9/2/2020


أَبعادُ المواطنة عِند المرسلينَ عَليهم السَّلام رؤية قرآنية


أَبعادُ المواطنة عِند المرسلينَ عَليهم السَّلام

رؤية قرآنية-([1])

حمزة شواهنة

     بِسم اللهِ الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيّين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

     فقد انقسم الناس حول جوهر المواطنة، فمنهم مَن يرى أنها تناقِض مفهوم الأمّة الإسلامية والأخوّة الإيمانية، وبالتّالي انطلق هذا الفريق يحذِّر منها، ويحاربها بكلّ غلوّ، ومنهم مَن قبِلها وفق المفهوم الغربيّ لها بكلّ حذافيره، لذا سيخصِّص الباحث الحديث في هذا المقال عن تجلية أبعاد المواطنة وسماتها وفق رؤية شرعية وسطيّة في ضوء منهج الدعوة عند الأنبياء عليهم السلام؛ وذلك لأنّ الذي أرسى قواعد هذه المواطنة هو الشرع السماويّ المعصوم مِن الانحرافات.

*معنى المواطنة

      المواطنة في اللغة العربية مأخوذة من كلمة الوطن، وهو المنزِل الذي يقيم به المرء، وهو مَوطنُ الإنسان ومَحَلُّه. والجمع: أوطان، والموطِن: المشهَد مِن مشاهد الحرب، وفي التنزيل العزيز: (لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ)[آل عمران: 31].([2])

     وبالنظر في السياق الغربيّ للفظة المواطنة بصِفتها مصطلحًا معاصرًا، تشير دائرة المعارف البريطانية "بأنها علاقة بين فرد ودولة كما يحدِّدها قانون تلك الدولة، وبما تتضمّنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة".([3])

     ويظهر من هذا التعريف اعتماد الجانب القانوني في تحديد العلاقة بين الدولة ومواطنيها، مع إغفال جليّ لدور الانتماء والقيَم الفاضلة في تماسك المجتمع.

     وأمّا مصطلح المواطنة في التعريف الإسلامي، فهي تعبير عن طبيعة وجوهر الصلات القائمة بين دار الإسلام وهي (وطن الإسلام) وبين مَن يُقيمون على هذا الوطن من المسلمين وغيرهم.([4])

*أبعاد قيمة المواطنة في هدي الأنبياء عليهم السلام في ضوء القرآن الكريم

     أَرسى مَنهجُ المرسلين عليهم السلام قيمةَ المواطنة في المجتمعات، والمتأمّل في سُوَر الذِّكر الحكيم، يلحظ أنّ المواطنة في هدي الأنبياء عليهم السلام تتسم بخصائص فريدة، ومِنْ تلك الخصائص التي تجلّت في أكثر مِن موضع من القرآن الكريم، وذلك في سياق مخاطبة الرسل عليهم السلام ما يأتي:

1- تقديم رابطة العقيدة على الرابطة الوطنية ونحوها عند التعارض:

     يتجلّى هذا البعد في منهج الدعوة عند الأنبياء عليهم السلام بكلّ وضوح، ومِن شواهد هذا البعد في الذِّكر الحكيم، ما ورد على لسان  النبيّ موسى عليه السلام، وذلك عندما أمر بني إسرائيل بدخول الأرض المقدّسة، فرفضوا، فردّ عليهم بقرار حاسم، كما حكى سبحانه وتعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)[المائدة: 25 - 26].

     ويَنمّ نداء الكليم موسى عليه السلام عن الدعوة إلى المفاصلة والانفصال عن العشيرة والقوم، متى تعارضتْ رابطة الوطن ونحوها مِن الروابط مع رابطة العقيدة؛ وذلك لأنّ موضع الولاء للدِّين يتبوّأ أعلى قمّة في هرَم الولاءات، وبالتّالي فإنّ جميع أواصر الارتباط تذوب أمام الاعتداء على الشرع الحنيف.

      ومِن شواهد تقديم رابطة العقيدة، والتحقيق الكامل لعقيدة الولاء والبراء في الذِّكر الحكيم، ما ورد على لسان خليل الله إبراهيم عليه السلام ، ومما جاء على لسانه عليه السلام قوله: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي)[إبراهيم: 36].

2- الوطن لا ينحصر في حدود جغرافية معينة:

      مِن أبرز أبعاد المواطنة في منهج الدعوة عند الأنبياء عليهم السلام، أنّ حدود الوطن لا تقتصر على حدود البقعة التي وُلد المرء فيها، بل إنّ الوطن يشمل البلد الخاصّ أوّلاً، ثُمّ يمتدّ لِيشمل سائر الديار الأخرى، فقد خلَق الله سبحانه وتعالى الأرض واسعةً؛ رحمةً بعباده، فمَن ضُيِّق عليه في دولة معيَّنة، هاجَرَ إلى غيرها، وسيوسِّع الله سبحانه وتعالى عليه فيها، وله في التاريخ شاهدٌ مِن نصرة الله سبحانه وتعالى لأنبيائه وأوليائه مِن بعد ما هاجروا في سبيل الله، فحيثما قَدر العبد على تحقيق عبادة الله وحده، كان هذا المكان هو وطنه الذي ينبغي له أن يستقرّ فيه، وقد وجّه الله سبحانه وتعالى نبيّه الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)[الزمر: 10].

    وعليه يتبيّن أنّ الوطن لا يُحَبُّ لذاته؛ لأنّ الأخوّة الإيمانية تتجاوز الجغرافيا والتاريخ والجنس واللغة، أضف إلى ذلك أنّ المواطن الحقّ لا يقعُد به حبّ الوطن عن مغادرته عند التعرض لمضايقات في وطنه تمسّ شعائر دينه، أو تَنتقص فيه مِن كرامته، من هنا ينبغي على المسلمِ ألاّ يتحرّج مِن الإقامة في كلّ أرض يتمكّن فيها مِن القيام بإظهار معتقده، بغضّ النظر عن موطنه الأصلي.

     وبالتّالي فإنّ مفهوم الوطن عند الأنبياء عليهم السلام، يختلف عن مفهوم الوطن في القانون الوضعي الذي يحصره في منطقة محدّدة، إذ إنّ مفهوم الوطن عندهم -عليهم السلام- قابل للتمدُّد، وفقاً لانتشار دعوتهم ومنهجهم.

     ومن هنا يتّضح خطأ مَن يزعم أنّ قضية فلسطين والمقدّسات الإسلامية التي تقع فيها تخُصّ الفلسطينيين وحدهم، وقُل مِثل ذلك عن سائر قضايا المسلمين، فمن لمْ يهتمّ بقضايا إخوانه المسلمين، فليس منهم.

3- توجيه البراءة من الأعمال:

      يُلحظ مِن استقراء سُوَر الذِّكر الحكيم، أنّ جلّ الآيات القرآنية وجّهت البراءة إلى الأعمال، كما في قوله سبحانه وتعالى: (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ)[الشعراء: 216]، وبالمقابل أعلنت آيات أخرى البراءة مِن أصحاب تلك الأعمال، ومِن ذلك قوله سبحانه وتعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)[الممتحنة: 4].

       ويرجع السرّ في ذلك، إلى أنّ الشخص قد يجتمع فيه ما يُحَبّ وما يُكرَه في الوقت ذاته، لذا سار الأنبياء -عليهم السلام- على منهج مطّرِد في البراءة مِن أعمال أقوامهم في الغالب.

4- وراثة الأرض للأتقى:

     اقتضت السُنَّة الربانية أن يتعاقب الصالحون والطالحون عبر التاريخ البشري الطويل على وراثة الأرض، إلا أنّ العاقبة في نهاية الأمر كانت للصالحين دون غيرهم، وبالتّالي فإنّ الأرض ميراث الصالحين ومثوى المتكبرين، كما قال الله عزوجل حكاية على لسان نبيّه موسى عليه السلام لقومه: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)[الأعراف: 128 - 129].

      ويُستفاد مِن الآية - موضع الدراسة-: أنه لا يجوز التنازل عن أيّ أرض إسلامية، ويدخل في ذلك التنازل عن حقّ العودة للّاجئين الفلسطينيّين وأمثالهم ممن طُردوا من أرضهم ظلماً، والقبول بتوطينهم في الأماكن التي يقيمون فيها، وكذلك قبول الدعوة إلى مبادلة الأرض المحتلةّ عام 1948م بمناطق أخرى في فلسطين؛ وذلك لأنّ الله عزوجل بيّن في ثنايا كتابه العزيز، أنّ الأرض له، وأنه يورثها عباده الصالحين، وبعد بعثة النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم ، انحصر الصلاح في المؤمنين به، وبالتّالي انحصرت وراثة الأرض في المتابِعين له، كما قال الله عزوجل: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ)[الأنبياء: 105 - 106].

    ويُضافُ إِلى مَا سَبق ذِكره، أنّ التنازل عن أيّ أرض إسلامية، يعني الإقرار الدائم بضياعها أو ضياعِ جزء من بلاد المسلمين، وانتقالَ ملكيّتها إلى غيرهم إلى الأبد، ومعلوم أنّ أرض الشام هي وقف إسلامي لا تباع ولا توهَب، ومِن ثمّ فإنّ أحداً أيّاً كان شأنه لا يجوز له التصرّف فيها إلا وفق منهج الله عزوجل، وإنْ حصل غير ذلك، فيُعدّ تصرُّفه باطلاً لا أثر له، ولا يَلزم أيَّ مسلم امتثالُه.

     ويَتبيّن مِن جواب الكليم موسى عليه السلام: (إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)[الأعراف: 128]، أَنَّ نظرة الرسل عليهم السلام لموضوع الوطن تختلف اختلافاً جذرياً عن المنظور الغربي له؛ لأنّ نظرتهم له لمْ تكُن ضيِّقة الأفُق، لِتحصر المسألة في إطار حدود جغرافيّةٍ أو سياسيّةٍ مصطنَعة؛ إنما تبدأ نظرتهم له بدءاً مِن الوطن الخاصّ، وتمتدّ لِتشمل الأمّة العربية والإسلامية، وتَتَّسع حتَّى تستوعب الكُرة الأرضيَّة بأسرها.

5- كراهية الهجرة من الوطن من غير ضرورة:

     يغادر كثير من الناس بلادهـم التي نشـأوا فيـها إلى بلاد أخرى؛ لأسـباب كثيـرة، وقد قصّ الله عزوجل علينا في كتابه المبين قصص كثير من أنبيائه ورسله عليهم السلام ممن تعرَّضوا للتهديد بالنفي من الوطن مِن قبَل خصوم الدعوة، حتى اضطرّ كثير منهم للهجرة مِن أوطانهم، ومن الرسل الكرام عليهم السلام الذين تعرَّضوا لهذا الابتلاء على سبيل المثال لا الحصر النبيّ شعيب عليه السلام ، حيث أخبر القرآن الكريم عن تهديد قوم شعيب عليه السلام له بأغلى ما يساوَم عليه المرء بعد معتقده، ألا وهو النفي مِن الوطن، كما وصف القرآن المبين كراهية سيّدنا شعيب عليه السلام لسماع هذا اللون مِن التهديد، يقول الله عز وجل: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ)[الأعراف: 88 - 89].

    وبالجملة يبيّن الله عزوجل أنّ تهجير المرسلين عليهم السلام مِن سُنن الأقوام الظالمة، كما في قوله سبحانه وتعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)[إبراهيم: 13].

     وهذا غيض مِن فيض ممّا قصّه الله سبحانه وتعالى علينا في كتابه المجيد مِن قصص الأنبياء والرسل عليهم السلام فضلاً عن الصالحين، وهم يغادرون أوطانهم مكرَهين.

     ونُخلص مما سبق عرضه، أنّ هجـرة الأنبياء والرسل عليهم السلام تعتبر مِن صُوَر الهجـرة القسـريـة، وهي هجـرة قديمـة متجدِّدة، نتـجـت مِـن تدافُـع الحـق والباطـل.

     وتَجدر الإشارة إلى أنّ الهجرة إنما نُدِبَت؛ لأجل إقامة دين الله متى ضاقت بلاد المرء عليه وعلى أداء شعائر دينه، والأصل أن تكون الهجرة مِن البلاد المحتلّة للإعداد إنْ لمْ يُتوصّل إليه دون الهجرة، وأنّها إنْ تسبّبتْ في ترك الأرض وتسليمها للمحتلّ فهي فرار مِن الزحف؛ لأنّ الواجب الدفع قدر الاستطاعة، فالنبيّ محمد صلى الله عليه وسلم ما هاجر إلى المدينة إلا وفي خاطره أن يعود إليها فاتحاً، وهذا ما حدث فعلاً.

     ويَرجع السرّ في استخدام المشركين منذ القدم هذا السلاح الفتّاك في حرْبهم ضدّ أنبياء الله ورسله -عليهم السلام-، أو تهديدهم باستخدامه؛ إدراكهم صعوبة مفارقة الوطن، ومشقّة ذلك على النفوس السويّة، ومعلوم أنّ الغربة عن الوطن فاقرةُ الظهر، كما يعلِّل الثعالبيّ ذلك بقوله: "لأنّ الإنسان يستوحش بفراق وطنه، كما يستوحش بفراق مسكنه".([5])

     ولذلك اتخذتْ الدول الاستعمارية الحديثة عامّة، والكيان الصهيوني على وجه الخصوص أسلوب التهجير كواحد مِن أقسى وسائل العقاب لمن يقاومهم بشتّى ألوان المقاومة، حيث عمد الكيان الصهيوني إلى التهجير المباشر في عام 1948م، كما لجأ إلى التهجير غير المباشر في عام 1967م وما بعده؛ وذلك مِن أجل التضييق المعيشي على حياة السكّان، وقد انطلقت المجموعات الصهيونية المسلّحة الرسمية وشبه الرسمية في عملية تدمير منهجيّ للقرى الفلسطينية، وارتكاب المجازر في حقّ المدنيّين، ففي ظرف سنة واحدة قامت تلك المجموعات بطرد سبعمئة وخمسين ألف فلسطيني مِن قُراهم ومُدُنهم، ودمّرت ما يفوق الخمسمائة بلدة فلسطينية، حيث أضحتِ اليوم أثراً بعد عين.([6])

     وبلغ الأمر بجيش الاحتلال الصهيوني استخدام أسلوب الإبعاد عن مدينة القدس لمجرّد معارضتهم باللسان وكشف باطلهم.

     ويتبيّن مما سبق أنَّ مفهوم المواطن مِن منظور الرسل عليهم السلام غيرُ منغلقٍ على فئة دون أخرى، بل هو ممتدّ لِيشمل كلّ مَن يقيم على أرض الوطن، حتى يشمل الإنسانية جميعها مهما تباعدت بينها المسافات، وعليه فإنّ أهل الذمّة والمعاهدين يُعَدّون مواطنين ما التزموا بعقد المواطنة، ولا أدلّ على ذلك مما ما فعله الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مِن ربْط جميع أفراد هذا الوطن -المدينة النبوية- برباط الصحيفة التي حوَت صورًا عديدة من الحقوق المشتركة، حيث اجتمع المهاجرون والأنصار واليهود تحت رباط جامع وهو رباط المواطنة، بغضّ النظر عن دينهم ولغتهم وجنسهم.([7])

     وجُملة القَّول: أنَّ المواطنة في هدي الأنبياء عليهم السلام تتّسم بخصائص فريدة، ومِن تلك الخصائص تقديمُ رابطة العقيدة، وكراهية الهجرة من الوطن، وأنّ الوطن ميراث الصالحين، كما أنّ حدود الوطن قابلة للتمدُّد، وكذلك توجيه البراءة إلى الأعمال.

ونسأله سبحانه وتعالى أن يحفظ أوطاننا مِن كلّ سوء

وآخِر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين.

--------------------

[1] الباحث حمزة عبد الله سعادة شواهنة، (باحث في الدراسات الإسلامية – فلسطين المحتلة).

[2] ابن منظور: لسان العرب، (وَطَنَ)، (13/ 451).

[3] انظر، موسوعة دائرة المعارف البريطانية (موقع الكتروني)،(www.britannica.com ).

[4] انظر، د. فهمي الهويدي، مقال بعنوان: المواطنة في الإسلام، جريدة الشرق الأوسط, ص 13.

[5] الثعلبي: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، (3/ 155).

[6] انظر، جواد الحمد: الشعب الفلسطيني ضحية الإرهاب والمذابح الصهيونية. وعدنان المنصر: منظومة الدعاية الصهيونية، 2011 - 7 – 23م، مقال على النت، رابط: https://studies.aljazeera.net. داوود سليمان داوود: المذابح الإسرائيلية في فلسطين، مقال على النت، رابط: https://www.aljazeera.net.

[7] لمزيد بيان في موضوع صحيفة المدينة النبويّة، انظر، الشعيبي: وثيقة المدينة المضمون والدلالة. ورائد أمير عبدالله: مفهوم المواطنة في بنود وثيقة المدينة المنورة (1هـ/622م). والصلابي: الوطن والمواطنة، ص 74 - 77. والزحيلي : مفهوم المواطنة، (16 - 19).


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0