12/24/2007


يــا قــدس.


 

 

 

 

 

 

 

للشاعر: د. عبد الرحمن العشماوي

 

ما كلُّ مَنْ نطقوا الحروفَ أبانوا **** فلقد يَذوبُ بما يقولُ لسانُ

 

لغة الوفاءِ شريفةٌ كلماتُها **** فيها عن الحبِّ الأصيلِ بَيانُ

 

يسمو بها صدقُ الشعور إلى الذُّرا **** ويزُفُّ عِطْرَ حروفها الوجدانُ

 

لغةٌ تَرَقْرَقَ في النفوس جمالُها **** وتألَّقتْ بجلالها الأَذهانُ

 

يجري بها شعري إليكم مثلما **** يجري إلى المتفضِّل العِرْفانُ

 

لغةُ الوفاء، ومَنْ يجيد حروفَها **** إلا الخبير الحاذق الفنَّانُ؟

 

أرسلتُها شعراً يُحاط بموكبٍ **** من لهفتي، وتزفُّه الألحانُ

 

ويزفُّه صدقُ الشعور وإِنَّما **** بالصدق يرفع نفسَه الإِنسانُ

 

أرسلتُ شعري والسَّفينةُ لم تزلْ **** في البحر، حار بأمرها الرُّبَّانُ

 

والقدس أرملةٌ يلفِّعها الأسى **** وتُميت بهجةَ قلبها الأحزانُ

 

شلاَّلُ أَدْمُعِها على دفَقاته **** ثار البخار فغامت الأَجفانُ

 

حسناءُ صبَّحها العدوُّ بمدفعٍ **** تَهوي على طلقاته الأركانُ

 

أَدْمَى مَحاجرها الرَّصاص ولم تزلْ **** شمَّاءَ ضاق بصبرها العُدوانُ

 

لْقَى إليها السَّامريُّ بعجله **** وبذاتِ أَنواطٍ زَهَا الشَّيْطَانُ

 

نَسي المكابرُ أنَّ عِجْلَ ضلالِه **** سيذوب حين َتَمُّسه النيرانُ

 

حسناءُ، داهمَها الشِّتاءُ، ودارُها **** مهدومةٌ، ورضيعُها عُريانُ

 

وضَجيج غاراتِ العدوِّ يَزيدها **** فَزَعاً تَضَاعف عنده الَخَفقانُ

 

بالأمسِ ودَّعها ابنُها وحَليلُها **** وابنُ اْختها وصديقُه حسَّانُ

 

واليوم صبَّحتِ المدافعُ حَيَّها **** بلهيبها، فتفرَّق الجيرانُ

 

باتت بلا زوجٍ ولا إِبنٍ ولا **** جارٍ يَصون جوارَها ويُصَانُ

 

يا ويحَها مَلَكتْ كنوزاً جَمَّة **** وتَبيت يعصر قلبَها الِحرْمانُ

 

تَستطعم الجارَ الفقيرَ عشاءَها **** ومتى سيُطعم غيرَه الُجوْعَانُ

 

صارتْ محطَّمةَ الرَّجاء، وإنَّما **** برجائه يتقوَّت الإِنسانُ

 

يا قدسُ يا حسناءُ طال فراقُنا **** وتلاعبتْ بقلوبنا الأَشجانُ

 

من أين نأتي، والحواجزُ بيننا: **** ضَعْفٌ وفُرْقَةُ أُمَّةٍ وهَوانُ؟

 

من أين نأتي، والعدوُّ بخيله **** وبرَجْلهِ، متحفِّزٌ يَقْظَانُ؟

 

ويَدُ العُروبةِ رَجْفَةٌ ممدودةٌ **** للمعتدي وإشارةٌ وبَنانُ؟

 

ودُعاةُ كلِّ تقُّدمٍ قد أصبحوا **** متأخرين، ثيابُهم أَدْرَانُ

 

متحدِّثون يُثَرْثِرُون أشدُّهم **** وعياً صريعٌ للهوى حَيْرانُ

 

رفعوا شعارَ تقدُّمٍ، ودليلُهم **** لِينينُ أو مِيشيلُ أو كاهانُ

 

ومن التقدُّم ما يكون تخلُّفاً **** لمَّا يكون شعارَه العصيانُ

 

أين الذين تلثَّموا بوعودهم **** أين الذين تودَّدوا وأَلانوا؟

 

لما تزاحمت الحوائجُ أصبحوا **** كرؤى السَّراب تضمَّها القيعانُ

 

كرؤى السَّرابِ، فما يؤمِّل تائهٌ **** منها، وماذا يطلب الظمآنُ؟

 

يا قدس، وانتفض الخليلُ وغَزَّةٌ **** والضِّفتان وتاقت الجولانُ

 

وتلفَّت الأقصى، وفي نظراته **** أَلَمٌ وفي ساحاته غَلَيانُ

 

يا قُدس، وانبهر النِّداءُ ولم يزلْ **** للجرح فيها جَذْوةٌ ودُخانُ

 

يا قدس، وانكسرتْ على أهدابها **** نَظَراتُها وتراخت الأَجفانُ

 

يا قُُدْسُ، وانحسر اللِّثام فلاحَ لي **** قمرٌ يدنِّس وجهَه استيطانُ

 

ورأيتُ طوفانَ الأسى يجتاحُها **** ولقد يكون من الأسى الطوفانُ

 

كادت تفارق مَنْ تحبُّ ويختفي **** عن ناظريها العطف والتَّحنانُ

 

لولا نَسائمُ من عطاءِ أحبَّةٍ **** رسموا الوفاءَ ببذلهم وأعانوا

 

سَعِدَتْ بما بذلوا، وفوقَ لسانها **** نَبَتَ الدُّعاءُ وأَوْرَقَ الشُّكرانُ

 

لكأنني بالقدس تسأل نفسَها **** من أين هذا الهاطلُ الَهتَّانُ؟

 

من أين هذا البذلُ، ما هذا النَّدى **** يَهمي عليَّ، ومَنْ هُم الأَعوانُ؟

 

هذا سؤال القدس وهي جريحةٌ **** تشكو، فكيف نُجيب يا سَلْمانُ؟

 

ستقول، أو سأقول، ما هذا الندى **** إلاَّ عطاءٌ ساقه المَنَّانُ

 

هذا النَّدى، بَذْلُ الذين قلوبُهم **** بوفائها وحنانها تَزْدَانُ

 

أبناءُ هذي الأرض فيها أَشرقتْ **** حِقَبُ الزمان، وأُنزِل القرآنُ

 

صنعوا وشاح المجد من إِيمانهم **** نعم الوشاحُ ونِعْمَتِ الأَلوانُ

 

وتشرَّف التاريخ حين سَمَتْ به **** أخبارُهم، وتوالت الأَزمانُ

 

في أرضنا للناس أكبرُ شاهدٍ **** دينٌ ودنيا، نعمةٌ وأَمانُ

 

هي دوحةُ ضَمَّ الحجازُ جذورَها **** ومن الرياض امتدَّت الأَغصانُ

 

الأصل مكةُ، والمهاجَرُ طَيْبةٌ **** والقدسُ رَوْضُ عَراقةٍ فَيْنَانُ

 

شيمُ العروبة تلتقي بعقيدةٍ **** فيفيض منها البَذْلُ والإحسانُ

 

للقدس عُمْقٌ في مشاعر أرضنا **** شهدتْ به الآكامُ والكُثْبانُ

 

شهدت به آثارُ هاجرَ حينما **** أصغتْ لصوت رضيعها الوُديانُ

 

شهدت به البطحاء وهي ترى الثرى **** يهتزُّ حتى سالت الُحْلجانُ

 

ودعاءُ إبراهيمَ ينشر عطره **** في الخافقين، وقلبُه اطمئنان

 

هذي الوشائج بين مهبط وحينا **** والمسجد الأقصى هي العنوانُ

 

هو قِبلةٌ أُولى لأمتنا التي **** خُتمت بدين نبيِّها الأديانُ

 

أوَ لَمْ يقل عبدالعزيز وقد رأى **** كيف الْتقى الأحبار والرُّهبانُ

 

وأقام بلْفُورُ الهياكلَ كلَّها **** للغاصبين وزمجر البُركان

 

وتنمَّر الباغي وفي أعماقه **** حقدٌ، له في صدره هَيجَانُ

 

وتقاطرتْ من كلِّ صَوْبٍ أنْفُسٌ **** منها يفوح البَغْيُ والطغيانُ

 

وفدوا إلى القدس الشريف، شعارهم **** طَرْدُ الأصيل لتخلوَ الأوطانُ

 

وفد اليهود أمامهم أحقادهم **** ووراءهم تتحفَّرُ الصُّلبان

 

أوَ لم يقل عبدالعزيز، وذهنُه **** متوقدٌ، ولرأيه رُجْحَانُ

 

وحُسام توحيد الجزيرة لم يزلْ **** رَطْباً، يفوح بمسكه الميدانُ

 

في حينها نَفضَ الغُبارَ وسجَّلَتْ **** عَزَماتِه الدَّهناءُ والصُّمَّانُ

 

أوَ لم يَقُلْ، وهو الخبيرُ وإِنما **** بالخبرةِ العُظْمى يقوم كيانُُ:

 

مُدُّوا يدَ البَذْلِ الصحيحةَ وادعموا **** شعبَ الإِباءَ فإنهم فُرْسَانُ

 

شَعْبٌ، فلسطينُ العزيزةُ أَنبتتْ **** فيه الإباءَ فلم يُصبْه هَوانُ

 

شَعْبٌ إذا ذُكر الفداءُ بَدا له **** عَزْمٌ ورأيٌ ثاقبٌ وسنانُ

 

شعبٌ إذا اشتدَّتْ عليه مُصيبةٌ **** فالخاسرانِ اليأسُ والُخذلاُن

 

لا تُخرجوهم من مَكامنِ أرضهم **** فخروجُهم من أرضهم خُسران

 

هي حكمةٌ بدويَّة ما أدركتْ **** أَبعادَها في حينها الأَذهانُ

 

يا قُدْسُ لا تَأْسَي ففي أجفاننا **** ظلُّ الحبيبِ، وفي القلوبِ جِنانُ

 

مَنْ يخدم الحرمين يأَنَفُ أنْ يرى **** أقصاكِ في صَلَفِ اليَهودِ يُهانُ

 

يا قُدسُ صبراً فانتصاركِ قادمٌ **** واللِّصُّ يا بَلَدَ الفداءِ جَبَانُ

 

حَجَرُ الصغير رسالةٌ نُقِلَتْ على **** ثغر الشُّموخ فأصغت الأكوانُ

 

ياقدسُ، وانبثق الضياء وغرَّدتْ **** أَطيارُها وتأنَّقَ البستانُ

 

يا قدس، والتفتتْ إِليَّ وأقسمتْ **** وبربنا لا تحنَثُ الأَيمانُ

 

واللّهِ لن يجتازَ بي بحرَ الأسى **** إلاَّ قلوبٌ زادُها القرآنُ

 

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0