12/26/2007


الأقصــى ينــادي


فضيلة الشيخ : عبدالله الحماد الرسي - حفظه الله

 

إمام وخطيب -الرياض - المملكة العربية السعودية

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلاعلى الظالمين ، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، اللهم صلي على عبدك ونبيك محمد وعلى أله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد... أيها الناس، اتقوا الله عز وجل، وأطيعوه فيما يأمركم به، واجتنبوا ما ينهاكم عنه، ثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن أبى ذر رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ قال : المسجد الحرام، قلت : ثم أي؟ قال : المسجد الأقصى، قلت : كم بينها؟ قال: أربعون سنة»(متفق عليه)، نعم يا أمة الإسلام، نعرف المسجد الحرام، والمسجد النبوى الشريف، ولكن البعض منا، لا يعرف المسجد الثالث وهو المسجد الاقصى إنه المسجد الذي أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ليعرج منه إلى السماوات العلا، إلى الله جل وعلا، إنه لثاني مسجد وضع في الأرض، لعبادة الله وتوحيده، نعم يا عباد الله، المسجد الأقصى ثالث المساجد المعظمة في الإسلام، التي لا تشد الرحال إلا إليها، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى»(متفق عليه)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، أيها المسلمون، لنعرف المسجد الأقصى، المسجد الأقصى الذي يقع في الأرض المقدسة المباركة، مقر الأنبياء والمرسلين، إسحق ويعقوب إلى أن خرج وبنيه إلى يوسف في أرض مصر، فبقوا هناك، يقال حتى صاروا أمة بجانب الأقباط الذين يسومونهم سوء العذاب، حتى خرج بهم موسى عليه السلام فراراً منهم، وقد ذَكَّر الله سبحانه وتعالى بني اسرائيل بهذه النعمة وذَكََّرَهُمْ موسى نِعم الله عليهم، إذ جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكا وآتاهم ما لم يأته أحداً من العالمين في وقتهم، وأمرهم بجهاد الجبابرة ليستولوا على الأرض المقدسة حيث قال: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم}(المائدة/21)، ولكنهم نكلوا عن الجهاد، قال الله عنهم، {إن فيها قوما جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها}(المائدة/22) وقالوا{يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا أنا هاهنا قاعدون}(المائدة/24)، أولئك اليهود الجبناء، ولنفورهم عن الجهاد ومواجهتهم نبيهم بهذا الكلام، بهذا الكلام النافر، حرم الله عليهم الأرض المقدسة، فتاهوا في الأرض ما بين مصر والشام أربعين سنة، لا يهتدون سبيلا، حتى مات أكثرهم أو كلهم، إلا من ولدوا في التيه، فمات هارون وموسى عليهما الصلاة والسلام، وخلفهما يوشع في من بقى من بني إسرائيل من النشء الجديد، وفتح الله عليهم الأرض المقدسة، وبقوا فيها حتى آل الأمر إلى داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام فجددوا بناء البيت المقدس وكان يعقوب قد بناه قبل ذلك، ولما عصى بنوا اسرائيل عن أمر ربهم وعصوا رسله، سلط الله عليهم ملكا من الفرس يقال له «نبوخذ نصر» فدمر بلادهم وبددهم قتلاً وأسراً وتشريداً، وخرب البيت المقدس في المرة الأولى، ثم اقتضت حكمة الله عز وجل بعد انتقامه من بني اسرائيل، أن يعودوا الى الأرض المقدسة، وينشأوا نشأة جديدة، وأمدهم بأموال وبنين وجعلهم أكثر نفيرا، فنسوا ما جرى عليهم وكفروا بالله ورسله، فسلط الله عليهم بعض ملوك الفرس والروم، مرة ثانية فاحتلوا بلادهم، وأذاقوهم العذاب وخربوا بيت المقدس، وتبروا ما علو تتبيرا، كل هذا بسبب ما وقعوا به من المعاص والكفر بالله العظيم وبرسله عليهم أفضل الصلاة والسلام، وهذه هي عباد الله، هذه سنة الله في خلقه، قال الله عز وجل: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون}(الأنعام/129)، ثم بقي المسجد الأقصى بيد النصارى من الروم، من قبل بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بقي معهم بنحو ثلاث مئة سنة حتى أنقذها الله من أيديهم بالفتح الاسلامي على يد الخليفة الراشد «الفاروق عمر بن الخطاب» رضي الله عنه، وتم ذلك الفتح في السنة الخامسة عشرة من الهجرة فصار المسجد الأقصى بيد أهله وأهل الإسلام بحق، وهم المسلمون الذين بعث الله فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عليه القرآن الكريم الذي قال فيه: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}(النور/55)، نعم يا عباد الله.

 

وبقي المسجد الأقصى بأيدي المسلمين حتى استولى عليه النصارى من الإفرنج أيام الحروب الصليبية في الثالث والعشرين من شعبان، سنة 492هـ، هكذا المسجد الأقصى يا عباد الله، تمر به المحن، دخل النصارى المسجد الأقصى، في نحو مليون مقاتل، وقتلوا من المسلمين نحو 60 ألفاً، دخلوا المسجد الأقصى واستولوا على ما فيه، من ذهب وفضة وكان يوماً عصيباً للمسلمين أظهر النصارى شعائرهم في المسجد الأقصى، فنصبوا الصليب وضربوا الناقوس وحلت فيه عقيدة أن الله ثالث ثلاثة، أن الله هو المسيح ابن مريم والمسيح ابن الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، وهذا والله من أكبر الفتن، وأعظم المحن، وبقي النصاري في احتلال المسجد الأقصى أكثر من تسعين سنة، حتى استنقذه الله من أيديهم على يد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، في 27 سنة 583هـ وكان فتحا مبينا ويوماً عظيما مشهورا، أعاد الله فيه إلى المسجد الأقصى كرامته، وكسرت الصلبان ونودي فيه بالآذان «الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله»، وأعلنت فيه عبادة الواحد الديان، نعم يا عباد الله.

 

ثم إن النصارى أعادوا الكرة على المسلمين، وضيقوا على الملك الكامل «ابن أخ صلاح الدين» فصالحهم على أن يعيد إليهم البيت المقدس، ويخلوا بينهم وبين البلاد الأخرى وذلك في ربيع الآخر سنة 626 للهجرة، عادت دولة الصليب على المسجد الاقصى مرة أخرى وكان أمر الله مفعولا، واستمر كيد النصارى عليه حتى استنقذه الله على يد الملك الصالح أيوب ابن أخ الكامل سنة 642 للهجرة وبقي في أيدي المسلمين، وفي ربيع الأول سنة 1387 للهجرة احتلت الشرذمة الملعونة، احتل اليهود أعداء الله وأعداء الرسل بمعونة أوليائهم. وحلفائهم، وأعوانهم من النصارى والشيوعيين والملحدين، ولا يزال يئن ويصرخ تحت سيطرتهم، ولن تتنازل اسرائيل عن القدس إلا بالقوة ولا قوة إلا بالنصر، {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم}(أل عمران/126)

 

أمة الاسلام، النصر من عند الله العزيز الحكيم، الذي قال وقوله الحق، الذي لا يتخلف ولا يمانع { يأيها الذين آمنوا، إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}(محمد/7)، أيها المسلمون: لا تظنون ولا تحسبون أن نصرنا لله أن نمده بالأموال والأقوال الكاذبة، إن الله غني عن العالمين، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، إن نصر الله عز وجل، أيها الغافلون أيها النائمون، اعلموا أن نصر الله عز وجل لا يكون إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

إن النصر لا يكون إلا بالإخلاص إلى الله والتمسك بدين الله ظاهراً وباطناً، والإستعانة بالله الواحد القهار، بإعداد القوة الجسمية والمعنوية بكل ما نستطيع والنصر من عند الله، نعم يا عباد الله، ولا يكون النصر إلا إذا أردنا بالجهاد إعلاء كلمة الله جل وعلا، لا نريد بها قومية ولا عروبة ولا إشتراكية ولا عنصرية إنما الجهاد في سبيل الله، إذا أريد به إعلاء كلمته عز وجل.

 

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم وحد صفوف المسلمين، ووحد كلمتهم واجمع قلوبهم على الحق يا رب العالمين، واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله الذي جعل السعادة لمن أطاعه واتقاه، والحمد لله الذي جعل النصر والتأييد والعزة والتمكين لمن أطاعه واتقاه، والحمد لله الذي جعل الذلة والشقاوة على من خالف أمره وعصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي رغب في الجهاد في سيبل الله، ولتكون كلمة الله هي العليا اللهم صلى وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آلِهِ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد... أيها الناس... اتقوا الله عز وجل، أيها المسلمون لقد سمعتم ما مر على المسجد الأقصى في المحن والفتن، التي يمتحن الله بها عباده، إن أطاعوه نصرهم وأيدهم وأظهرهم على العدو، وإن عصوه وابتعدوا عن أوامره جعل دولة العدو عليهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، أيها المسلمون، الله جل وعلا يقول: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم، ويثبت أقدامكم}(محمد/7)، نعم يا عباد الله، كيف يكون ذلك؟ والبعض من الذين يدعون الإسلام لا يصلون، والذي لا يصلي كافر كائنا من كان يقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»(أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم)، «وقال بين العبد والكفر ترك الصلاة»(رواه مسلم)، إذاً الكافر يا عباد الله لا ينصره الله بل يهينه، ويخذله، والذي يصلي في بيته قد ترك هدي محمد صلى الله عليه وسلم يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «ولو أنكم صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم»(رواه مسلم)، نعم يا عباد الله، إن البعض من المسلمين لا يستطيع أن يجاهد نفسه فكيف يستطيع أن يجاهد الأعداء، وهو أحبهم من صميم قلبه، البعض من المسلمين الآن يحب الأعداء ويمتدحهم ويقول عندهم النصح، وعندهم الأمانة مع الأسف الشديد، ألا يعلم أولئك المغترون بأن نصحهم وأمانتهم تجارية ليروجوا بذلك بها بضاعتهم، ولتنتبه لذلك أيها المسلم واحذر أن تقع بناقض من نواقض الإسلام، بحب أعداء الإسلام والمسلمين، نعم البعض من الناس يحبهم، والبعض من الناس منحرف إلى أفكارهم، ومتلطخ بسافل أخلاقهم، ثم كيف يستطيع المسلمون أن يطردوا أعداءهم وأولادُهُم الآن يذهبون إليهم يتجرعون صديد أفكارهم، ويرجعون يتقيؤونه بين الذين لا يعرفون، نعم كيف يحاول المسلمون النصر على الأعداء وهم يتقبلون ما يرد منهم من أفلام فاتنة، وصحف مضللة وأغاني ماجنةٍ خليعة، كيف ينتصر المسلمون على الأعداء والبعض من المسلمين الآن في بيوتهم خدم في النصارى والبوذيين والمشركين، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، والبعض من المسلمين يكذبون ويخدعون ويغشون، ويخونون، ويتعاملون بالرشوة، وينتظرون النصر من الله «عز وجل» أجل كيف ينتصر المسلمون على الأعداء، والبعض من المسلمين يحاربون الله ورسوله علانية، بانتشار الربا بيعاً وأكلاً ومعاملة، نعم يا عباد الله كيف ينتصر المسلمون والبعض من المسلمين قد تشبه بأعداء الإسلام، ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله إلينا، حذر من التشبه بأعداء الإسلام وأعداء المسلمين وقال: «من تشبه بقومٍ فهو منهم»(رواه أبو داود) وقد تشبه البعض من المسلمين بأعداء الله ورسوله، تشبه البعض من المسلمين، باليهود والنصارى والمجوس، فحلقوا لحاهم، حلق اللحية يا عبد الله، يا من تهاون بحلق لحيتك، إنها تشبه باليهود والنصارى والمجوس، حلق اللحية معصية لله ورسوله، وقد ورد في الحديث «من لم يأخذ من شاربه فليس منا»(رواه الترمذي)، والبعض من المسلمين عاند وعارض فحلق اللحية وترك الشنبات، البعض من المسلمين، تشبه بأعداء الاسلام باللباس فنحن يا عباد الله الآن في بعض المجتمعات لا نميز بين اليهودي من النصراني من المجوسي من كثرة من تشبه بهم من المسلمين، أحيانا إذا مررنا ببعض المسلمين وشككنا فيه، لتشبهه بأعداء الإسلام نقول له: أنت مسلم، أنت مسلم؟؟!! حتى نسلم عليه، مع الأسف الشديد اختلط الحابل بالنابل يا عباد الله، كيف ينتصر المسلمون، ألا يستحي بعض المسلمين، يبارزون الله بالمعاص ليلاً ونهاراً ويتحدثون بالنصر، وينتظرون النصر من رب العالمين، البعض من المسلمين يمشي في الشوارع والأسواق بصورة خليعة، ترى إحداهن سافرة الوجه بادية الصدر والنحر، كاشفة الذراعين والساقين، مظهرة للجمال والزينة في مرأى من الناس، وتسمع عن ذلك عندما يتم الاختلاط بنساء متفرنجات متبرجات، نصرانيات، مربيات وخادمات، وساعد على هذا التبرج، ما يشاهدونه من أفلام خليعة التي هي بمثابة السموم للنفوس، وهذه الأفلام أسأل الله أن يقطعها بحوله وقوته، وأن يزيلها عن المسلمين، هذه الأفلام تعبث بالعقول وتوقع بالفضول من الأخلاق إنها أفلام تنقش في نفوس النساء، والشباب محبة العشق والميل إلى الفجور وتعلمهم على التسلق والسرقات، وتعلمهم غير ذلك يا عباد الله، بحيث تجعل القلب الخلي سجيناً، يساوره الهموم والغموم، وبعد ذلك تظهر العواقب الوخيمة، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.

 

أمة الإسلام، أمة الإسلام أمة الإسلام، إن أردتم النصر على الأعداء فهيا بنا هيا بنا نتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة نصوحة، هيا بنا نرجع إلى الله عز وجل، هيا بنا ننفض الغبار عن كتاب الله وعن سنن رسوله [ ونرجع إلى سيرة خلفاء رسول الله وإلى سيرة سلفنا الصالح يا عباد الله، هيا بنا نقلع عن المعاصي التي ملأت القلوب وأماتتها، وعلينا بالإخلاص والتمسك بدين الله عز وجل ظاهرا وباطنا، ونستعين بالله الحي القيوم، ونعد القوة الحسية والمعنوية وفي مقدمتها قوة الايمان بالله والتوكل عليه ونعلم أنه لا حول لنا ولا قوة إلا بالله، وأنه حسبنا وهو نعم الوكيل.


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0