2/25/2010


باب العامود صرح تاريخي لمدينة القدس


باب العامود صرح تاريخي لمدينة القدس

 

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه إما بعد:

إن القدس تلك المدينة العريقة في التاريخ والموغلة في القدم . والتى قدسها الله وباركها في كتابه العزيز حيث قال {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الإسراء1 وشهادة الله هي أعظم الشهادات .

لقد بنيت القدس حوالي 4000 قبل الميلاد بناها اليبوسيون وهم فرع من القبائل الكنعانية العربية على جزء من موقع القدس والتي أطلقوا عليها اسم يبوس .

ولقدم هذه المدينة وعراقتها فإنها تحتوي على نفائس تاريخية مهمة وكثيرة ومن هذه النفائس الإرث التاريخي المسمى باب العامود فهو من أهم معالم مدينة القدس وهو أحد مدينة القدس القديمة (وتسمى الآن القدس الشرقية) بفلسطين. ويكتسب الأهمية كونه المدخل الرئيسي للـمسجد الأقصى وحائط البراق، ومنه  إلى سوق تجاري ويسمى سوق باب خان الزيت ومنه نتفرع إلى أسواق عدة منها سوق العطارين وسوق اللحامين وسوق القطانين وسوق الصاغة وسوق الحصر ويؤدي الدخول منه الوصول إلى حارة النصارى من الجهة اليمنى والحي الإسلامي إلى اليسار والأمام، ومن بين الأسواق المذكورة يعتبر سوق باب خان الزيت هو الشارع الرئيسي الذي يقطع البلدة القديمة ومن وسطها تقريبا من الشمال ويتجه نحو الجنوب، وبه نشاط تجاري مزدهر كبير ويفتح على المناطق الشمالية من المدينة.

إن باب العامود سيكون محور بحثنا هذا .

من بنى هذا الصرح التاريخي ؟

يرجع تاريخ باب العمود إلى القرن الأول الميلادي وذلك في عصر هيرود أغريبا الذي تولى سنة 37م(وهو حفيد هيرود الكبير). المؤرخ اليهودي الشهير يوسفوس ينسب إليه أنه أقام سورا جديدا بالجهة الشمالية للقدس، وأدمج الطرف الجنوبي للتل الغربي في المدينة، فاتسعت كثيرا عما كانت عليه في عهد جده هيرود، حتى صارت مساحتها 310 أكرات (الأكر “Acre مقياس للمساحة أقل من الفدان، ويساوي 4000م2 تقريبا والذي بني في عصره40\41 م وكان مخصصا للمشاة وبالقرب منه مقبرة وذلك في القرن الأول الميلادي.

بعد التدمير الذي قام به تيطس لمدينة القدس وذلك خلال إخماده لثورة اليهود المتعصبون الذين يقال لهم السيكاريون سنة 70م والذين قاموا بثورة ضد الحكم الروماني  هدم ما تبقى من المدينة وبنى مكانها مدينه سماها ايلياء كابتولينا في فترة حكم الامراطور الروماني هارديان (117-138م) وبنى ثلاث بوابات متجاورة أوسطها كان نواة لباب العمود الحالي وأولها وثالثها أبوابا للمشاة ولم يتبق منها سوى الباب الروماني الشرقي .

شكل وصفة هذا الباب: إن باب العامود يعد من أجمل أبواب مدينة القدس ويعتبر أهم مداخلها الرئيسية كما انه اكبر أبوابها.

يقع باب العمود غرب الباب الجديد وشرق باب الساهرة، يمر الداخل من الباب إلى مفترق طرق؛ أولاها إلى سوق باب خان الزيت، وثانيتها إلى طريق الواد فالمسجد الأقصى، وثالثتها إلى حارة السعدية وحارة باب حطه.

لقد أعاد السلطان العثماني سليمان القانوني بناءه عام 944هـ - 1538م فوق الباب الروماني القديم حيث يبدو  عقدة في نهاية الخندق الذي يعبره الناس على قنطرة تمر فوقه .

ولقد عثر على باب العمود القديم من قبل بحاثة يهود وموقعه تحت الباب الحالي ولكنه اصغر بكثير من باب العمود الحالي العثماني واقل فخامة.

وقد وصفه الدكتور رائف نجم في كتابه (كنوز القدس) فقال: «بين عقده والمدخل هناك نقش تذكاري يبين تاريخ ميلاد واسم السلطان وألقابه وسنة تجديد البناء، يغطي فتحة المدخل مصراعان من الخشب المصفح بالنحاس كباقي أبواب القدس، وهذا المدخل يؤدي إلى دركان يغطيها قبو مروحي، وهي تؤدي إلى ممر ينعطف جهة اليسار ثم ينعطف جهة اليمين، وهو مغطى بقبو متقاطع يؤدي إلى داخل السور». ومنقوش على الباب «لا إله إلا الله محمد رسول الله». وعلى العموم فإن باب العمود يتكون من قوس ضخمة ترتكز على دعامتين من الحجارة المنحوتة.

من يشاهد باب العمود يرى انه بني ليكون قلعة أمنية. فهو شاهق الارتفاع تعلوه قوس نصف مستديرة وفتحات أو ثقوب ذات طابع امني مدببه فوقها أبراج مزركشة .

عرض مدخل الباب قرابة أربعة أمتار ونصف، منقوش على الباب : " لا إله إلا الله محمد رسول الله".

*لقد تم بناء الجسر الذي يربط الباب مع خارج المدينة سنة 1966- 1967 حتى يمشي عليه علماء الآثار البريطانيون المنقبون عن الآثار في القدس.

سبب تسميته : إن لهذا الباب التاريخي والعريق أسماء كثيرة متعددة الأسباب ولا غرابة في ذلك فلقدم الزمن وتتعدد الأعراق التى سكنت المنطقة اثر في ذلك .

1-    باب دمشق:لأنه كان باب الدخول والخروج للقوافل المتجه إلى مدينة دمشق وهو متجه نحو تلك المدينة . . وكانت ثمة طريق تربط القدس بدمشق.

2-    باب النصر أو طريق الانتصار:فقد كان يستعمل لدخول الفاتحين للقدس ومحتليها.

3-    الباب الشامي:وفق ما جاء في الحمرة المسحبة في الرحلة المقدسية.

4-    باب النصب التذكاري:

5-    باب نابلس: وهي تسمية أهل نابلس له وكذلك أهل الخليل وذلك لأنه متجه نحو مدينة نابلس.

أما سبب تسميته بباب العامود: لطالما أطلق الفلسطينيون عليه وخلال قرون باب العامود وللسبب قصة تاريخية وذلك أن الإمبراطور الروماني هيدريانوس كان قد بنى مدينة القدس بعد هدمها من قبل تيطس وأطلق على المدينة الجديدة اسم إيليا كابوتليا (- أي مدينة إيليوس- نسبة إلى الاسم الأول لإمبراطور روما في ذلك الوقت ( إيليوس هادريانوس وقد عرفت من بعد عند العرب والمسلمين بأسم ايلياء .

وحظر هيدريانوس، الذي بنى مدينته الجديدة بمناسبة مرور 21 عاما لاعتلائه سدة الحكم، على اليهود ليس فقط الدخول إلى المدينة، بل حتى النظر إليها من بعيد.

لقد وضع هذا الإمبراطور عمودا من الغرانيت الأسود على مدخل الباب الرئيسي للمدينه ارتفاعه أربعة عشر مترا ووضع فوقه تمثالا له (للعلم أن التماثيل محرمة في الدين الإسلامي) كما نقش عليه المسافات بين القدس والمدن الأخرى أي جعله معلم لتحديد المسافات.

ولا يعرف ماذا كان يطلق الرومان على هذا الباب، ولكن الذاكرة الجمعية الفلسطينية سمته (باب العمود)،

ولم تتغير تلك التسمية رغم كل الظروف التي مرت على بيت المقدس من أحداث وحروب وغيرها .

موقف سلطات الاحتلال من باب العامود:

إن المنطقة التي يتواجد هذا الباب تعتبر من المناطق المهمة في القدس حيث تجلس في تلك المنطقة الفلاحات الفلسطينيات لبيع منتجاتهن من الخضر والفواكه ولكن القوات اليهودية لهن بالمرصاد حيث يتم منعهن من ذلك .

وخارج باب العمود تنتشر الشرطة والجيش اليهودي وتقوم بحملات تفتيش ومطاردة للشبان الفلسطينيين.

وتسعى سلطات الاحتلال إلى مضايقة التجار الفلسطينيين في منطقة باب العمود والذي يعتبر شريان الحياة للمدينة . وكل هذه الأعمال الغرض منها تهويد تلك البوابة  المهمة .  التي لم تستطع كل التغييرات التي أجرتها سلطات الاحتلال في المدينة من تغيير معالم هذه المنطقة التي عادة ما تعج بالمواطنين الفلسطينيين.

وكانت بلدية الاحتلال أشعرت تجار القدس القديمة نيتها إغلاق المنطقة الممتدة من باب العمود وحتى شارع الواد وصولا إلى حائط البراق بالقرب من سوق السلسلة، وزعمت أنها ستجري أعمالاً في البنى التحتية للمنطقة، فيما يؤكد المواطنون بأن الهدف من الأعمال هو شق المزيد من الأنفاق واختتام الحفريات التي كانت بدأتها منذ سنوات تحت البلدة القديمة بربطها يبعضها البعض وفتح الأنفاق لتكون بمثابة شوارع وطرقات من منطقة مغارة سليمان القريبة من بوابة العمود وحتى حائط وباحة البراق.

و كشفت مؤسسة الأقصى للوقف والتراث يوم الأربعاء (17-2-2010) النقاب عن شروع سلطات الاحتلال وأذرعها التنفيذية بأعمال حفريات واسعة ومتنوعة تحت أسوار القدس القديمة بين بابي العامود والساهرة وسط السور الشمالي للبلدة القديمة.

إن هذه الأعمال العدوانية حتى بحق الجمادات التي لاتنتمي إلى الإرث اليهودي لتكشف عن النفسية اليهودية الأنتقامة لكل شي لا يمت لهم بصلة.

خاتمة:

بعد اكتشاف خارطة فسيفسائية تعود للقرن السادس الميلادي بالقرب من مدينة عمان عاصمة الأردن في 1880م تقريبا والتي تضم تخطيط لمدنية القدس . وفيها كذلك تخطيط  للشوارع الرئيسية للمدينة المقدسة والتي لا تزال إلى وقتنا الحاضر . ووفقا لهذه الخارطة فإنها تبدأ من باب العمود الذي رمزت إليه برسم لعمود هيدريانوس، مما جعل المختصين يتأكدون من وجود هذا العمود والباب الذي يحمل اسمه، ليس فقط في الذاكرة الجمعية الفلسطينية التي حمته من الضياع، ولكن وجوده بالفعل على ارض الواقع.

 

 لقد بقي هذا الصرح والمعلم التاريخي صامدا على مر العصور ليكون معلما من معالم هذه المدينة المباركة الصامدة والتي تزخر بكثر آثارها التاريخية لكثرة من احبها وقاتل من اجلها تلك الأرض التي قال في حقها الله تعالى {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ }المائدة21وستكون العاقبة للمتقين بأذنه تبارك وتعالى كما قال {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }الأعراف128 نسأل الله أن يعيد لنا أرضنا ويخرج اليهود منها صاغرين اللهم آمين.

إعداد: وليد ملحم

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية- صنعاء

23/2/2010

 

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0