4/7/2010


لماذا يؤرقهم تاريخنا ؟! 2-2


لماذا يؤرقهم تاريخنا ؟!

( 2/2 )

 

عيسى القدومي

 

بعد أن حاول اليهود كتابة تاريخ فترة الحروب الصليبية !! وادعاء الوجود اليهودي في تلك الفترة ، واختلاق معاناة عاناها اليهود في ظل الحروب والاحتلال الصليبي !! ووصفها وكأنها حروب عدوانية وقعت على الشعب اليهودي في فلسطين !! وذلك لقصد إثبات استمرار الوجود اليهودي على أرض فلسطين ؛ فقد ساء الباحثون اليهود أن لا يذكر شيء عن اليهود قي فلسطين خلال الحروب الصليبية ، ودفاعهم عن تلك الأرض المباركة !!ومحاولة إثبات " دور يهودي" في المواجهة مع الصليبين ، والزعم بأن معركة حطين على أنها" شأن يهودي" أيضا مثلما هي شأن عربي إسلامي .

الغريب أن يمتد هذا التزييف والتحريف ليصل إلى أيامنا المعاصرة ، حيث قال مناحييم بيغن "أننا نحن الذين حررنا البلد من الحكم البريطاني وأقمنا استقلالنا في أراضينا لصالح كافة الأجيال المقبلة" (1) ويعني بذلك أن اليهود حرروا فلسطين من الاحتلال البريطاني ( 1918- 1948م ) !! وتناسي هذا المخرف الدور البريطاني في تمكين اليهود على أرض فلسطين ، ووعد بلفور وإقامة المغتصبات على الأرض المباركة وتسليحهم !!

مقولات تصل إلى حد الترهات ؛ ولنسأل ذلك المخرف : من الذي تولى تسهيل الهجرة اليهودية وتنشيطها والأخذ بيدها وإسكانها في فلسطين ؟! ومن الذي كان يتصدى لأهل فلسطين ومقاومتهم الهجرة اليهودية ؟! ومن الذي سلح هؤلاء المغتصبين من اليهود ، وبنى لهم المغتصبات وأقام لهم القلاع المدججة بالسلاح ؟! ومن الذي كان يفك الطوق عن المغتصبات التي شيدها في ظل احتلاله - الذي أسموه زورا انتداب - حينما يقاومها أهل فلسطين ؟!

ومن الذي أسكت وتصدى خلال احتلاله لأرض فلسطين ( 1918-1948م ) خمس عشرة ثورة خلال ثلاثين عاما ؟! ومن الذي تولى بقواته ودماء أبنائه الدفاع عن الجالية اليهودية ؟! ومن الذي حمي الهجرة اليهودية ومكِّن اليهود من الاستيلاء على الأرض العربية ؟!

أليست بريطانيا التي تدعي يا بيغن أنكم حررتم أرض فلسطين منهم هي التي مكنتكم ومدتكم بكل مقومات الوجود المعاصر على أرض فلسطين ؟!! ألم تكن اليد البريطانية هي التي كانت تعمل على إجلاء العرب عن أراضيهم وتسلمها  إلى اليهود خالية من أهلها وبيوتها ومساجدها ومقابرها ؟!

ألم يتمكن اليهود عن طريق التحايل والدعم البريطاني والالتفاف على القوانين والأنظمة العثمانية التي كانت تمنع حيازة اليهود للأراضي في فلسطين ، وزرع الموظفين العملاء والسماسرة الخونة ، من اقتناص 650.000 دونم بحجة إنعاش الزراعة وبناء المستشفيات والجامعات ، خلال الفترة الممتدة من  1850م إلى 1920 م (2).

ومن الذي وعد اليهود في عام 1917م  جعل فلسطين وطنا قوميا لليهود  ؟! ومن الذي عمل لتحقيق   هذا الوعد ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني (3)  الذي قَدَّمَ كامل التسهيلات للنفـوذ والهجـرة اليهـوديـة ؟! وكان العـرب حيـنـذاك يُشكلون  95 % من السكان . ومن الذي عين اليهودي "هربرت صموئيل" (4)  في عام 1920م منصب المندوب السامي البريطاني في فلسطين؟!

ألم تسمع يا بيغن بالكتاب الأبيض والذي أصدره ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني في يونيو 1922 وأكد فيه أن الشعب اليهودي موجود في فلسطين كحق لا كَمنّةٍ ووعد بمنحِ البلاد حُكماً ذاتياً ، ونوه بضرورة زيادة عدد اليهود بالمهاجرة " (5).

وهل كان اليهود يملكون أكثر من 1% فقط من مساحة فلسطين عند بداية الاحتلال البريطاني ؟! ثم فتحت بريطانيا خلال احتلالها لفلسطين عام 1918- 1948م الأبواب للهجرة اليهودية فتضاعف عدد اليهود من 55 ألفاً سنة 1918 إلى 646 ألفاً سنة 1948 - أي من 8% إلى 31% من السكان - كما دَعَمَتْ تَمَلُّكَ الأراضي فتزايدت مِلكيَّةُ اليهود للأرض من نحو نصف مليون دونم - 2% من الأرض - إلى نحو مليون و800 ألف دونم - 6.7% من أرض فلسطين (6).

ألم يتمكن اليهود تحت حماية الحراب البريطانية من بناء مؤسساتهم الاقتصادية والسياسية والتعليمية والعسكرية والاجتماعية، وفي سنة 1948 كانوا قد أَسَّسُوا 292 مُستعمرة  " (7).

ألم تقرأ الإحصاءات الرسمية التي وثقت مجموع ما استولى عليه اليهود إلى يوم انتهاء الانتداب البريطاني في 15 مايو 1948 بنحو مليوني دونم أي نحو 7% من مجموع أراضي فلسطين (8).

ألم يؤكد "روجيه غارودي": أن الصهاينة أيام وعد بلفور عام 1917 م كانوا لا يملكون إلا 2.5 % من الأراضي . وعندما تم تقسيم فلسطين بين العرب واليهود ، كانوا يملكون 6.5 % منها " (9)

ولعلك يا بيغن لم تسمع بهنري فورد – المليونير العالمي – في كتابه اليهودي العالمي الذب أكد "أن إدارة الانتداب البريطاني كانت يهودية ومن المتعذر على أي ناطق يهودي مهما افتقر إلى الشعور بالمسؤولية أن ينكر الحقيقة الواقعة وهي أن إدارة فلسطين يهودية ، فالحكومة فيها يهودية ، وإجراءات العمل يهودية ، والأساليب المستعملة يهودية . ولا ريب في أن فلسطين تقدم الدليل على ما يفعله اليهود عندما يصلون إلى الحكم"  (10)

ويضيف تحت عنوان "اقتناص الأراضي" أنه : " لو عرف العالم حقيقة الأساليب التي اتُّبعت لاغتصاب أراضي فلسطين من أهلها العرب في الأيام الأولى من الغزو الصهيوني، أو لو سُمِحَ لهذا العالم بمعرفتها ، لَعمَّه السخط والاشمئزاز ، ولا ريب في أن هذه الأساليب كانت تجري بمعرفة صموئيل المندوب السامي اليهودي وتأييده " (11)

لاشك أننا أمام تزييف حقيقي للتاريخ المعاصر ، حيث أصبح الكذب على تاريخ هذه الأمة وتزييف حقائقه الماضية والمحاضرة خطا مستمرا ينمو مع الأيام ، نعم كان ساذجا في البداية ، ولكنه تعقد مع الزمن ، فأصبحت له قواعده وأصوله وأساتذته ومراكزه وجامعاته .

 

والتأريخ الذي نحن بحاجة له لا تأريخ اليهود والصهاينة ، ولا المؤرخون الجدد" (12)، ولكننا بحاجة إلى تاريخ عربي إسلامي للأحداث المعاصرة وبحاجة إلى رواية ووثائق عربية رسمية تقدم للباحثين والمؤرخين .

وبحاجة إلى روايات دقيقة موثقة ( لدحض ) أكاذيب اليهود التي انطلت على الكثير بل أصبحت مسلمات لا مجال لإنكارها أو التشكيك فيها ، وهذا ما يدعونا إلى معرفة التحدي الذي نواجهه ، تاريخ يسرق ويتم الاستحواذ عليه قطعة قطعة ، وحجرا حجرا ، إنهم يعاقبون أمتنا بالتدمير والتفكيك ، وسرقة ذاكرتها وسلب روحها وتحويلها إلى أمة بلا تاريخ .

حقاً أنكم يا يهود بارعون في الكذب والتزييف والتحريف ؛ والحقيقة المُرة أن مأساة فلسطين وما حل بأهلها "تاريخ لم يُكتبْ بعد "، فما  حدث في فلسطين من اقتلاع شعب من أرضه ، وإحلال شتات اليهود في مساكنهم  وممتلكاتهم وأرضهم ، وهم لا يزالون يحملون مفاتيح بيوتهم وينتظرون العودة لها... ، ما زال يدور حول هذا التاريخ الكثير من الأكاذيب ، لأنه إن كُتب فَيُكتبُ بأيدٍ يهودية مُنطلقها: " إذا أردت أن تقتلَ عدواً لا تُطْلق عليه رصاصةً بل أُكذوبة" (13)

 

ما سبق يوضح الأسباب التي تدفع الباحثين والمستشرقين الصهاينة إلى التوغل في أعماق غابات الكتب الصفراء, قراءة وتحقيقا واستخلاصا. واليهود يدركون أن النصر قادم للمسلمين ويعملون لإبعاد موعده ما استطاعوا ؛ ولا شك أن سيرة قادة المسلمين الذين حققوا فتحا ونصرا في القدس وفلسطين تؤثر في عقول قادة اليهود وباحثيهم ومؤرخيهم ، لهذا درسوا سيرهم وأحوالهم وسر نجاحهم وتحقيقهم النظر والظروف والبيئات التي عاشوا فيها .

ونؤكد أن الإغراض الدعائية والتضليلية التي انتهجها الباحثون اليهود في حشر اسم اليهود وإقحامهم في المواجهة مع الصليبين والبريطانيين , ليظهروا كما لو أنهم كانوا طرفا رديفا للعرب المسلمين في هذه المواجهة ، دفعتهم إعادة كتابة التأريخ وصياغته من جديد !!

فالإسلام وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وصلاح الدين الأيوبي - رحمه الله – يمثلون رُعباً حقيقياً لليهود ، ويخشون أن يضاف لأسمائهم أسماً جديدا يجدد أمر الدين في النفوس ويحرر الأرض المسلوبة والمسجد الأقصى من براثن اليهود .

لذا عمل الباحثون اليهود جهدهم للتشكيك في سيرهم وفتوحهم ومكانتهم !! وادعى بعضهم أن عمرً رضي الله عنه لم يفتح بيت المقدس ومنهم من زعم أن لليهود لهم دور في رد الحروب الصليبية !!

ومصيبة يهود اليوم كما هم يهود الأمس أن صفاتهم التي تأصلت في نفوسهم ما دموا يهود ثابتة في أوضح وأفضح كتاب فضح اليهود وكشف سوآتهم وعرى مخازيهم، ولله الحمد أن هذا الكتاب خالد باقٍ محفوظ من التحريف والتبديل، يتلى آلاء الليل وأطراف النهار ، باقياً وفاضحاً لليهود ، وهو القرآن الكريم ، والذي بلغ فيه الحديث عن بني إسرائيل واليهود في نحو خمسين سورة من سور القرآن الكريم .



1 - من خطاب مناحيم  بيغن – رئيس وزراء الكيان الصهيوني -  الموجه إلى مصر الشعب المصري في 11/11/1977 م بعدما أعلن السادات استعداده لزيارة القدس ، أنظر : خرافات يهودية لأحمد الشقيري ، ط – الكترونية ، ص 16 .

2  - أنظر للاستزادة : فلسطين وأكذوبة بيع الأرض ، لـ عيسى القدومي ، ص 21-33 ، تهويد فلسطين ، إعداد وتحرير إبراهيم أبو لغد ، ص 140 . د.هدى درويش ، العلاقات التركية اليهودية وأثرها على البلاد العربية ، ص 177 . د.هند البديري ، أراضي فلسطين بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ ، ص 38-140. وكذلك الفصل الثالث بأكمله. 

3 - وهي في الواقع حكومة احتلال وليست انتداب ، وُجدت لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين تنفيذًا لوعد بلفور .

4 - "هربرت صموئيل" : هو أحد أبرز صهاينة بريطانيا ، وأحد صانعي وعد بلفور ، وقد كان وزيرا للداخلية البريطانية عند إصدار وعد بلفور .

5 - "الوثائق الرئيسة في قضية فلسطين " المجموعة الأولى 1915 – 1946 ، إصدار جامعة الدول العربية القاهرة 1957 م .

6 - د. محمد محسن صالح ، الحقائق الأربعون في القضية الفلسطينية  ، إصدار صحيفة السبيل الأردنية ، الطبعة الأولى 1425، عمان ، هـ- 2004م ، ص15. كذلك انظر الجدول رقم ( 1 ) .

7 - د. محمد محسن صالح ، الحقائق الأربعون في القضية الفلسطينية ، ص15.

8 - محمد أمين الحسيني ، حقائق عن قضية فلسطين ،  ص 12 .

9 - روجيه غارودي ، الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية ، ترجمة حافظ الجمالي – صياح الجهيم ، بيروت : دار عطية للنشر ،1996 م ، الطبعة الثانية ، ص 192- 193.

10 - هنري فورد ، اليهودي العالمي ،  دار الآفاق الجديدة - بيروت ، ص 152 .

11 - هنري فورد ، اليهودي العالمي ،  دار الآفاق الجديدة - بيروت ، ص 154 .

12 - المؤرخون الجدد : هم مجموعة من المؤرخين اليهود الداعين إلى مراجعة تاريخ الصراع العربي- الصهيوني على ضوء الوثائق التي أفرج عنها الكيان اليهودي - بعد مضي ثلاثين سنة- ويعملون على إعادة النظر في الروايات التي ترادفت مع قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين ، من خلال مراجعة الصيغة التاريخية الرسمية ، وتنقيتها من الأكاذيب ومن حيل الحرب النفسية التي تحولت إلى مسلمات في الطرح الصهيوني!!  .

ويعتبر بني موريس نفسه مؤسس حركة "المؤرخون الجدد" ، وهو من المؤرخين المعروفين وأستاذ التاريخ في "جامعة بن غوريون"  ، و "يوسي بيلين"  و اسرائيل شاحاك و" ايلان بابيه " و " زئيف ستيل نهيل " ،و "موشي سميش" و "سيمحا فلابان"  و"بار يوسف"  وأروي رام وسامي سموحا وباروخ كيفرلنج وتامار كارتيال وسارا كازير وجيرسون شافير وبارون ازراحي وشلومو سويرسكي وتوم سيجيف ويناثان شابيترو يورين بن اليعازر وباجيل وايلا شوحات وآفي شلايم وايلان باي وغيرهم . للاستزادة : أنظر مجلة بيت المقدس للدراسات الصادرة عن مركز بيت المقدس للدراسات ، العدد الثاني ؛ صيف 2006م ، بحث بعنوان : حقيقة المرخون الجدد ص 42-59 . وكتاب : يهود يكرهون أنفسهم ، للدكتور محمد أحمد النابلسي دار الفكر دمشق 2003م .

13 - عيسى القدومي ، فلسطين وأكذوبة بيع الأرض ، إصدار مركز بيت المقدس للدراسات التوثيثية ، ط1 ( 1425هـ - 2004م ) ؛ ص 14 .

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0