12/24/2007


ثمن العفـــــــــــاف


انحدرت دمعة ساخنة من عين "أم سامر"  في ذلكم الصباح البارد، فبللت خدها وتبعتها دمعة أخرى ، و توالى انهمار الدموع حتى بلل وجهها وعنقها وأخذت تزفر زفرات حارة وتتنهد بمرارة وهي تسترجع ذكرياتها القديمة مع زوجها الراحل ـ أبي سامر ـ رحمه الله ، وتقارن بين حياتها السابقة معه وبين ما آل إليه حالها بعد فراقه .

 

تذكرت أيام زواجهما الأولى وكيف كانت أحلى وأجمل أيام عمرها ، تذكرت أيام حملها بسامر ورعاية زوجها الحانية لها، واهتمامه الشديد بها حتى وضعت وليده " سامر" ذلك الذي بلغ الستة من الأعوام الآن ، وتذكرت كذلك كيف كان زوجها الراحل مهتما بأحوال بني وطنه من الفلسطينيين فكان أكثر اهتمامه بالأرامل والأيتام وأسر الشهداء والأسرى، يتفقد أحوالهم ويجمع المعونات ويوزعها لهم ولا يفتر بدنه ولا لسانه عن السعي في حاجاتهم ومع كل هذا ورغم أنه لم يكن يزاول عملا من أعمال المقاومة إلا أن المحتلين تربصوا به وقتلوه غدرا وغيلة .

 

توقفت "أم سامر" عند هذه النقطة وشعرت كأن خنجرا حادا ينغرس في أعماق قلبها فيمنع عنها الهواء ، فلم تتمالك نفسها فدفنت وجهها بين راحتيها وأجهشت بالبكاء والنحيب .

 

لم تدر كم بقيت على تلكم الحال .....

 

 تبكي وتزفر وتنتحب ، حتى شعرت بيدين صغيرتين تحيطان بعنقها وتكفكفان دموعها، وانتفضت على صوت أمها العجوز المريضة الراقدة بالغرفة المجاورة وهي تناديها : ألا زلت تبكين يا ابنتي ؟ ألا زالت تسترجعين ذكرى زوجك وتنتحبين؟ لقد توفي زوجك رحمه الله منذ عامين ولا زلت تبكينه؟

 

ألا تتصبري قليلا وتسألي الله له الرحمة؟

 

ألست راضية بقضاء الله تعالى وقدره؟

 

هيا قومي يا بنيتي فقد حان وقت المدارس، قومي وأيقظي ولدك وجهزيه وأوصليه إلى مدرسته ولا تشعريه بحزنك كي لا يبكي وينتحب وتضيعي عليه يومه .

 

لم تكن الجدة الحنون تدري ساعتها أن " سامر" قد استيقظ وأنه الآن ممسك بعنق أمه بيد، ويمسح دموعها باليد الأخرى في صمت وحنان.

 

أجابت "أم سامر": حسنا يا أمي سأقوم وأجهز سامر للمدرسة .

 

ثم قالت في نفسها: ولكنك يا أمي لا تدرين أبدا سبب بكائي هذا الصباح ـ بل وفي الأيام الماضية ...

 

إنه أمر رهيب ... مزعج ... مقلق ...

 

أمر يجرح كرامة كل امرأة مسلمة

 

وكل عربية أبية حرة

 

إنه أمر لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى

 

و " سامر" الصغير  ذي الأعوام الستة

 

وكذلك أمه الصابرة .

 

 

 

*** *** ***

 

 

 

غاصت "أم سامر" مرة أخرى في بحر الذكريات بينما كانت تعد ولدها للخروج إلى المدرسة...

 

إن أمها الطيبة تظن أن سبب بكائها هو حزنها الشديد على فراق زوجها

 

وصحيح أنها حزينة على فراقه

 

وصحيح كذلك أنها تبكي كثيرا لأجل ذلك

 

ولكن ليس هذا سبب بكائها في الأيام الماضية

 

وفي هذا اليوم بالذات

 

إن "أم سامر" امرأة شابة

 

في منتصف العشرينات من عمرها ، وهي وحيدة والديها

 

وكان لها أخ واحد وقد قتل في سجون الاحتلال قبل سنوات

 

وقد توفي والدها قبل سبع سنوات

 

وليس لها أقارب في مدينة غزة حيث تسكن

 

بل ليس لها أقارب في كل فلسطين

 

سوى عم واحد يعيش مع أسرته ـ أو ما تبقى منها ـ في الضفة الغربية

 

وأهل زوجها منهم من يعيش بالأردن ومنهم من يعيش بلبنان

 

كسائر الأسر الفلسطينية المهجرة ،

 

إذن "فأم سامر" ليس لها من يحميها من الرجال ...

 

وهاهنا تكمن مشكلتها !!!

 

 

 

*** *** ***

 

"أم سامر" توصل ولدها كل يوم إلى المدرسة

وتقطع معه ـ سيرا على الأقدام ـ كل يوم طريقا طويلا يوصل إلى مدرسته

وفي ذلك الطريق ، تقف وترابط دائما عند تقاطع أحد الشوارع ، دورية من دوريات الاحتلال ، تتكون من جنديين على سيارة جيب

 

وقد اعتاد أحد هذين الجنديين ، وهو أكثرهما وقاحة ، اعتاد دائما أن يتعرض"لأم سامر" بالمعاكسة والمغازلة

 

يا للقذارة ويا للوقاحة

 

رغم أنها مسلمة ملتزمة بدينها وحجابها

 

ولا يظهر من بدنها أي شئ على الإطلاق

 

ورغم أنها تمشي دائما في أقصى جانب الطريق الآخر

 

ولا تتوسط الطريق أبدا

 

إلا أن ذلك الجندي القذر قد اعتاد أن يعاكسها

 

وأن يسمعها كلمات الفحش والبذاءة

 

وهي لا تفعل شيئا سوى أن تستعيذ بالله منه

 

وتسرع الخطى لا تلوي على شئ ، هاربة بعفتها وحيائها

 

وقد تمادى ذلك الحقير كثيرا في غيه

 

حتى أصبح يقترب منها ويحاول أن يعترض طريقها

 

ولكنها كانت دائما تسرع وتلوذ بجانب الطريق وتفلت منه

 

وما أحقر ذلك الجندي ، وما أقذره وكأنه يدرك أنها امرأة ضعيفة

 

ليس لها من يحميها ويدافع عنها ، لذلك يتعرض لها

 

 

 

*** *** ***

 

 

 

ـ هيا يا ابنتي إلى متى تستغرقك هذه الأفكار والخواطر ؟

 ستفوتي على الولد مدرسته !

 

تعالى صوت أمها يستحثها على الخروج

 

فردت عليها "أم سامر":

 

ـ حسنا يا أماه هأنذا قد فرغت من تجهيز سامر وسأخرج به إلى المدرسة ، ولكني لا بد أن أعطيك الدواء قبل أن أخرج . وأردفت قولها بأن هرعت إلى الثلاجة وتناولت منها زجاجة الدواء، ثم اندفعت في سرعة لخزانة المطبخ لتأخذ منها ملعقة، ثم هرولت إلى غرفة أمها لتقدم لها الدواء وهي تقول :

 

ـ بالشفاء والعافية يا أمي .

 

ردت أمها :

 

ـ جزاك الله خيرا يا ابنتي وأسال الله تعالى أن يبقيني حتى أرى اليوم الذي يكبر فيه " سامر" ويصبح رجلا تقر به عينك .

 

قالت "أم سامر" في تأثر :

 

ـ نعم يا أمي، أطال الله عمرك في طاعته وأقر عينك برؤية " سامر" ، وأبناء " سامر" ، وأبناء أبناء " سامر"!

 

ضحكت الأم وهي تزدرد ما بقي من طعم الدواء في حلقها وقالت :

 

ـ أبناء أبناء " سامر" ؟ إذن يطول عمري وأسأم يا بنيتي .

 

أجابتها الإبنة البارة في صدق وهي تطبع قبلة حانية على جبينها وتستعد لمغادرة المنزل:

 

ـ ولكننا لن نسأم منك أبدا يا أعظم أم في الوجود، والآن سأنصرف لأوصل   " سامر" إلى المدرسة .

 

ـ حفظك الله ورعاك يا بنيتي .

 

 

 

خرجت "أم سامر" من عند والدتها، ونادت على ولدها وأمسكت بيده وهي تهمس في أذنه :

 

ـ كما اتفقنا دائما يا " سامر" ، مهما حدث لنا في الطريق، فلن نخبر ( سِتُّو ) أبدا بشئ، إنها مريضة وسيزداد مرضها ولن يحتمل قلبها الضعيف لو علمت بأي شئ.

 

رد " سامر" في طاعة :

 

- وهو كذلك يا أمي، ولكن قولي لي ، ماذا يريد ذلك الجندي الحقير منا؟ كم مرة أود لو أضربه وأفقأ عينه البغيضة بحجر ، ولكنك دائما تمسكين بي وتمنعينني من ذلك .

 

ردت أمه في حزم وهي تضمه إليها في قوة :

 

ـ لا يا ولدي ، لن تفعل ذلك الآن

 

إنني أدخرك ليوم آخر ،ليوم تكبر فيه وتصبح رجلا شجاعا وشابا  قويا لتنتقم لأبيك، وتساهم في تحرير الوطن، يا ولدي الحبيب .

 

 

 

**** **** ***

 

 

 

خرجت "أم سامر" إلى الطريق، وأخذت تردد دعاء الخروج من المنزل في خشوع :

 

" بسم الله ، توكلت على الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أجهل أو يجهل علي، أو أظلم أو أظلم "

 

 

 

وبقيت طوال الطريق تتلو آيات من القرآن الكريم و تتمتم ببعض الأدعية والأذكار، علها تطمئن وتثبت قليلا .

 

أخذ الشارع الكئيب يقترب شيئا فشيئا، وكلما اقترب ذلك التقاطع الذي ترابط فيه الدورية؛ كلما انتفض قلبها وزاغ بصرها وجف حلقها وتسارعت أنفاسها وبردت أطرافها .

 

حتى لاحت لها تلك السيارة البغيضة من بعيد، وبقيت "أم سامر" المسكينة تمشي بخطى متثاقلة، رويدا رويدا وهي تتمنى ألا يراها ذلك الجندي الحقير، كانت في حالتها تلك كلص يتسلل خفية لكي يسرق شيئا، أو كطفل صغير يمشي على أطراف أصابعه ليفعل شيئا دون أن يحس به والداه...

 

لك الله يا "أم سامر" ، فلكم قاسيت في هذه الحياة !

 

 

 

*** *** ***

 

 

 

اقتربت "أم سامر" من مكان الدورية، وانزوت إلى جانب الطريق وأشاحت بوجهها بعيدا كنعامة تدفن رأسها في الرمال وتظن أن أعدائها لا يرونها مادامت لا تراهم، أو أنها ستصبح بذلك بمفازة منهم ... ولكن هيهات فلم يكد الجندي يلمحها حتى هرع ناحيتها واعترض طريقها وبقي يرمقها بنظرات صفيقة وقحة وهو يلقى إليها بعبارات الغزل البذيئة :

 

ـ إلى أين يا شميل ؟ أي (  يا جميل ) ، وين بتروخي؟

 

إرفأي الغطا هاي، خللي نشوف الوكه ( الوجه ) الهلو !

 

آآآآه يا بنات الأراب ، آآآآه من بنات الأراب .

 

 

 

انكمشت "أم سامر" في ذعر وتقزز من عباراته القذرة وأخذت تحاول الهرب من طريقه وهي تمسك " سامر" في قوة والذي كان في هذه اللحظة يتفلت منها ويحاول أن يأخذ حجرا ليضرب به الجندي ، ولكنها لم تمكنه من ذلك إلا أنه أخذ يصرخ بأعلى صوته :

 

ـ يا يهودي ياقذر ... 

 

يا كلب ، ابتعد عنا .... ماذا تريد منا ؟

 

 

 

أخذ الجندي يضحك ويقهقه من صراخ " سامر" ويقول له :

 

ـ ماذا تقول أيها الكتكوت؟ ماذا تقول يا أرابي يا فأر ؟

 

وأخذ يقترب منهم شيئا فشيئا ، حتى إذا صار على بعد خطوة واحدة منهم ، أقدم على فعلة حقيرة ارتجفت لها "أم سامر" في شدة ...

 

لقد مد الجندي الحقير يده ناحيتها يريد أن يلمسها

 

ولثانية واحدة تجمد الموقف كله

 

أصبح شكل "أم سامر" وهي واقفة تحدق في الجندي في ذهول

 

وتضم ولدها إليه بقوة كتمثال مصمت لا حياة فيه

 

ويد اليهودي تمتد ناحيتها شيئا فشيئا

 

وحينما كادت اليد الآثمة النجسة تمسها صرخت "أم سامر" صرخة قوية

 

وتراجعت في هلع خطوات إلى الوراء

 

وأخذ الجندي يضحك ويقهقه في صفاقة ويقترب منها مرة ثانية

 

ولكن فجأة جاء الفرج من السماء

 

وقد تمثل في دورية من دوريات المحتلين ظهرت فجأة وفيها أحد الضباط

 

فانتفض الجندي في ذعر وتجمد لحظة يحدق في الدورية، كانت كافية لأم سامر كي تسحب ولدها وتفر من أمامهم خائفة مذعورة .

 

وسبحان الله ، يا للأقدار المحكمة ، أن تكون نجاتها على يد دورية من دوريات أعدائها

 

فلم يكن مبعث خوف ذلك الجندي من توبيخ سيوجهه إليه الضابط ، أو من عقاب سينزل به، كلا فالمحتلون بضباطهم وجنودهم وقادة جيشهم يباركون مثل هذه الأفعال القذرة ، ولكنه الخوف الفطري الذي يقع في نفس كل إنسان حينما يفعل أمرا منكرا والأهم من كل ذلك أن الله تعالى قد قذف الرعب في قلب الجندي لرؤية رئيسه، رحمة بهذه المسكينة [ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ] سورة آل عمران الآية رقم (151) .

 

 

 

*** *** ***

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0