6/23/2010


إضاءة في جهاد البحر


 

 

إضاءة في جهاد البحر

 

غزة ـ محمد الناجي ـ مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

     

 

مما لا شك فيه أن الذي  دفعنا للحديث عن هذا الموضوع تلك الأحداث التي دارت رحاها في عرض البحر الأبيض المتوسط قبل عدة أسابيع من نفْر أناس أخذوا على أنفسهم عهداً أن يهبوا لنصرة ونجدة إخوانهم المستضعفين في غزة , وأن يفكوا الحصار عنهم , ولا يخفى على أحد المشقة والتعب والوصب والنصب والعنت وترك البلاد والأهل والتهديدات التي واجهها أفراد تلك القافلة خلال تلك الرحلة التي تكللت في النهاية بإراقة الدماء وبذل الأنفس .

وبذل الدماء أعلى مراتب الصدق والجود ؛ فكثير من الناس يجيد لغة الحديث والكلام ويحسن صنعه لكنه عند النزال وفي ساحات الوغى تجده أول المتخلفين القاعدين ولا يجيد بذل التضحية في سبيل الله فهي صعبة إلا على من سهلها الله عليه .

وهنا قد يتساءل البعض عن مدى مشروعية ذلك العمل الذي قام به أولئك النفر .

إن العمل البطولي الجهادي الذي قاموا به يكتسب شرعيته وأهميته بالنظر إلى الهدف النبيل والسامي من وراء ذلك العمل , وهو نصرة أناس مستضعفين لا ذنب لهم إلا أنهم آمنوا بالله رباً , وارتضوا الإسلام ديناً , ورفضوا الذل والهوان والخنوع وتمسكوا بمبادئهم الإسلامية الأصيلة ورفضوا التنازل عنها , وهنا يتضح جلياًّ أن المؤمنين المسلمين  من أفراد تلك القافلة  كانوا في جهاد ـ نحسبهم كذلك والله حسيبهم ولا نزكيهم على الله ـ  خاصة أنهم قابلوا عدواً كافراً حاقداً لا يرقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة , وإذ تبين لنا أن العمل الذي قام به أولئك النفر هو جهاد فإن هذا يدفعنا لكي نتلمس ونتحسس فضائل الجهاد البحري , وماذا أعد الله سبحانه وتعالى لأولئك الذين قتلوا في البحر من أجور عظيمة كي تقر بها الأعين , وتشفى بها الصدور, وتطمئن بها الأنفس  بإذن الله سبحانه وتعالى .

والحقيقة أن السنة النبوية المشرفة زاخرة وحافلة بالأحاديث التي تبين فضل هذا النوع من الجهاد الذي لا يقدر عليه الجميع , وليس بسعة الكل القيام به ويرجع ذلك لطبيعة هذا النوع من الجهاد واختلافه عن غيره , وسنتناول في هذا الموضوع الإشارة إلى بعض الأحاديث التي صحَّت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك على سبيل الذكر والمثال لا على سبيل العدّ والحصر .

فقد نقل عن الحنابلة أن جهاد البحر عظيم , وأنه أفضل من جهاد البر وذلك لتردده بين خطر الجهاد وخطر البحر مع عدم تمكن المجاهد من الفرار إلا مع أصحابه .

ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل جهاد البحر وأنه أفضل بكثير من جهاد البر، لما روي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر, ومن أجاز البحر فكأنما أجاز الأودية كلها  , والمائد فيه كالمتشحط في دمه ". رواه السيوطي في الجامع . وقال الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير(16/250) : "حديث صحيح".

والمتشحط : هو الذي يتمرغ ويضطرب ويتخبط في دمه.

وذلك لأن البحر أعظم خطراً ومشقةً ، فإنه بين العدو وخطر الغرق ، ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه ، فكان أفضل من غيره .

و ما جاء عن أم حرام رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد والغرق له أجر شهيدين" . رواه أبو داود والبيهقي , وقال الألباني في إرواء الغليل (5/16) :"حديث حسن".

المائد : الذي يدور رأسه من ريح البحر واضطراب السفينة بالأمواج .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الشهداءُ سبعةٌ سوى القتل في سبيل الله : المطعونُ شهيدٌ ، والغريقُ شهيد ٌ، وصاحب ذات الجنب شهيدٌ، والمبطونُ شهيدٌ ، والحرقُ شهيدٌ ، والذي يموتُ تحت الهدم شهيد ، والمرأة تموت بجمعٍ شهيدةٌ " . رواه أحمد ومالك والنسائي وأبو داود ,  وهو صحيح انظر: صحيح كنوز السنة النبوية (1/89) .

أيضاً ما روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمعه يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمته، وجعلت تفلي رأسه، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة - شك إسحاق - قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وضع رأسه، ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، كما قال في الأول. قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. قال أنت من الأولين. فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت .

ولقد ذكر ابن النحاس رحمه الله في كتابه " مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق " فضل ذلك النوع من الجهاد فقال : " واعلم أن لغزو البحر فضائل ليست لغزو البر. منها : أن شهيد البحر أفضل على الإطلاق من شهيد البر" .

 

نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتقبل قتلى مجزرة أسطول الحرية من المسلمين شهداء عنده , وأن يوفيهم أجورهم كاملة بإذن الله , وأن يتقبل عملهم , وأن يَمُنَّ على الجرحى بالشفاء العاجل ؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0