12/24/2007


صرخة أقوي من الرصاص


هتافات غاضبة تجلجل في سماء غزة استجابة لنداء الأقصى الجريح .. دخان انتفاضة عارمة يملأ الأجواء الملتهبة في كل الأنحاء .. جموعٌ من الناس هبت تدافع عن حرمة المسجد غير مبالية بالأهوال .. رجالٌ وأطفالٌ عُزّل إلا من الحجارة انتشروا في الأزقة والطرقات .. حرائق تشتعل في الإطارات تعبر عن مكنون الصدور الساخطة على الاحتلال .. أزيز المجنزرات يضفي جواً آخر من الإرهاب والعدوان .. طائرات تحلق وتراقب عن كثب قبل بدء المواجهة ..

تعاضدت الأيدي المتوضئة ، وتقدمت الجموع كسيل هادر لا يأبه بآلياتهم التي التفت حول مستوطناتهم البغيضة ..

تصايح الشباب وتدافعوا ببسالة وإباء نحو الجنود المدججين الجاثمين وراء مدرعاتهم ومتاريسهم الواهية ..

تطايرت الأحجار والزجاجات المستعرة نحو الغاصبين الآثمين ..

لعلع الرصاص الغزير في كل مكان ..

تصاعد دخان القنابل المسيلة للدموع هنا وهناك ..

تعالت هتافات الحث على المواجهة والصبر والثبات ..

تقدمت جموعهم بعزيمة أصلب من الصخر ، وهمة تعلو على القمم .. بدت الوجوه غير عابئة بأصوات القنابل والرصاص .. قذفوا حجارتهم تباعاً كالمطر .. وأتاهم الرد الدنيء من الجيوش الجاثمة .. زخات متتابعة من الرصاص .. وتساقطت أجساد أبطال الحجارة .. وتقدموا لا يعبأون بنار أعداء الحياة .. تقدموا بصدورهم نحو الرصاص ..

تململت الأرض واضطربت غضباً لأبنائها الذين سكبوا فوقها دماءهم الزكية الطاهرة في صورة معبرة رائعة ..

وقف جمال يتأمل هذه الجموع في كل الطرقات .. جعل يتنقل ببصره هنا وهناك يبحث عن طريق آمن يوصله وابنه محمداً إلى البيت ..

سقطت بالقرب منه قنبلة مسيلة للدموع .. تدحرجت قرب قدميه .. تسلل الدخان إلى رئتيه .. سعل بشدة .. التفت يميناً ويساراً .. تأمل الناس من حوله ..

- محمد .. محمد .. أين أنت يا ولدي ؟!!

- أبي .. أنا هنا يا أبي ..

- تعال بسرعة .. هيا ..

أمسك بيده وجرى مسرعاً يبحث عن مخرج من هذا الحصار ..

رأى الجنود ينتشرون بآلياتهم في كل مكان .. كانوا يحيطون بالمكان من كل اتجاه ..

نظر إلى ابنه بإشفاق .. شعر بضيق في صدره ..

- ولدي .. محمد ..

- انتبه يا أبي إنهم يطلقون الرصاص ..

- إنهم هناك يا بني .. أسرع لنختبئ ..

- أين يا أبي ؟!!

- هناك قرب ذلك البرميل ..

- إنه لا يصلح يا أبي ..

- ليس أمامنا شيء نختبئ خلفه غير هذا البرميل ..

يمسك بيده ويسرع بخفة ليحتمي بالبرميل ..

وينهمر الرصاص بغزارة .. يحضن الطفل الصغير أباه ..

- أبي .. إني خائف يا أبي ..

- لا تخف يا بني .. إن الله معنا ..

- إنهم هناك ينظرون إلينا ..

- قاتلهم الله ..

- هل سيطلقون الرصاص علينا يا أبي ..

- إنهم وحوش مجرمون يا بني ..

- أبي .. آآخ .. ساقي يا أبي ..

- ولدي .. محمد .. ماذا أصابك يا ولدي .. ؟!

- ساقي تؤلمني يا أبي .. آآخ ..

وينظر إلى ساقه فيرى الدماء تنزف بغزارة .. يشده إليه .. يعانقه .. يقبله ..

- أبي .. إنها تؤلمني يا أبي .. آآخ ..

ويصرخ صرخة مدوية تهتز لها الأرجاء .. وتتعالى في سماء فلسطين مجلجلة بالغضب العارم .. وتهتز لها الأفئدة .. ويضطرب الجنود .. ويطلقون المزيد من الرصاص علهم يخمدون هذه الصرخة المدوية ..

ويخترق الرصاص المقتحم رقبة الطفل وظهره ... ويرتمي في أحضان والده هادئاً مطمئناً .. ويسكن الألم .. ويبرد الجسد الطري في جو من الأسى .. يصرخ الوالد المفجوع بوله ..

- ولدي .. ولدي .. مجرمون .. قتلة ..

وتتدفق الدموع حزينة حرى ..

وتعاجل زخات من الرصاص المنهمر الوالد المفجوع الحزين ..

- آآخ ..

يحاول النهوض فلا يستطيع .. فقد اخترقت جسده ثماني رصاصات ملتهبة ..

ينهار ويسقط وهو يحتضن ابنه القتيل بين يديه ..

يزداد الغضب اشتعالاً .. وتتواصل الجموع بهتافاتها .. وتشتبك مع الجنود في حرب غير متكافئة .. ويترجل سائق إسعاف من سيارته لينقل الوالد الجريح وابنه القتيل إلى المستشفى .. يتقدم نحوهما بخفة .. يمسك بيد الوالد ليحمله .. يحاول النهوض ..

يشعر بوخز في خاصرته .. يضع يده وينظر

- آآه .. دماء ..

يلتفت إلى الوراء .. يستقبل الرصاص بصدره بشجاعة .. يجثو على ركبتيه .. يتأمل الدماء الغزيرة على الأرض من حوله .. يشعر بدوار .. يهوي ليعانق الأرض والدماء ..

ويصحو الوالد الجريح في المستشفى بعد أيام .. يفاجأ بأنه عاجزٌ لا يستطيع الحركة .. يدرك أن ابنه قتل في تلك المعركة .. يتذكر صرخته المدوية .. ويتذكرها كل من سمعها أو سمع بها ..

وتظل تلك الصرخة البريئة تجلجل في سماء فلسطين مع كل انتفاضة ضد اليهود ، وتظل مدوية هادرة تؤرّق مضاجعهم ، وتحرق أفئدتهم الخاوية ..

تسللت دموع الوالد الحزين .. تمتم بكلمات ..

- قتلوه بالرصاص حقاً .. لكن صرخته أحيت الكثيرين .. وستظل أقوى من ذلك الرصاص !!

 

 

 

 

 

مجلة الجندي المسلم

 

101

 رقم العدد :

 

12/01/2000

 تاريخ العدد

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0