5/29/2010


الآثار .. وتهويد تاريخ القدس !!


 

 

 

الآثار .. وتهويد تاريخ القدس !!

 

عيسى القدومي

 

 

علم الآثار أريد منه أن يكون أداة في يد الصهاينة لاختلاق تاريخ يهودي كاذب ومزور في فلسطين العربية ثم ربطه بالدولة اليهودية الحالية. تقول عالمة الآثار اليهودية شولاميت جيفا "إن علم الآثار اليهودي أريد له تعسفاً أن يكون أداة للحركة الصهيونية تختلق بواسطته صلة بين التاريخ اليهودي القديم والدولة اليهودية المعاصرة" (1)

واستمرت المؤسسات الصهيونية المعنية بالتهويد والاستيطان في سياساتها الثابتة الساعية إلى تزوير التاريخ من خلال الحفريات التي تقوم بها في مدينة القدس ، وإلى تغيير واقع المدينة المقدسة لتحويلها إلى مدينة ذات طابع يهودي (2). والاستهداف الصهيوني للآثار نابع من كونها تشكل جزءا من الهوية الثقافية والحضارية الفلسطينية، لذا حاول الاحتلال طمس الهوية الثقافية والحضارية الفلسطينية وإخفاء معالمها؛ حيث أن الاحتلال يعمل باعتقاد أن مرحلة حسم وجوده واستمراره على هذه الأرض بات مطمئناً ، فانتقل لحسم أمر آخر وهو التاريخ بكل أدواته ومساراته . 

فالعديد من الحفريات تجري بهدف إضعاف البنية التحتية للأبنية والمساكن والمقدسات الإسلامية ، حيث أصيب الكثير منها بتصدعات خطيرة ، مثل المدرسة العثمانية ، والمدرسة المزهرية والمدرسة الجوهرية في باب الحديد ورباط الكرد ، والزاوية الرفاتية ، والمدرسة التنكزية في باب السلسلة ، هذا إضافة إلى مئات المنازل التي سقطت أرضياتها وتصدعت جدرانها وتمنع السلطات أي ترميم فيها (3)

والاعتداءات اليهودية لم تمس الأحياء وحدهم بل طالت الأموات في قبورهم كمقبرة باب الرحمة " الأسباط " حيث أتت حفريات الجرافات الصهيونية على مئات القبور وتبعثرت عظام الموتى بحجة التطوير والأعمار ، وكذلك ما حدث في مقبرة مأمن الله العريقة حيث سيطر اليهود على هذه المقبرة وتوقفت عملية دفن الموتى منذ ذلك الحين ، وتناقصت مساحتها التي لم يتبقى منها سوى 19 دونم بعد أن كانت 136 دونم ، وهي تستخدم اليوم كمقر رئيسي لوزارة التجارة والصناعة الصهيونية ، وما زالوا يعبثون في قبورها التاريخية والتي تضم رفات بعض الصحابة والعلماء المسلمين .

وفي ظل هذه الأحداث ساهمت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو من خلال  إصدار قرار يسمح لسلطات الاحتلال في فلسطين بالإشراف على باب المغاربة وهو أحد أبواب المسجد الأقصى ، وأباحت وأجازت منظمة اليونسكو بذلك لسلطات الاحتلال إجراء الترميمات – حسب زعمهم – في باب المغاربة ، وأعطيت بذلك السلطات اليهودية الشرعية الدولية من أجل إجراء التغيرات الشاملة في ساحات حارة المغاربة وبابه والذي هو جزء من المسجد الأقصى وأحد أبوابه . وهذا القرار يضع باب المغاربة على لائحة التراث العالمي كتراث "يهودي" !! والذي سيتيح لسلطات الاحتلال المضي قدماً في تنفيذ مخططاتها الرامية لتهويد مدينة القدس وتغيير معالمها وطابعها الإسلامي والسيطرة النهائية على المسجد الأقصى ، وفرض أمرٍ واقع لا يمكن رجوع اليهود عنه في أي مفاوضات جارية أو قادمة (4)!!

ومن أساليب التحريف والتزييف في مدينة القدس والمدن والقرى التي احتلها الصهاينة عام 1948 م إزالة وطمس آثار القرى العربية واستخدام حجارتها في بناء المغتصبات اليهودية ، فبلدية القدس تتجنب البناء بالأسمنت المسلح لكي يخيل للزائر أن هذا السور بني من قبل مئات السنين ولكي يعملوا على إعادة استخدام هذه الآثار في تركيب تاريخ يهودي مزور .

لذا كان إهمال الآثار في منطقة القدس والتغاضي عما يحدث فيها من نبش ونهب وسرقة في وضح النهار لقد أطلق الكيان اليهودي العنان للتجار اليهود لممارسة أبشع أشكال التجارة والسرقة غير المشروعة للمعالم الأثرية فلم تبق خربة إلا وعاث فيها اللصوص خراباً وتدميراً. ولم تتبق حارة أو زاوية في القدس إلا وتعرضت لهذه الحفريات وعندما توجد أي آثار إسلامية كانت تلقى الإهمال والضياع والتدمير ولا يتم توثيقها .

فالكيان المحتل يريد لهذه الحجارة أن تصبح حجارة يهودية، ويريد للتاريخ أن يكون تاريخا يهوديا ، سرقوا الآثار لتصبح آثارا يهودية ، يدمرون الآثار كما حدث في جرف حارة المغاربة وحارة الشرف وما حوتها الحارتين من أوقاف ومبان تاريخية وآثار حينما احتلوا شرقي القدس في عام 1967م ، ثم يدعون أنهم يبحثون وينقبون عن آثارهم !!

وبدعوى البحث عن تاريخ القدس يقول "يوسف أبيرام" المتخصص في الآثار من جمعية أبحاث أرض إسرائيل وآثارها(5) مبرراً أفعالهم : "إننا نريد أن  نعرف تاريخ القدس من بداية قيامها كما هو مذكور في التوراة إلى أيامنا هذه" (6)

ويرد على ذلك الإدعاء أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب "شلومو زند" بالآتي : لقد حاولت الصهيونية منذ بدايتها خلق علاقة تاريخية بين اليهود في العالم وهذه الأرض أي فلسطين، في العهد العثماني ثم في عهد الانتداب عن طريق تجنيد التوراة وتحويلها إلى كتاب تاريخي، كان هذا بمثابة القوشان الأول الذي ربطت به نفسها بهذه الأرض وأعطت شرعية للاستعمار، وضعت كل المعجزات جانبا وأبقت على الأساس التاريخي الذي ماذا يقول؟ إن هذه الأرض كانت للعبرانيين القدماء ولليهود !! . وأضاف شلومو زند: " لن أشوه التاريخ من أجل إعطاء الشرعية للاستعمار هنا، أريد أن أشدد على أنني أعتبر هذا استعمارا صهيونيا وأعتقد أن كل المبررات التاريخية كذب وافتراء" (7)!

لم تكتف المؤسسات الاحتلالية بما تقوم به من حفر وهدم وتنقيب ، بل جندت بأموالها لصوصا يقومون بأعمال سرقة منظمة ولهم ارتباطات مع دولة الاحتلال وعصابات خارجية يقومون مجتمعين بتهريب الآثار وبيعها في السوق السوداء والتي تفتح ذراعيها لكل من يبيع التاريخ لشطب جزء من التاريخ تلك الأرض المباركة .

وعرف عن بعض قادة اليهود كوزير الدفاع الصهيوني السابق موشيه ديان تعلقهم بتنقيب الآثار وشرائه للمقتنيات الأثرية ، وقد تعرضت الكثير من المواقع الأثرية الفلسطينية للتدمير وسرقت الأرض ليقام عليها مرافق يهودية حديثة كما حدث في الكثير من الواقع التاريخية والأثرية بالقدس بحجة تطوير السياحة (8)

وكشف الأكاديمي والباحث وأستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب "شلومو زند" مدى الهوس والتخريف التي وصلت إليها مؤسسات الاحتلال  لإثبات علاقتهم بتلك الأرض ؛ يقول : " لكون المسألة صعبة الإثبات من الناحية التاريخية فإنهم يبحثون في الـ DNA، من أجل إثبات أنهم من هنا ، وهناك مختبرات في جامعات القدس وتل أبيب والمعهد التقني تبحث عن DNA يهودي وجندوا الأموال من أجل البحث عن قرابة جينية بين اليهود" . وأضاف : "  لماذا يفعلون هذا ؟! إن الشيء الوحيد المشترك بين يهودي من كييف ويهودي من مراكش ويهودي من لندن هو الدين .. لم يكن هناك أي رابط دنيوي بينهم فقد كانوا يأكلون ويعيشون ويتحدثون بشكل مختلف، عندما نقول شعبا فإننا نعني مجموعة بشرية تجمعها قيم دنيوية مشتركة وليس دينية، عليك أن تدركي أنه حتى في الـ DNA وفي الحفريات الأثرية منذ أن بدأت الهجرة الصهيونية تم البحث عن المبررات الدينية في الأرض وبالأساس في التوراة، إذ كان لا بد من العثور على كل شيء مكتوب في التوراة في الأرض وقد سارت الأمور كما أرادوا بادئ الأمر وكانوا يقولون آه هذه إسطبلات سليمان، آه وهذا في الواقع قصر داود! وفي الثمانينيات والتسعينيات وجد الكثير من علماء الآثار الإسرائيليين ومعظمهم يحملون الفكر الصهيوني أن هناك تناقضات، لا يوجد شيء من هذا القبيل، لا شيء" (9)

لذا صعد الكيان اليهودي عبر مؤسساته العلمية والتراثية نشاطه في عقد المؤتمرات والندوات وتقديم الدراسات لتوثيق ما يزعمون أنها أملاك اليهود في العديد من الدول العربية ، ومصر على وجه الخصوص ، والعمل على إيجاد قاعدة بيانات خاصة بها .

ما سبق يؤكد عدم اكتفاء الصهاينة بادعاء الآثار والتاريخ في القدس وفلسطين  ، بل يتجاوزون ذلك إلى محاولات لتزوير تاريخ المنطقة والعبث به، وإيجاد مبررات لزرع أنفسهم في أي مكان فيها، كالمطالبة بإقامة متحف يهودي في القاهرة بدعوى أن الآثار اليهودية في مصر كثيرة ، على رغم تأكيد علماء الآثار انه ليس لليهود في مصر آثار تستدعي وجود مثل هذا المتحف المستقل ... ولا شك إن مثل هذه المطالبات تأتي في إطار مخططات اليهود ولهاثهم وراء مزاعم وأكاذيب لا أساس لها ، لإيجاد موطئ قدم لهم بيننا .



-  الخداع على صفحات مقدسة، ص84 .

-التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنة 2008 م ، إصدار مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات – بيروت ،  ص 265

3- أنظر المسجد الأقصى الحقيقة والتاريخ ، إصدار مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية . ص110. 

- أنظر : بيان مركز بيت المقدس بشأن قرار اليونسكو ... الذي يساهم في تهويد القدس ، موقع مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية على الشبكة العالمية الإنترنت ، www.aqsaonline.info 

5-  تأسست عام 1913، وهدفها – كما يدعون - إجراء بحوث حول أرض إسرائيل وآثارها !!

6 - مقابلة في قناة الجزيرة ، ضمن البرنامج بعنوان سرقة التاريخ في 18/9/2009م وموقع الجزيرة الفضائية على الشبكة العالمية : www.aljazeera.net

7 -  موقع الجزيرة الفضائية الإلكتروني  www.aljazeera.net مشاركة ضمن البرنامج بعنوان سرقة التاريخ في 18/9/2009م

- أنظر للاستزادة ، المخطط اليهودي لإقامة الهيكل وتهويد القدس ، ترجمة للوثيقة العبرية الصادرة عن سلطة تطوير القدس وبلدية القدس ، ترجمة وإصدار مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية ، (ط1 – 1429=2008م). 

9 - مشاركة ضمن برنامج بعنوان سرقة التاريخ في 18/9/2009م ، أنظر  موقع الجزيرة الفضائية الإلكتروني  www.aljazeera.net

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0