12/24/2007


خلود ... الأمل المشرق


خلود فتاةٌ بريئةٌ مفعمةٌ بالأمل والمستقبل المشرق الذي ينتظرها، تعيش في إحدى قرى فلسطين الحبيبة، يربض بيتها فوق تلةٍ خضراءٍ محاطةٍ بأشجار الزيتون، هي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، لكنها تحمل في طياتها أحلاماً كبيرةً وآمالاً عريضة....

 

 كم تتمنى أن تمضي الأيام والليالي لتحقق أمنية أباها الشهيد – بإذن الله - قبل أن تغتاله يد الإجرام اليهودي، عندما هاجمه قطعان المغتصبين اليهود وهو يعمل في أرضه- يفلحها ويغرس بها الشجر - وأرادوا أن يقيموا عليها مغتصبةً لهم بحجة أنهم اكتشفوا أن بها أحجاراً لأحد نبوءاتهم المزعومة!!

 

فما كان من أباها الشجاع إلا أن قاومهم بكل ما لديه من قوة، ودفعهم بكل ما وقعت عليه يديه، ولكن ماذا تفعل الشجاعة وسط هذا العدد الكبير من المجرمين المدججين بالسلاح!! ولكنه مع ذلك لم ييأس، وبدا كأنه يصارع الأمواج العاتية من كل حدبٍ وصوب، حتى قام أحد الجبناء بإطلاق رصاص الغدر في ظهره، فأرداه قتيلاً، فسقط وقد سقى دمه أرضه الطاهرة، وأمسك بيده حفنةً من تراب ومدّ بها نحو طفلته البريئة التي تجمدت في مكانها من هول ما ترى، وقد عقد الخوف لسانها، وهو يوصيها ويقول: احفظي الأمانة يا بنيتي، ثم تفيض روحه إلى بارئها بكل سكينةٍ وطمأنينة.

 

كان شريط الذكريات يمر في ذاكرتها سريعاً كلما مرّت قرب أرضها وهي ترى قطعان المغتصبين يلهون فوقها، كان لهيب من النار يتوقد في قلبها، تسأل الله أن يريها يوماً في اليهود يشفي غليلها وغليل أبناء المسلمين، وتعاهد ربها أن تسترد أمانة أبيها مهما طال الزمن...

 

وكانت كلما خلت بنفسها تذكرت والدها الحنون وهو يلاعبها ويضاحكها، ويوصيها أن تصبح متفوقةً متميزةً في مدرستها لأنه يريدها أن تصبح طبيبة أطفال تعالج أبناء بلدها وترد عنهم كثيراً من المعاناة التي يلاقونها وهم لا يجدون معيناً غير الله عز وجل، فإذا ما انتبهت لنفسها قامت بعزيمةٍ وقوةٍ وأخذت كتبها وأقلامها تدرس فيها وتحلّ واجباتها وتحضر دروسها استعداداً لغدٍ مشرق تحقق به أمنية والدها الحبيب.

 

ولكن ماذا تفعل هذه البريئة الصغيرة وهي لا تملك من الحيلة سوى الدعاء والتضرع إلى الله والانطراح بين يديه في سجداتها وخلواتها تسأله سبحانه أن يحقق لها ما تنصر به هذا الدين وتعز به بلدها حتى إذا ما تخيلت والدها وجدت الإبتسامة الرائعة ترتسم على شفتيه رضاً بما صنعت... ولكن متى هو؟!

 

وفي أحد الأيام بينما هي مستغرقةٌ في دموعها بعد أن عادت من مدرستها التي تقع في المدينة المجاورة، مما يعني مرورها وأصدقاءها عبر نقطة تفتيشٍ يهودية يتعرضون خلالها لشتى أنواع الذل في الذهاب والإياب، وفي هذا اليوم طالت غطرستهم وأخذوا في ايذاء الأطفال والشيوخ والنساء، فما كان من الشباب المجاهد إلا أن تصدى لهم بالحجارة والمقاليع يمطرونهم بها من كل اتجاه، وهم يتراجعون كالفئران المذعورة ويطلبون المدد من الجيش!! والذي حضر مسرعاً وأخذ باطلاق النار دون تمييز بين أحد، فما كان إلا أن أوقع عدداً كبيراً من الأطفال ما بين قتيل وجريح، ولا أحد يستطيع الإقتراب منهم من شدة وابل النيران. لقد أفزع هذا المنظر صغيرتنا أيما افزاع، وعادت في خوفٍ وهلعٍ إلى بيتها وقد تبكي بكاءً شديداً لأنها لا تستطيع أن تفعل لأبناء بلدها أي شيء ... فالله المستعان.

 

وبينما هي كذلك ... وإذا بيدٍ حانية تمسح على ظهرها وتربت عليه بكل رفق وهدوء، وتقول لها بلهجة الصدق: اصبري يا حلوتي، فإن الله لا يضيع حق مظلوم، وإياك واظهار الجزع فإن معركتنا ما زالت طويلة، وأنا أُعِدّك لتكوني ممن يبنون مستقبل هذا البلد ويشيدون أركانه...

 

كانت كلمات أمها تقع على قلبها كالماء البارد الزلال، فيوقد بها الأمل والعزة، وأن الله لن يضيعهم. فما كان منها إلا أن التفت لوالدتها وارتمت في أحضانها تعانقها وتقبلها وتقول: عهداً عليّ يا أمي أن أقر عينيك، وأبر بوصية والدي ...

 

وتمر الأيام ... وذات مساء بينما كانت تذاكر مع صديقتها أحلام استعداداً للإمتحانات التي باتت وشيكة على الأبواب، إذا بصوتٍ ضخم يهز أرجاء القرية ثم تبعه بعد لحظات أصوات نيرانٍ كثيفة!!

 

يا إلهي ماذا يحدث؟!! ها هي حوامات العدو تملأ المكان، وصافرات الإنذار تهزم سكون الليل، وسيارات الجيش والإسعاف تغلق المنطقة بالكامل... كل ذلك يمر في جوٍ غريب ترقبه الصغيرتان من خلال نافذةٍ صغيرةٍ في أعلى الدار ...

 

ما الذي حدث؟ تساءل الجميع؟!! نعم، إنهم المجاهدون... لقد استطاعوا التسلل إلى مغتصبة العدو وتلغيمها، وما إن حانت ساعة الصفر وبدأ الإنفجار حتى استقبلوا قطعان المغتصبين والجنود الفاريين من جحيم النيران بوابل من الرصاص، حتى إذا ما أفرغوا ما بجعبتهم، تواروا عن الأنظار، ليسجلوا لحظة انتصارٍ جديدة لهذه الأمة، وليوفوا العهد بتحرير الأرض، ولينتقموا لدماء الشهداء.

 

كان أهالي القرية يتبادلون التهاني بكل فرحٍ فيما بينهم، وهم يدركون أن يهود لن يبقوا أبداً ما دام هناك من يمرغ وجهه لله، ويتشبث بأرضه ضارباً جذوره إلى الأعماق، مؤمناً بموعود ربه.

 

في هذه اللحظة كانت صغيرتنا خلود تجلس بين يدي والدتها مبتسمة شاكرةً لله أن جعل في أهلها من يحمل الراية ويرد الظلم، وأيقنت بكلمات أمها الحنون بأن النصر مع الصبر.

 

وراحت تجول بفكرها كيف ستبني غد أمتها المشرق، وأنها لا بد أن تتحمل جزء من المسئولية تجاه بلدها، وأن أرض الإنسان هو من يبنيها رغم المعاناة والألم والظلم، فالكل يقوم على ثغر...

 

هنا تتوقف حكاية خلود ليس لأنها انتهت، ولكنها إضاءة لصفحةٍ من صفحات المعاناة والألم  والصمود والعزة لأطفال فلسطين التي يعيشونها في كل لحظة، توجب علينا نصرتهم بكل ما نستطيع...

 

فاللهم انصر إخواننا في فلسطين وأيدهم وثبتهم ... آمين.

 

 

 

فكرة واعداد:

 

عائشة الحجي

6/2005م - جمادى الأولى/1426هـ

 

 

حلقات تحفيظ القرآن الكريم للبنات - الكويت


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0