12/26/2007


نداء القدس ودروس التاريخ.


 

الشيخ : صالح بن عبدالله بن حميد

 

إمام وخطيب المسجد الحرام - المملكة العربية السعودية

 

الجمعة 28 ربيع الأول 1418هـ

 

الحمد لله ربنا لم يزل بالإنعام منعماً، وبالإحسان محسناً، أحمده سبحانه وأشكره، يغفر ذنبنا، ويجبر كسرنا، ويغيب لهفنا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، هو ربنا ومولانا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبدالله ورسوله، بعثه ِمنا فضلا منه ومَناًّ، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فأبدل خوفهم أمنا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد :

 

فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله -عز وجل- فاتقوا الله ربكم حق تقاته وأحذروا بطشه ومقته، فهو معكم أينما كنتم.

 

أيها المسلمون :

 

التأريخ يعيد نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة، وما أكثر العبر، وأقل الاعتبار، إن الأمة التي لا تقرأ تأريخها، ولا تستفيد من ماضيها لحاضرها ومستقبلها لهي أمة مقطوعة مُنبتة، فالماضي والتأريخ ليس مفتاحاً لفهم الحاضر فحسب ، بل هو أساس من أسس إعادة صياغة الحاضر، وبناء المستقبل، وكتاب ربنا قد بسط لنا من أحوال الماضي، وقصَّ علينا من قصص الغابرين، لأخذ الدروس واستلهام العبر {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}(سورة يوسف/111) {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون}(سورة يونس/14).

 

أيها الأخوة...إن سجل التأريخ هو المنار المرشد الذي يهدي به الله ربان السفينة فيجنبه الصخور المدمرة، في قاع البحار، ويقيه الأمواج العاتية فوق سطح المياه، وإن واقع الأمة اليوم في كثير من بقاعها وأصقاعها، وأحوالها وأوضاعها، يستدعي النظر والاعتبار ، ولو أن المسلمين استوعبوا دروس الماضي لما أخطؤوا في كثير مما أخطأوا فيه، والذي ينظر في تغيرات الأمم في مللها وأخلاقها، ويتأمل في تقلبات الدول في سياساتها، واقتصادها هو أقدر على تفهم الحوادث الماضية، والتي هي صورة مكررة أو مشابهة لكثير من الواقعات المعاصرة.

 

أيها الأخوة ... يسهل الدرب، وتتضح العبارة، وتتجلى الصورة، حين تنظر الأمة إلى ماضي تاريخها، لا في تأريخ غيرها وحين تكون التجربة قد مرت بها لا بغيرها، ومن أجل هذا فهذه دروس ووقفات مع تأريخ عجيب، ودرب ثقِيل، وتجربة مرة في الفردوس المفقود، في أرض بقي فيها المسلمون ثمانية قرون، ثم خرجوا منها بل وأخرجوا، وكأن لا أثر فيها ولا عين، فمن الذي أدخلهم ومن الذي أخرجهم ؟!

 

ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار، وتوشك أن تصبح الليلة كالبارحة، إنهم أسلافنا وأجدادنا، في بلاد الأندلس، دخلوها بالإسلام فاتحين، وبالعقيدة مستمسكين، ومن معالي الأخلاق متمكنين، لأوامر ربهم متبعين وعن مناهيه ومساخطه مبتعدين، فكيف دخلوا؟

 

يقول أحد النصارى: في رسالة بعث بها إلى ملكه يصف فيها جيش المسلمين الذين عبروا إلى بر الأندلس بقيادة طارق بن زياد: لقد نزل بأرضنا قوم لا ندري أَهَبَطوا مِنَ السماءِ أم نَبَعَوا مِنَ الأرض؟

 

إنهم الملوك والقادة: موسى بن نصير، وطارق بن زياد، والسمح بن مالك، وعبدالرحمن بن الحكم، وعبدالرحمن الغافقي، في كوكبة من القادة والسادة، فها هو عبدالرحمن الداخل «صقر قريش» ينزل من البحر، فتهدى إليه جارية بارعة الجمال، فينظر إليها ويقول: إن هذه لمن القلب والعين بمكان، وأنا إن لَهَوت عنها بهمتي ومهمتي ظلمتها، وإن لهوت بها عما أطلبه ظلمت همتي ومهمتي، ثم قال: والله لا حاجة لي بها، لقد كان المسلمون في الأندلس في عزة وقوة ومنعة ووحدة وتماسك على هذا النهج.

 

يذكر ابن عذاري: أن المنصور بن أبي عامر ،كان يسهر على مصالح رعيته، وكانت متابعته لأمور رعيته تستنفذ كل وقته، حتى إنه كان لا ينام إلا سويعات متفرقات، فقيل له : لقد أفرطت في السهر، وبدنك يحتاج إلى نوم أكثر من هذا. فأجاب: إن الراعي لا ينام إلا إذا نامت الرعية، ولو استوفيت نومي لما كان في بيوت هذا البلد العظيم عين نائمة.

 

هذه هي صورة القوة، وحسن الرعاية، وصدق الحماية، وحفظ البلاد، ولقد بقوا على ذلك قرونا طوالا، محافظين على دينهم، معتزين بإسلامهم، متوحدين في كلمتهم، يُجسِّد ذلك قول بعض المؤرخين من المسلمين:«بقينا في الأندلس ما بقينا مع الله، وضاعت الأندلس منا لما أضعنا دين الله».

 

لقد بدأت عوامل الضعف بإنحلال الدولة الأموية الواحدة الكبرى إلى دويلات ، وملوك وطوائف، تنافس فيها أصحابها على السلطة، وتناحروا من أجل كراسي الحكم، فانتشر بينهم الغدر المستحكم، والخصام الدائم، والكيد المستمر، فلا همَّ لأحدهم إلا تحقيق مصالحه الذاتية، وإشباع أنانيته المفرطة، وكأن الأندلس إنما وجدت لمصلحته الخاصة، مهما كان ذليل المكانة مهزوز القواعد.

 

إن كل تقدم حضاري، وسمو فكري، وثقل سياسي، وارتفاع معنوي، وعز سلطاني، إنما مرده إلى التمسك بدين الله، مرهون بمقدار الالتزام بشرع الله، والبعد عن الحياة اللاهية، والمجون السافر، والحقوق المهدرة.

 

ويقول ابن خلدون: «إذا تأذن الله بانفراط الملك في أمة، حملهم على ارتكاب المذمومات، وانتحال الرذائل وهذا ما حدث في الأندلس ، وأدى إلى ضياعها».

 

بل لقد أدرك ذلك كاتب من الخصوم يُدوِّن لذلك العصر، فهو يقول: «العرب هووا وسقطوا عندما نسوا فضائلهم التي جاؤوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب، يميلون للخفة والمرح، والاسترسال بالشهوات»، ألا ما أكثر العبر، وأقل الأعتبار، ماذا عملت كثير من وسائل الإعلام الاسلامية اليوم ؟!

 

وكتاب ربكم يقول: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا}(سورة الإسراء/16).

 

نعم أيها الإخوة ..... إن سنن الله في الأمم لا تختلف، بل لقد ذكر ابن حزم شيئا خطيرا في بيان الحال التي وصل إليها حكام دويلات الأندلس، في سبيل مصالحهم الذاتية، وما يقدمونه للأعداء من تنازلات خطيرة، حتى قيل «والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية لأمورهم لبادروا إليها، قال: فنحن نراهم يُمكِّنون الأعداء من حرم المسلمين وأبنائهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعا فأخلوها من الإسلام، وعمروها بالنواقيس، فلا حول ولا قوة إلا بالله».

 

أيها الإخوة: إن التأريخ دروس وعبر، لقد انحرف هؤلاء الأسلاف عن دين الله، ووالوا أعداء الله، وتركوا الجهاد في سبيل الله، وقعدوا عن الدفاع عن حرمات المسملين وديارهم، وابتعدوا عن أسباب التآلف والاتحاد، وحلت الأثرة، محل الإيثار، ثم من بعد ذلك تكالبت عليهم القوى المعادية، فتمكنت منهم ومزقتهم شر ممزق.

 

أيها الإخوة... هل من مدكر ؟!

 

إن نصوص الشرع ودروس التأريخ تذكر: إن العرب والمسلمين بغير إسلام لا قيام لهم، وإنهم بغير الدين لاعز لهم، فالإسلام وحده ولا شيء غيره، هو الذي يربى ويبني ويذكي ويقوي ويزرع العزة والمسؤولية، {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون}(سورة المنافقون/8).

 

ولقد جسد ذلك عمر رضي الله عنه في مقولته المشهورة:«لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، ومهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله»(السلسلة الصحيحة للألباني/51).

 

يا قومنا: لقد ابتغى طوائف من قومنا العزة والنصر والوحدة بغير دين الله، ابتغوها في القوميات، والوطنيات، وفي البائد الفاسد من الأحزاب والانتماءات، فماذا كانت النتيجة ؟! إنها الذل، ولا أبلغ من كلمة «الذل» وواقع الذل في كثير من الأنحاء والجنبات.

 

إن قضايانا في قدسنا ، وفلسطيننا ، وكشميرنا، ومواقع أخرى، اختزن فيها الذل في ظل نداءات غير إسلامية، وواقعنا شاهد عليه، أبواق كانت تنفخ كاذبة ، وتتاجر، بتلك القضايا قاطعة، ترعد وتزبد، وتحذر وتخبر بالوعود الوهمية، بينما كانوا يقولون وينادون «بتحرير كل شبر من الأرض» «وتحرير كل حبة من الرمل»،«والنضال حتى أخر قطرة من الدم» في نداءات وادعاءات صرخوا بها ونفخوا بها، فما رأيت إلا هباء ورمادا.

 

إن العرب والمسلمين حين ينبذون الإسلام وراءهم ظهريا، فإنهم والله الذي لا إله غيره-لينتحرون انتحارا، ويطرحون سعدهم ومجدهم، وطاقتهم وقوتهم ومن أجل استيعاب الدرس، والوقفة الصادقة من أجل انطلاقة مثمرة، فلنتأمل إن كثيراً من الكتاب والمفكرين والمحللين والإخباريين الذين يتحدثون عن قضايانا في قدسنا وفلسطيننا وكشميرنا، وكل حقوقنا ومغتصباتنا هل سمعتم أحدا منهم يتحدث عن الله ؟ وعن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ؟!

 

هل تحدث أحد منهم عن أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل بيت المقدس وتسلم مفتاح المدينة من النصارى وليس من اليهود ؟!

 

ما تحدث متحدث منهم عن أصلنا الديني، وتأريخنا الإسلامي، لا يتحدثون إلا عن كنعان، وميراث كنعان، ألا بعداً لكنعان كما بعدت ثمود. إن خصومنا هم بني إسرائيل، وأتباع التوراة، وأما بنو قومنا هؤلاء فيا ترى هم بنو من ؟!

 

إن كثيراً من بني قومنا لا ينادون إلا باسم الأرض وحق كنعان، وبالله الذي لا يحلف بغيره إن إدارة المعركة على هذا النحو ما هو إلا ضلال استعماري مرسوم، وقع فيه من وقع في محنة نفسية وعسكرية وسياسية، لن ينالوا -والله- من ورائها خيراً، بنو إسرائيل يديرون المعركة ويعقدون ويبرمون، باسم الدين، وباسم التوراة، وباسم التلمود، ويتنادون إلى أرض الميعاد، وثلة من بني قومنا يتنادون بعلمانية وكنعانية!

 

إنهم لا يذكرون محمداً صلى الله عليه وسلم ولا عمر الفاروق، ولا صلاح الدين، ولا شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا محمداً الفاتح، ولا التأريخ المجيد كله، مشحونين بالاستعمار العالمي الذي ألغى الدين، وجعل الشعوب تتنادى بالوطنية والقومية، وما جنوا من ورائها نقيراً ولا قطميراً، يخرجون الإسلام من الميدان، ويبقى الذين يتنادون بالتوراة وحدود التوراة وآمال التوراة ووعود التوراة.

 

نظرة إلى الواقع الأليم في كثير من أجزاء الأمة وبقاعها، وفي رؤوس كثير من مفكريها ومثقفيها، وساستها ومنظريها تكتشف كم بعدت الشُقة بين هؤلاء وبين شريعة ربهم، وللعلم إن مناهج التربية تفرض عليهم من وراء حدود ويتحكم فيها أعداء الإسلام كما يشاؤون، وإعلامهم لا يهتم إلا بإثارة الغرائز، وبث الفرقة ونقل تفاهة الغرب ومجونه.

 

هل على الفيلم الخليع والغناء الرقيع والرقص الماجن تربى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؟! مفكرون ومثقفون ومنظرون لايعتمدون على الدين في التربية، ولا يتبنونه في تشريع، ولا يوثقون به رباطا، ولا ينطلقون منه في تضحية.

 

ودرس آخر ثقيل وموقف من الذلة شديد أيها الإخوة !

 

لقد أصابنا يهود في ديننا، ونبينا، وقرآننا ،ومقدساتنا، وأنفسنا، وديارنا ، كلما تقدم معهم المفاوض خطوة باتجاه السلام المطبوع، زاد توجيه الإهانات منهم، وألوان الاحتقارات وصور الإذلال للمشاعر والشعائر والمقدسات، لقد حرقوا المسجد الأقصى، وحفروا من تحته الأنفاق، وصادروا الأراضي، وبنوا مغتصبات سموها مستوطنات، ثم تطاولوا وتطاولوا ..... حتى داسوا القرآن ومزقوه تحت أقدامهم، وأهانوا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بصورهم ورسومهم.

 

إنه درس التاريخ القديم والحديث، وإن نصوص شرعنا التي تزيدنا تمسكا بكتاب ربنا، وصحة طريقنا، وإيقانا بوعد القرآن ووعيده {والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيراً}(سورة النساء/45). هؤلاء هم اليهود بطبعهم وخلقهم، هم شاهدون على أنفسهم في الماضي والحاضر فلا يقال هذا تجنيا، ولا تزايدا، ولا ادعاء، ولا استعداء، لقد آذوا موسى عليه السلام من قبل، ورموا مريم البتول العذراء -عليها السلام- بالإفك والبهتان، وقتلوا الأنبياء وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، وحاولوا قتل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتآمروا عليه وما انفكوا طوال تاريخهم يكيدون للشعوب، أحلو الربا، وروجوا الفسوق وأكلوا أموال الناس بالباطل.

 

اسمعوا كتاب ربكم وهو يحدثكم: {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً، وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ..... «إلى قوله سبحانه وتعالى» فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل}(سورة النساء/155-161) نعم، لقد أصابوننا في ديننا، ونبينا وقرآننا، ومقدساتنا، وأنفسنا، وديارنا.

 

إن العقل والمنطق والحكمة يقتضي أن يراجع ذوو الشأن من قومنا تلك المماطلات والمماحكات في المفاوضات، ويعلنوا موقفا واضحاً من السلام الشامل والعادل الذي يعيد المغتصب، ويخرج المحتل، ويرد المشردين، ويخرج المعتقلين، ولابد من ربط السلام بالإسلام، فبالله نحلف، إنه لن يقوم سلام ما لم يحترم الإسلام، ويعرف له قدره، في الماضي والحاضر والمستقبل، أما أن يستمر اليهود المحتلون يبنون ويحرثون ويزرعون ويمتدون ويغتصبون، تحت وابل القذائف اللفظية العربية الثقيلة التي لا تحرر أرضاً، ولا تعيد حقاً، ولا تحمي طفلاً، ولا تبني بيتاً، ومجلس الأمن الذي يضرب بحق النقد كل ما يعارض مصالح المحتلين، فهذا مالايمكن أن يحقق سلاماً، ومن جانب آخر، فإن الإنصاف يقتضي القول الجازم العاقل : أنه لايمكن أن يكون القتل العشوائي طريقاً للسلام ولا يكون الاعتداء على غير الغاصبين المحتلين طريقاً للسلام، لكن لابد أن يعلم الجميع أن الكبت لابد أن يولد انفجاراً، وأن طمس الحقائق لابد أن يولد عنفاً، يجب أن يعي كل عاقل أن هناك حدوداً للقهر والظلم، فلا تضيعوا فرص السلام الحقيقي العادل، وإن الأمة ستغار على دينها، وتثأر لكرامتها، ولا يمكن أن تكون القضية نهباً لعمليات الطرح والقسمة على موائد الطامعين واللئام، وإنها ليست ورقة باهتة يلقى بها على موائد المفاوضات، إنها قضية كبرى تتمرد على الوقت الذي تحصره كتابة سياسية، أو تحليل آني، إنها بقعة مباركة من أرض الله، وديارا للمسلمين تمتد في تاريخ الأمة الإسلامية جمعاء، وتتصل في جذورها، وضمائر أجيالها.

 

إن قصر مسئول أو تقاعس جيل فإن القضية أكبر من ذلك وأخطر، إنه نداء متصل من أجل إنصاف القضية، وإقرار العدل على الأرض والشعب والقضية، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين}(سورة آل عمران/137-141).

 

نفعني الله وإياكم بهدى كتابه، وسنة نبيه [، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إن ربي قريب مجيب.

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله وحده، لا شيء قبله ولا شيء بعده، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد...

 

فيا أيها الأخوة: رغم مظاهر القتامة والعتامة، التي توحي بها مشاهد الحاضر المهزوم، والمستقبل الغامض المأزوم، ورغم تكدس معالم الفشل في كثير من الأنحاء في ظل الانحراف الفكري المنهزم، رغم كل هذا فإن المسلم المتعلق بربه المؤمن بوعده ووعيده، والمتبصر بالسنن، ونواميس الكون يرى من وراء ذلك فتحاً قريباً، ليس هذا تحدثا من سياسة قاصرة، ولا من منطق وهم ذاهل ولا هو من معطيات واقع مرير، ولكنها روح الأمل الدافع والفأل الدافق الذي تغرس في أهل الإسلام حقائق الوحي، وهدايات النبوة المحمدية الخاتمة، وشواهد التأريخ لن تضيع -بإذن الله- قدسنا، ولا فلسطيننا، ولن تضيع قضايا وراءها مسلمون مؤمنون.

 

إن القرآن الكريم والسنة المطهرة والتأريخ المحفوف يحدثنا وينبؤنا أن أمة الإسلام أمة متجددة موعودة كالغيث لا يدري الخير في أوله أو في آخره، إنها أمة غير منقطعة، بل متصلة، مستمرة بإذن الله تعالى، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لايضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى»(متفق عليه) لا تضعف في جانب إلا وتقوى في جانب، ولا تنهزم في ناحية إلا وتنتصر في أخرى.

 

استقراء التأريخ يؤيد ذلك، من خلافة راشدة، ثم دولة أموية وعباسية وبعدها دول من بعدها دول والهجوم على ديار الإسلام يقيض الله له من يرده على أعقابه من التتار والصليبين وظهر الغزنويون في الهند والأفغان، واستعصت «القسطنطينية» على الأمويين، ولكنها فتحت للعثمانيين بعد ما يزيد على مدى سبعة قرون، فتحققت بشارة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  وحين خرج المسلمون من الأندلس كان الإسلام قد توغل في أقطار إفريقيا، وشرق أوروبا، وفي جنوب شرق آسيا، وفي جزائر أندونيسيا.

 

ألا فاتقوا الله، رحمكم الله، فهذا هو التأريخ، وهذه دروسه، وتلك هي سنن الله، في الغابرين والحاضرين، فأبشروا وأملوا وبدينكم فاستمسكوا به، وربكم غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ثم صلوا وسلموا على نبي الرحمة والملحمة، فقد أمر بذلك ربكم، فقال عز قائلاً عليماً: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً}(سورة الأحزاب/56)، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وَعَنّا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، وارحم حوزة الدين، ودمر أعداء الملة، وجميع أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك الصالحين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة، التي تدله على الخير وتعينه عليه واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك صلى الله عليه وسلم واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين، اللهم انصر إخواننا المجاهدين، الذين يجاهدون في سبيلك، لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كشمير وفي كل مكان يا قوي يا عزيز، اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم، يا قوي يا عزيز، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

 

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون (سورة النحل/90)، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون(سورة العنكبوت/45)ا.هـ.


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0