4/14/2010


فضائل بيت المقدس ... وشغف الباحثين اليهود


 

 

فضائل بيت المقدس ... وشغف الباحثين اليهود

 

 

عيسى القدومي

 

 

 

شغف الباحثين اليهود لدراسة كتب الفضائل المتعلقة ببيت المقدس وبلاد الشام ليست ترفاً فكرياً ولا إعجاب بهذه المكانة التي تعلقت بها قلوب المسلمين وحواسهم على مر العصور والأزمان ، بل هذا الاهتمام ينصب في دائرة واسعة تبدأ بمعرفة الماضي واستلهام دروسه والاهتمام بالحاضر وقراءة المستقبل .

فالباحثون اليهود ومؤسساتهم الأكاديمية ومؤرخيهم شغفهم واهتمامهم كبير في الحصول على المخطوطات المتعلقة بفضائل المسجد الأقصى والقدس ، دراستها واستخلاص نتائج خاصة تخدم مستقبلهم ووجودهم على تلك الأرض المغتصبة .  

والمستشرقون من الغربيين واليهود قد أولو كتب الفضائل عناية أكبر بكثير من اهتمام طلبة العلم والأكاديميين من العرب والمسلمين في العصر الحديث ، وقد درس وحقق ونشر الباحثون اليهود (1) عددا من تلك الدراسات ، منها ما قام به  اسحق حسون من تحقيق كتاب الواسطى " فضائل البيت المقدس" ونشره في القدس سنة 1979، كما حقق تشارنز مانيوز الأمريكي كلا من " باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس" لابن الفركاح، و" مثير الغرام إلى زيارة الخليل عليه الصلاة والسلام " لاسحق بن إبراهيم التدمري .

وفي مدى اهتمام اليهود بكتب الفضائل بالذات يقول الشيخ المحقق مشهور حسن آل سلمان:"ولا بدّ من الإشارة إلى أن اليهود نشروا كتباً كثيرة في فضائل الأقصى ؛ ولديهم حبٌّ وولعٌ في اقتناء الكتب في فضائل البلدان؛ لا سيما مكة والمدينة؛ ولديهم دراسات عن مشاعر المسلمين نحو مقدساتهم من خلال كتب الفضائل؛ كي يتبين لهم الخط البياني لنمو المشاعر أو ضمورها، فحينئذ يساهمون في بث ما يؤدي إلى ضمورها استعدادا ً للمعركة " (2)

ويؤكد د. محمود إبراهيم في كتابه فضائل بيت المقدس في مخطوطات عربية قديمة : أن من بين ثلاثة وعشرين شخصاً ممن نشروا بعضاً من مخطوطات فضائل القدس ، أو ترجموها كلياً أو جزئياً ، أو أعدوا دراسات عنها ، العرب هم أقل النِسَب ، إذ كان عددهم ستة أشخاص ، في حين أن السبعة عشر شخصاً الآخرين كانوا من الأجانب ، ومن بين هؤلاء الأجانب نسبة عالية من الكتاب اليهود (3)

دافع هذا الشغف والاهتمام البرهنة على أن مكانة بيت المقدس في الإسلام مكانة ثانوية ؛ ففي كثير من كتابات المستشرقين اليهود أو من هم من أشياعهم خط ثابت لا يتغير هو محاولة بيان أن بيت المقدس ليست لها أهمية كبرى في عقيدة المسلمين !! ويكفينا مثلاً ما خلص إليه الباحث اليهودي سفيان ( E.Sivan )  (4) بأن : " زمان أول الرسائل التي كتبت في فضائل بيت المقدس ومكانها يدفعنا إلى استنتاج لا مناص منه وهو أن القدس لم يكن لها في واقع الأمر تلك المكانة السامية في وعي العالم الإسلامي" (5)

وذلك القول يعد أنموذجاً للموقف الذي يستخلصه الباحثون اليهود بعد دراستهم المستفيضة لكتب فضائل المسجد الأقصى وبيت المقدس وبركة فلسطين وبلاد الشام . ويستوي قول الباحث اليهودي سيفان، مع أقوال زملاءه كقسطر ، وهوشبرج، وجويثاين ، وحسون .. وغيرهم .

وللجامعات العبرية وجيش البروفسورات الذين يعملون في أروقتها دور كبير في إشاعة التهوين من مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين ؛ لقد قام الأساتذة والأكاديميون الذين كلفوا من المؤسسة العسكرية اليهودية بتأدية مهمات مباشرة للبحث والكتابة في الشئون العربية والفلسطينية وقضايا الصراع في المنطقة، وكذلك التحقيق في كتبنا التراثية والمخطوطات التي سرقوها من المكتبات الفلسطينية العريقة بعد أن تمكنوا من احتلال أرضها؛ حيث أصبح من المتعذر التمييز بين أكاديمي أو باحث مدني وآخر عسكري في الكيان الصهيوني، من ناحية الارتباط بالمؤسسة العسكرية، فيغلب على العملية البحثية في الكيان اليهودي طابع « العمل المؤسسي » المرتبط وظيفياً بأداء الدولة وتوجهاتها، حيث ينتمي معظم الباحثين إلى مؤسسات بحثية -رسمية أو خاصة- تعنى بتنظيم نشاطاتهم، وتمدهم بالمعلومات الأولية وبالمعطيات اللازمة لعملهم، ثم تزج بنتاجهم في خدمة المشروع اليهودي ككل.

هذا ما دعا نقابة الجامعات والمعاهد ببريطانيا « يو سي يو » كبرى نقابات التعليم العالي في بريطانيا الذي يضم في عضويته أكثر من (120) ألف منتسب، تبني قرار مقاطعة الجامعات العبرية تضامنا مع الفلسطينيين؛ بل طالب القرار الاتحاد الأوروبي العمل على مقاطعة المؤسسات الأكاديمية العبرية ووقف الدعم المالي لها (6)

لأن الاستقلالية المعرفية للأبحاث الصهيونية ذابت، وتستخدم في حقيقتها كوسيلة صراعية، أي: كسلاح في مواجهة الأمة العربية والإسلامية، والجامعات العبرية تعد الأطر الأكثر اتساعاً في العملية البحثية داخل فلسطين المحتلة، إذ تتوفر لها وفيها الكفاءات والخبرات العلمية والظروف الأكاديمية، فضلاً عن توفر الإمكانات المادية والمعنوية اللازمة لعمليتي التدريس والبحث.

فالجامعة العبرية في القدس تضم مكتبة ضخمة فيها نحو (مليون ونصف المليون) مجلد، ويعمل فيها (60) أمين مكتبة رئيساً وثانويّاً، و(20) كاتباً وموظفاً،  وقد عنيت هذه المكتبة بالحصول على تركات كثير من المستشرقين والباحثين اليهود من مختلف أنحاء العالم، وأفردت داخلها أجنحة خاصة لمكتباتهم ومؤلفاتهم، وفي مقدمة هؤلاء المستشرقين الهنغاري اليهودي الشهير « آجنتس جولد تسيهر »، الذي تضم مكتبة الجامعة مختلف المواد البحثية التي كان يعتمدها أو ينتجها. وكذلك العديد من المراكز والمعاهد كمعهد (بن تسفي للدراسات اليهودية)، وغيره الكثير (7)

فقد ضمت الجامعة العبرية الكثير من تراثنا ومخطوطاتنا ما يندى له الجبين، بل مكتبات كاملة عليها ختم المكتبات الأصلية، ومن هذه المكتبات التي آلت للجامعة العبرية: « مكتبة الشيخ أسعد الشقيري » ( ت 1940م)، و« مكتبة الشيخ الفاضل راغب نعمان الخالدي » مؤسس المكتبة الخالدية (ت 1950م)، و« مكتبة الأستاذ درويش مصطفى الدباغ اليافي » ( ت 1951م )، و« مكتبة أخيه الأستاذ الشاعر إبراهيم مصطفى الدباغ اليافي » ( ت 1946 م )، و« مكتبة الأديب الكبير عجاج نويهض » (ت 1982م)، و« مكتبة أديب فلسطين الكبير محمد إسعاف النشاشيبي » ( ت 1947م )، و« مكتبة الأستاذ خليل بيدس المقدسي » ( ت 1949م )؛ ومنها « المكتبة الخليلية » في القدس؛ والتي أسسها الشيخ محمد بن محمد الخليلي مفتي الشافعية في القدس ( ت1147هـ )، وكذلك « مكتبة العلامة المؤرخ عبد الله مخلص المقدسي » ( ت 1947م)، و« مكتبة آل النحوي » في صفد، وغيرها من المكتبات الفلسطينية العريقة والذي سأفصله في مقال لاحق يتكلم بالتفصيل عن هذه المكتبات (8)

ومن الأمثلة المحزنة لسرقات مكتبة الجامعة العبرية هو: سرقة ذلك المخطوط النادر الذي لا ثاني له في العالم ألا وهو كتاب " فضائل بيت المقدس " لمؤلفه أبي بكر الواسطي في القرن الخامس الهجري، وكان هذا الكتاب ضمن مجموع نادر في " مكتبة جامع أحمد باشا الجزار " في عكا(المكتبة الأحمدية)، وبما أنها نسخة وحيدة ونادرة فقد صورتها دار الكتب المصرية عام (1932م)، ثم أعادتها إلى المكتبة، وفي عام (1948م) احتل اليهود مدينة عكا واستولوا على كنوزها، ثم اختفى هذا المجموع الأصلي، ولم يبرز هذا المخطوط إلا عام (1969م)؛ حيث قام بتحقيقه باحث يهودي هو إسحاق حسون لينال به درجة الماجستير من الجامعة العبرية ثم صدرت مطبوعة عام (1979م) (9) .لقد سرقت هذه المخطوطة من مكانها الآمن في عكا لتستقر في مكتبة الجامعة العبرية (10)

والتبريرات الدعائية التي ينشرها اليهود عبر تلك البحوث دافعها الأول: هو المتطلبات المستقبلية، هذا ما عبر عنه البروفسور أوريال هايد (11) – في دراسة له نشرت عام 1961م عن دافعين للاهتمام الصهيوني بالشئون الاستشراقية أبحاث الصراع، هما : المتطلبات المستقبلية واستيعاب اليهود والشرقيين ... ووعينا بتلك المتطلبات يزيد عما لدى المستشرقين من بلدان الغرب" (12)

 

ولاشك أن هذه الأبحاث والدراسات والكتب التي تصدر وتنشر كذلك بالعربية هي " أبحاث الصراع " وهذا مصطلح مناسب لتلك الأبحاث لأنهم قصدوا منها مقاصد كبيرة وكثيرة منها : تخطيط المستقبل لأنها لاشك من متطلبات إدارة ومعرفة المستقبل  ؛ ولإدارة الصراع بطرق فاعلة وهذا لا يتم إلا إذا حددت كيفية إدارة ذلك الصراع ؛ واستيعاب اليهود والشرقيين بكتابة تاريخ ومعتقدات وأبعاد يتقبلها الشتات اليهودي الغير منسجم ؛ ولتقريب وتعاطف الغرب من اليهود ووجودهم على هذه الأرض المباركة.



1 -   من العلماء الغريبين والعلماء اليهود نذكر :  H. Busse, 1 . Goldziher. A.E. Gruber, E. Sivan, Charles D. Mathews G.E. Von Grunebaum, Guy Le Strange. F. Rosenthal, M.J. Kister, S.D . Goitein, I . Hasson, E, Ashtor.

ومن العلماء الأقدم عهداً من هؤلاء المستشرق الروسي Mednikov  المتوفي ، والدنمراكي Lemming 1817 ، والألماني C.Koenig آخر القرن التاسع عشر ، والبريطاني رينولدز Reynolds 1863 . أنظر : د.كامل جميل العسلي ، مخطوطات بيت المقدس ؛ ص5 .

2 - ندوة بلاد الشام ومستقبل الإسلام ؛ ص 20-21، وأنظر كذلك : مقدمة تحقيق مخطوط " تحصيل الأنس لزائر القدس ، إصدار مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية ،  1431 هـ -2010 م ، ص 27 .

3 - د.محمود إبراهيم ، مخطوطات بيت المقدس في مخطوطات عربية قديمة ، ص 135 .

4 -erature in " Israel oriental studies" ( jan, 1971, p,265)  quds lit E.sivan/ the beginningsof fadail al-

5 - أنظر : د.كامل جميل العسلي ، مخطوطات بيت المقدس ( دراسة وبيبليوغرافيا ) ؛ دار البشير – عمَّان ، 1405هـ -1984م، ص19 .

6 - أنظر : صحيفة الشرق الأوسط ، الجمعـة 15 جمـادى الأولى 1428 هـ 1؛ الموافق  يونيو 2007 ، العدد 10412 .

7 - أنظر للاستزادة : الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل ، ص 104 .

8 - محمد خالد كلاب ؛ المراكز الأكاديمية اليهودية ودورها في سلب تاريخ فلسطين ، مجلة بيت المقدس للدراسات العدد3 ، شتاء 2007 ، ص 89-90 .

9 - تعقب هذا التحقيق الأستاذ عصام الشنطي بالنقد والتمحيص في دراسة وافية نشرت في مجلة « معهد المخطوطات العربية » (مج36 ج1، 2-1992).

10 - محمد خالد كلاب ؛ المراكز الأكاديمية اليهودية ودورها في سلب تاريخ فلسطين ، مجلة بيت المقدس للدراسات العدد3 ، شتاء 2007 ، ص 91-92 .

11-  عمل أستاذاً لقسم الدراسات الشرقية في الجامعة العبرية بالقدس .

12-  الاستشراق ، ص67. نقلاً عن : المستشرقون ومعاهد الاستشراق في إسرائيل في مجلة " شئون فلسطين ( العدد 49) أيلول/ سبتمبر 1975 – ص177، 178 ( عن مجلة همزاح هحداش الإسرائيلية المجلد 11 (ع 1-2) 1961- ص2 .

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0