12/24/2007


وعد بلفور ... قصائد بلون الغضب .


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(بتصرف يسير من مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية)

 

 بقلم : سمير عطية

 

الشاعر الفلسطيني: عبد الرحيم محمود ... رحمه الله

 

 

 

هل هي الأحداث التي تصطبغ بحكايات الشعراء ، أم هي القصائد التي تتلون بدروب الحكاية وفي صدرها يسكن الوطن ؟؟

 

منذ تلك البداية صار هناك  للشعر قوافل من غضب وقصائد من لهب ، منذ أن منح المحتل الأول وعداً بأوراق الحداد إلى عصابات تخنق الحلم وتذبح بيديها شمس الحقيقة.

 

الشعر تسمع في أناشيده لوعة (الوعد المشؤوم) وترى في محياه دمعة الوجع المحزون.

 

شعراء فلسطين استيقظت عصافير أشواقهم على صباح سرمدي مطرز بالجراح فتغنوا بالآهات وتغنت الآهات بهم!! لذا لم يكن غريباً أن نقف عند قصائدهم وهي تفيض بالأحزان وتنكأ المواجع لنقرأ في سطورها عنواناً واحداً للحقيقة المرعبة اسمها (  وعد بلفور ) ..

 

 

 

من هؤلاء، عبد الرحيم محمود - الشاعر الشهيد بإذن الله كما يسميه الكثيرون - فإن الوعد المشؤوم يعيشه ولا يفارقه ،  كيف لا ؟؟ أوليس هذا الوعد الذي ألقى بسواده على صباح فلسطين حتى ألبسها الحداد؟؟!

 

عبد الرحيم محمود هو أكثر من وجدت له شعراً في وعد بلفور يذكره صراحة في عنوان لقصيدته الرائية (وعد بلفور) في ثاني قصيدة له في الديوان، وفي (عيد الجامعة العربية) تراه ينكأ جراحها لعل الأمة تصحو من غفوتها وتنتبه لوجعها، أما للجيل الآتي فقد أبدع أسلوباً متميزاً ليحفر ذلك الوعد في ذاكرة الأبناء فلا ينسونه، بل يترك وصيته تعيش في نبض الأجيال وعلى شفة الحلم.

 

في قصيدة (وعد بلفور) يعود إلى عهد العرب قديماً وعدم خضوعهم أمام تجبر الروم أو أية قوة أخرى، ويعرج إلى العهد الحديث ووقوف العرب إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى ثم غدر الحلفاء المستعمرين بالعرب – كعادتهم- ومن هنا تنطلق القصيدة معنوياً.

 

القصيدة إذن هي جرس إنذار ينبه فيها بني قومه ويدعوهم إلى ما أثمرت عنه غراس الحلفاء الشنيعة من إعطاء فلسطين إلى اليهود وكأنها مدينة من مدن الحلفاء!!

 

لما قضى وطراً بفضل سيوفنا    نسي اليد البيضا ولم يتذكر

 

 

 

وهو في خضم جرحه وألمه يذكر أنهم كانوا السبب في نجاح الحليف لأن إرادتهم وتاريخهم يشهد بهذه القوة ، وكان هذا هو الثلث الثاني في قصيدته :

 

رجحت موازين الحليف ومن نكن     معه يرجح بالعظيم الأكثر

 

 

 

أما في الثلث الأخير من القصيدة فإنه عبارة عن تهديد ووعيد للمستعمر لكنه من نوع آخر، فهنا التهديد لكل من تسول له نفسه أن يطمع في أراضي وثروات العرب وهو وعيد مرتبط ببني قومه وقدرتهم على الثأر من الغادرين وهذا هو محور الحدث ورسالة القصيدة الهامة:

 

يا ذا الحليف سيوفنا ورماحنا       لم تنثلم فاعلم ولم تتكسر

 

بالأمس أبلت في عداك وفي غد    في كل قلب غادر متحجر

 

 

 

أما (عيد الجامعة العربية) فإن مطلعه الذي يتغنى بهذا العيد لا يوحي بما بعده من معان وأخبار؟؟

 

عيدٌ بأحناء الصدور يقامُ       من وحيه الأشعار والإلهامُ

 

 

 

يواصل نثره للقوافي التي تحكي عن الشتات الذي كان جمعُه على يد الجامعة، إنها درر العروبة المنثورة، ومن النيل إلى المغرب إلى الشام يقر بخرافات الحدود التي تسعى لإزالتها أهداف الجامعة :

 

ذهبت خرافات الحدود فكلها     وطنٌ لنا لو صحت الأفهامُ

 

 

 

وتتكرر قافية الأحلام مع شاعرنا ثلاث مرات في ستة عشر بيتاً ، لكنه يدخل صراحة بعد ذلك إلى وعد بلفور ومعاتبة الذات ولوم الأقربين قبل لوم الأعداء .

 

بلفور ما بلفور ماذا وعده    لو لم يكن أفعالنا الإبرام

 

إنا بأيدينا جرحنا قلبنا           وبنا إلينا جاءت الآلام

 

ويظل في هذا الجو المشحون بالعتاب ولوم الذات حتى يصل في الأبيات الأخيرة ليوضح النهج ويصف الحل الأمثل للأمة للخروج من هذه ( الكارثة ) :

 

اصهر بنارك غل عنقك ينصهر     فعلى الجماجم تُركز الأعلامُ

 

 

 

ويمضي على هذا النفس الثائر حتى يصل في آخر بيت إلى روعتها مضموناً وجمالاً وتجربة وواقعاً يلخص ما يريد أن يقوله في ( عيد الجامعة العربية ) :

 

هذي طريقك للحياة فلا تحد      قد سارها من قبلك القسام

 

 

 

أما في قصيدته الثالثة حول الوعد المشؤوم فلقد أسماها الشاعر " أحاجي في ذكرى وعد بلفور "وقد جعلها على شكل ألغاز وأحاجي ، كان أحد طلبه يقف ليجيب عنها بعد أن أعطاه أجوبتها، وكان قد ألقاها في فندق فلسطين سنة 1947وتوزعت هذه الأحاجي في أجوبتها بين ( الإنجليز ، اليهود ، الثورة ، هيئة الأمم ، روزفلت " الرئيس الأمريكي آنذاك " ، رئيس حزب العمال البريطاني ، الزعماء الفاسدون ، صندوق الأمة ) .

 

وإذا كان الشاعر الشهيد  - بإذن الله - قد أكثر من التعرض لوعد بلفور في شعره كما أسلفنا، فإن ذلك لم يدخله في باب التكرار الممل للمعاني والصور والإبداعات، بل إنه كان يعرض الموضوع في كل مرة بصورة جديدة ومعاني من زوايا متعددة بل وتجديداً في الشكل كما سنرى في قصيدة (الأحاجي).

 

 

 

ولد في قرية "عنتبا" التابعة لقضاء طرلكرم سنة 1913م.

درس في مدرسة عنتبا الابتدائية ومدرسة طولكرم الابتدائية ثم في مدرسة النجاح الوطنية في نابلس(جامعة النجاح الآن).

عمل مدرساً للأدب العربي في مدرسة النجاح الوطنية .

عندما اشتعلت الثورة الكبرى في فلسطين سنة 1936، استقال من وظيفته وانضم إلى صفوف المقاتلين في جبل النار.

طاردته حكومة الانتداب البريطاني بعد توقف الثورة، فهاجر إلى العراق حيث أمضى ثلاث سنوات دخل فيها الكلية الحربية في بغداد ثم عاد إلى فلسطين سنة 1942م.

اشتعلت الثورة الفلسطينية مرة أخرى سنة 1947 ضد التقسيم

انضم عبد الرحيم محمود إلى صفوف المجاهدين للدفاع عن أرض الوطن .

استشهد في معارك الشجرة بالقرب من مدينة الناصرة في 13 تموز(يوليو) سنة 1948م.

يتمتع بنظرة رؤيوية لمستقبل فلسطين الأليم الذي تحقق بعد موته (نسأل الله له الشهادة).

جمع شعره وصدرت مجموعته  الشعرية الكاملة أكثر من مرة.

 

 

وعـد بلفـور

 

قيلت في نابلس سنة  1935م

 

 

 

العرب ما خضعوا لسلطة قيصر        يوماً ولا هانــوا أمام تجبــر

 

لا يصبرون على أذى مهما يكن         والحر إنْ يسم الأذى لم يصبـر

 

والترك قد كبــروا وإنا معشرٌ         كبرٌ وفوق تكبــر المتكبــر

 

وإذا به أمـر نبيتــه لهــم          تحت الأسنة والقنا والسمــهري

 

وأتى الحليفُ وقام في أعتابنــا         متحيراً إنا هــدى المتحيــر

 

واستنصر العرب الكرام وإنهم          غوث الطريد ونصرة المستنصر

 

وإذا عتاق العرب تورى في الدجى       قدحاً وتصهل تحت كل غضنفر

 

وإذا السيوف كأنهــن كواكبٌ          تهوى تلامع في العجاج الأكــدر

 

رجحت موازين الحليف ومن نكن       معه يرجح بالعظيــم الأكثــر

 

وبنت لنا أسيافنا صــرحاً فلم          يحفظ جميل العرب يا للمنكــر

 

في ذمة الرحمن صرعى جدلوا          وعلى ثرى بدم الرجال معصفر

 

غدر الحليف وأي وعد صانه            يوماً وأية ذمــة لم يخفــر؟

 

لما قضى وطراً بفضل سيوفنا           نسى اليد البيضــا ولم يتذكر

 

وإذا الدم المهراق لا بمراقــه           جدوى ولا بنجيعــه المتحـدر

 

يا ذا الحليف سيوفنا ورماحنا            لم تنثلم فاعلــم ولم تتكســر

 

بالأمس أبلت في عداك وفي غد         في كل قلـب غادرٍ متحجــر

 

تغلي الصدور وليس في غليانها         إلا نذير العاصــف المتفجـر

 

ولقد تصبرنا عليك فلم نطق             منك المزيد ولات حين تصبـر

 

هذي البلاد عريننا وفدى لها            من نسل يعرب كل أسد هـصر

 

 

 

 

 

عيـد الجامعـة العربيـة

 

 

 

عيدٌ بأحناء الصـــدور يَقام          من  وحيه  الأشعار والإلهامَ

 

حُلم لقد لابت عليه نفوسنــا         أجمل بأن تتحقق  الأحــلام

 

جمع   الشتيت فكل قطرٍ درةٌ          في تاجه  والوحــدته  النَّظام

 

فإذا تشكى النيلُ من آلامــه           شَقت   مرائر دجــله الآلام

 

وإذا تنادى المغربُ الأقصى لدى           جلَّى استجابت للنداء الشامُ

 

ذهبت خُرافاتُ الحدود فكلُّها              وطنٌ لنا لو صحَّت الأفهام

 

حَفى اللسانُ وجفت الأقلامُ                والحال حالٌ والكلام كــلام

 

مرت بنا الأيام لم نسـلك بها            جدد الصواب ومرت الأعوام

 

والزورق التوهان سار محيرا             فوق الخضم دليـله الأوهام

 

وتخاصم القواد بين مـشرق             ومغرب وتقطعت أرحــام

 

فإذا المنابر صاخبات حـفل              يُرغى بها التهويش والإيهام

 

وإذا الضلال له هناك سُرادق            مضروبة عبدت بها الأصنام

 

والحر وابن الحر ليس مطية               يُمطى ويكبح أصغريه لجام

 

فيقول حقاً ليس يخشى لومة             والحقُّ أروع ما حوى الإسلام

 

مرت بنا الأيام بيــن  تعللٍ             بغدٍ فضاعت بالرؤى الأحلام

 

ظلنا نقول غداً غداً هل حُقَّقت              للائبين على غـد أحــلام

 

ظلنا نقول غداً يَفيق ضميرُ من             فقد الضَّمير ويعدل الظـلام

 

ظلنا نقول حبائب ضرباتُهم                مقبولةٌ ما إن لها إيــلام

 

ظلنا نُغرر بالوعود وينطلي                كذب ويفعل فعلة الايهـام

 

خرجوا لنا"بالسحب" من أقسامنا          يا ويلنا إن الهــوى أقسـام

 

بلفور ما بلفور ماذا وعـدُهُ               لو لم يكن أفعالــنا الإبرامُ

 

إنا بأيدينا جرحنا قلبنــا                وبنا إلينــا  جاءت الآلامُ

 

فينا عن الحب المجمّع جَفوةٍ                ولنا بصحراء الخصام هُيامُ

 

والخطب فرَّقنتا قبائلَ جمةً                  والخطب عند عداتنا لـمام

 

يا قادة إلا الذين  أجلــهم             عما  يُذم وقد   عداهــم  ذامُ

 

نحن الضحايا لا نُريد مثوبةً              وأقلها  التعريــف  والإعلامُ

 

أوليس من دور لنا نلهى به                إلا وداع حــافل وسـلام

 

قل لا واتبعها الفعال ولا تخَفْ          وانظر هنالك كيف تُحنى الهامُ

 

اصهر بنارك غُلَّ عنُقك ينصهر            فعلى الجماجم تُركز الأعلامُ

 

وأقم على الأشلاء صرحك إنما           من فوقه  تُبنى  العلا وتقـام

 

واغصب حقوقك قط لا تستجدها          إن الألى سلبوا الحقــوق لئامُ

 

هذي طريقك للحياة فلا تحد               قد سارها من قبــلك القسَّامُ

 

 

 

 

 

أما القصيدة الأخرى فقد سماها الشاعر" أحاجي في ذكرى وعد بلفور" وقد جعلها على شكل ألغاز وأحاجي، كان أحد طلابه يقف ليجيب عنها بعد أن أعطاه أجوبتها، وكان قد ألقاها في فندق فلسطين سنة 1947م.

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0