول ابن كثير أن رواية جرير للحادثة تدل على تأخرها إذ كان إسلامه بعد نزول سورة المائدة و التي فيها قوله تعالى: { إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض }.

 

ثانيًا:  أنه لا يُصار إلى النسخ مع إمكان الجمع، فإن قلنا أن النهي عن المثلة للتنزيه فلا تعارض أصلاًََ، وإن قلنا النهي للتحريم فإنه عام مخصص بكون التمثيل معاقبة بالمثل.

 

-  أن النبي جمع للعرنيين بين حد الحرابة قطع أيديهم وأرجلهم والقصاص سمل أعينهم.

 

- أن حد الحرابة لا يختص بالمسلمين، وقد نص ابن عباس أن آية {إنما جزاء الذين00}، نزلت في المشركين فيما رواه عنه أبو داود و النسائي من طريق عكرمة و هو قول طائفة من السلف. و قد روى البخاري عن أبي قلابة صاحب ابن عباس وهو راوي حديث العرنيين أنه قال في العرنيين: فهؤلاء سرقوا و قتلوا و كفروا بعد إيمانهم و حاربوا الله و رسوله.

 

وعليه يتبين أن حد الحرابة لا يختص بالمسلمين بل يقام على الكفار إن فعلوا فعلهم، و لكن ينبغي التنبه إلى أن مجرد محاربة الكفار للمسلمين و استباحتهم دماء المسلمين و أعراضهم و أموالهم ليس هو الموجب بحد ذاته لإقامة حد الحرابة عليهم، إذ كان هذا متحققًا  فيمن حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم  ونهى عن المثلة بمقاتليهم، لكن ثمة معنى آخر مراد لتحقق ذلك فيهم، والمسألة بحاجة لزيادة تحرير والله تعالى أعلم.

 

- أن التمثيل بالكفار إن مثلوا بالمسلمين يندب ويتأكد إن كان فيه زيادة في الجهاد أو نكالاً  أو دعاءًا لهم إلى الإيمان أو زجرًا لهم عن العدوان كما أفاده شيخ الإسلام رحمه الله.

 

- أن تحريم المثلة من حيث الإطلاق ليس محل إجماع، بل إن القول بكراهة المثلة من حيث الإطلاق قول قوي متوجَه طائفة من السلف، و قد مال إليه النووي        - رحمه الله -، وهذا القول قد يُفهم من أمره صلى الله عليه وسلم  ابتداءً بتحريق رجلين ثم رجوعه عنه وقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله). حديث[4018-4230/1]، لاسيما إذا أضيف إلى ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاكتواء بالنار، وقد كوى به معاذ، وسئل عنه فرخص فيه وهو كاره.

 

والجامع بين التحريق بالنار والكي،  ظاهر إذ كلٌ منهما فيه تعذيب بعذاب الله وهو النار، ويفترقان في كون التحريق لمصلحة التنكيل بالكفار والكي يكون لمصلحة العلاج.

 

ولعل هذا ما فهمه من صح عنه التمثيل في القتل من أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  ( كما سيأتي ) والله تعالى أعلم. 

 

 

   الحالة الثانية: إن كان التمثيل مظنة تحقق المصلحة المعتبرة شرعا :

 

و ذلك نحو التنكيل و الموعظة و إلقاء الرعب في نفوسهم وزجرهم عن العدوان و كسر شوكتهم كما لو كان المقتول من صناديدهم أو قوادهم و طمأنينة نفوس المؤمنين و ما أشبه ذلك.

 

 قال المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- في المنتقى في" كتاب الجهاد " باب الكف عن المثلة و التحريق    وقطع الشجر و هدم العمران إلا لحاجة ومصلحة"   المنتقى[3/321].

قال السرخسي في الشرح الكبير( 137/1): ( أكثر مشايخنا رحمهم الله على أنه إذا كان في ذلك كبت وغيظ للمشركين، أو فراغ قلب للمسلمين، بأن كان المقتول من قواد المشركين أو عظماء المبارزين فلا بأس بذلك ).

 

قال في المغني في رمي رأس الكافر بالمنجنيق بعد قطعه: ( يكره رميها بالمنجنيق نص عليه أحمد و إن فعلوا ذلك لمصلحة جاز لما روينا لأن عمرو بن العاص حين حاصر الإسكندرية ظُفِر برجل من المسلمين فأخذوا رأسه، فجاء قومه عمرًا مغضبين، فقال لهم عمرو: خذوا رجلاً منهم فاقطعوا رأسه فارموا به إليهم بالمنجنيق، ففعلوا ذلك فرد أهل الإسكندرية رأس المسلم إلى قومه ) المغني [262/20]. 

 

قال في الفروع: ( يكره نقل رأس و رميه بمنجنيق بلا مصلحة، ونقل ابن هانئ لا يفعل و لا يحرقه، قال أحمد: لا ينبغي أن يعذبوه، وعنه إن مثلوا مُثل بهم، ذكره أبو بكر [219/6].

 

قال في شرح منتهى الإرادات: ( وكره لنا نقل رأس كافر من بلد إلى بلد آخر بلا مصلحة لما روى عقبة بن عامر أنه قدم على أبي بكر برأس بنان البطريق فأنكر ذلك، فقال: يا خليفة رسول الله فإنهم يفعلون ذلك بنا فقال إذن بفارس والروم، لا يحمل إلي رأس فإنما يكفي الكتاب و الخبر، و كره رمي الرأس بمنجنيق بلا مصلحة لأنه تمثيل.

 

 قال أحمد: ولا ينبغي أن يعذبوه، فإن كان فيه مصلحة كزيادة في الجهاد أو نكال لهم أو زجر عن العدوان جاز لأنه من إقامة الحدود والجهاد المشروع. قاله تقي الدين [625/1].

 

قال ابن عابدين في حاشيته: ( و قيد جوازها - يعني المثلة - قبله - أي قبل الظفر - في الفتح - فتح القدير - بما إذا وقعت قتالاً كمبارز ضرب فقطع أذنه، ثم ضرب ففقأ عينه، ثم ضرب فقطع يده و أنفه، ونحو ذلك وهو ظاهر في أنه لو تمكن من كافر حال قيام الحرب ليس له التمثيل به بل يقتله، ومقتضى ما في الاعتبار أن له ذلك كيف وقد عُلل بأنها أبلغ في كبتهم     وأضر بهم. [131/4]

 

 و فيما تقدم من أقوال أهل العلم  رحمهم الله دلالة ظاهرة في اعتبار المصلحة مخصصًا للنهي عن المثلة.

 

و يمكن أن يستدل لذلك بما يلي :

 

أولاً: فعل ابن مسعود رضي الله عنه وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له حين احتز رأس أبي جهل،  قال ابن حجر في الفتح: ( جاء في حديث ابن عباس عند ابن إسحاق و الحاكم قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق 000 ثم احتززت رأسه فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم.  انظر الفتح شرح حديث [4437].

 

قال النووي: ابن مسعود هو الذي أجهز عليه و احتز رأسه. انظر شرح مسلم [160/12].

 

 و أخرج أبو داود بإسناده، حديث(2722)، قول ابن مسعود نفلني رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف أبي جهل _كان قتله _  قال في عون المعبود يعني: حز رأسه و به رمق، و كأن فعله هذا لطمأنة قلوب المؤمنين بقتل رأس الكفر.

 

ثانيًا: ما ثبت عن علي  رضي الله عنه  في مواطن عدة من تحريق المرتدين، قال شيخ الإسلام: ( روي عنه – أي علي- تحريق الزنادقة بأسانيد جيدة )  مجموع الفتاوى [474/8].

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0