6/11/2020


حصار غزة...أرقام وآلام


 حصار غزة...أرقام وآلام

تعيش غزة عقابًا جماعيا، بل إبادة وحشية لا ماء ولا غذاء، ولا كهرباء وحصارًا ظالمًا منع وصول الأغذية والوقود والتجهيزات الأساسية، وسجن مليونًا ونصف المليون داخل أسوار هي في حقيقتها سجن وسجانون مدججين على أبوابه، قتل وقصف يومي نال كل الأعمار والأجناس، واقع من الصعب أن يحتمله إنسان على وجه الأرض، وحصار أعوزهم إلى "الكيلو من الطحين"، ومعابر مغلقة، وحياة يومية بلا كهرباء ولا ماء ولا وقود، ليحكموا على المليون ونصف المليون النسمة بالقتل البطيء!!

مشكلتنا في فلسطين ليست صاروخ يطلق أو حكومة تنتخب أو مغتصبة تفكك يفتح أو شاحنة تدخل أو كهرباء تقطع... لكنها مسيرة احتلال بغيض وظلم عاني منه الفلسطينيون لأكثر من 70 عامًا ، وما هذه الأرقام إلا نتاج تلك المسيرة الظالمة والتي أوصلت هذا الشعب ليستجدي كيلو الطحين ولتحقيق الإذلال والمهانة وكسر الإرادة والتنازل عن كل الثوابت، وقد لخص ذلك وغزة وزير الدفاع (إيهود باراك) بتبريره ممارسات الاحتلال وإجراءاته تكمن في احتلال بقوله: "إسرائيل تعلمت أنه ليس ثمة سبيل لتحقيق النصر بالاحتلال وإن الطريق الوحيد هو اختيار شدَّة المهانة "

غزة الحاضر... أرقام مخيفة

غزة مساحتها 363 كم (۱،۳ % من مساحة فلسطين)، سيطر اليهود على 43% من مساحتها منذ 1967م إلى الانسحاب منها عام ۰5 ۲۰م ، وأقاموا (۱۹) مغتصبة منها الاستيطانية المدنية ومنها الزراعية ومنها الصناعية ومنها العسكرية ومنها نقاط المراقبة...

التي توزعت على كل ۲۰ كم في المتوسط، وكان عدد المغتصبين في غزة يتراوح ما بين ۳۸۰۰ إلى ۸۰۰۰ مغتصب، وكان يقوم بحماية المغتصبات ما يقرب من ۳۰۰۰۰ إلى ۳500۰ جندي يهودي.

وتُعدُّ الكثافة السكانية في قطاع غزة الأعلى في العالم , ۵4۰۰۰ نسمة/كم ويعيش معظم سكان غزة وعددهم ۷۰-۸۵ % من أصل 1٫4 مليون تحت خط الفقر بواقع ۲ دولار يوميا !!

وإليك أخي القارئ أرقامًا وآلامًا نسردها لنعي حجم المأساة التي يعاني منها إخواننا في القطاع:

-70% من أهالي قطاع غزة لاجئون يعيشون في تسعة مخيمات.

70% يعيشون تحت خط الفقر (۲ دولار يوميًّا)..

يُسمح لليهودي باستخدام 2400م من المياه سنويًا بينما يسمح للفلسطيني استخدام 50م من المياه سنويًا، أي أنه يُسمح لليهودي استخدام 48 ضعف الفلسطيني.

-في غزة أكبر سجن في العالم مساحة ، ويضم أكبر عدد من السجناء في التاريخ ويعيش أهلها ثقافة السجن والسجناء.

75% إلى 85% من سكان غزة يعتمدون في حياتهم على مؤسسات المساعدات الانسانية.

-96% من المصانع تم إغلاقها.

 - 67% ألف عامل في الصناعة فقدوا أعمالهم.

-30% من المتاجر أغلقت أبوابها.

-65% من المتاجر خفضت أعمالها.

-100% من مصانع النسيج أغلقت أبوابها.

-600 ألف عامل ينضمون إلى العاطلين عن العمل

- متوسط دخل الفرد اليهودي يصل إلى 3۰ ضعف دخل الفرد الفلسطيني.

شهادة التأريخ

سنتان من الحصار سجلهما التاريخ كما سجل صفحاته السود إضراب 1936م، والذي استمر ستة أشهر احتجاجًا على السياسة البريطانية في تهويد فلسطين والعمل على تمكين العصابات اليهودية وتجهيزها لاحتلال فلسطين آنذاك.

نريد من مؤرخينا أن يؤرخوا لمرحلة الحصار بكل تفاصيلها وأبعادها ومواقف الآخرين منها، وألا تقتصر على الصفحات السود في تسجيل تلك المرحلة.

وبعد هذا هل سيزول الحصار فعلا؟ وهل يرى أهل فلسطين النور من جديد، وتنتهي معاناتهم وآلامهم، وهل سيتوقف اليهود وآلتهم العسكرية عن ممارسة هوايتهم اليومية من قتل وتدمير؟!!.

ما الجديد في معاقبة الشعب الفلسطيني؟!

هل وصول حكومة رئيسها وأغلب أعضائها من حركة حماس إلى سدة الحكم في فلسطين هو السبب في معاقبة الشعب الفلسطيني وإيجاد المبررات لتجويعه واذلاله، وقطع المعونات عن سلطته ووقف الاتصالات معها، كما كانت القرارات الأخيرة؟

الحقيقة التي يجب أن تُعرف لمن قرأ التاريخ المعاصر أن مأساة فلسطين لم تبدأ بفوز هذا أو ذاك ، فهي مسيرة ظلم عانى منه الفلسطينيون خلال أكثر من مائة سنة، والمعضلة أفهامنا التي عودناها واعتاد معها العالم على التعامل مع الظلم بحق أهل فلسطين، كحالة طبيعية نمر عليها مرور الكرام وكأنهم يتحملون ما جنته أيديهم، بسبب مقاومتهم حينًا أو لاستسلامهم حينًا آخر، أو لإبرامهم العقود والعهود والاتفاقات، أو لرفضهم لبند معين من مجمل اتفاقية مقترحة!!

ولعل تسارع الأحداث على أرض فلسطين، منذ وعد بلفور ۱۹۱۷ م إلى الآن أفقد الكثيرين إدراك ما حدث وما يحدث على أرض فلسطين، وكيف تطورت القضية وما آلت إليه الأمور منذ ذلك الحين الى اليوم، فلا مثيل في التاريخ للطريقة التي يتعامل بها المجتمع الدولي مع الشعب الفلسطيني، بدءا من تبني بريطانيا المشروع اليهودي بإلغاء حقوق أهل فلسطين في أرضهم والحلول مكانهم، والوعد بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم احتلال بريطانيا لأرض فلسطين تحت مسمى الانتداب وتسليمها لليهود جاهزة بعد أن مكنتهم من الأرض والمؤسسات وامتلاك السلاح.

مأساة فلسطين وما حل بأهلها من اقتلاع من أرضهم، وإحلال شتات اليهود في مساكنهم وممتلكاتهم وأرضهم، والتي كان من حلقاتها إقامة (الجدار العازل) ذلك الجدار الذي سجن شعبًا بأكمله في أكبر سجن في التاريخ مساحةً، وأكثر عددًا من السجناء؟!

وتبعه انسحاب أحادي الجانب حَوَّل غزة إلى سجن كبير، وهدف سهل للقصف والحصار والتجويع والعقاب الجماعي والاذلال.

إذًا ما الجديد، وما الذي تغير على الشعب الفلسطيني الذي تغير تحت الاحتلال اليهودي والظلم الذي يعيشه المسلمون في فلسطين، ليس فرض هذا التجويع والاذلال، بل الأسباب التي يرددها الاحتلال لتبرير ممارساته التعسفية بحق الفلسطينيين، وإعطاء الشرعية لممارساته.

أي سلام يزعمون؟!

الممارسات التي يقوم بها الاحتلال إغلاق القطاع وتجويعه هي حرب حياة أو موت، ولا تقل خطورتها عن جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، والتدمير الشامل.

والمطلوب من المجتمع الدولي الخروج عن صمته، والقيام بواجباته الأخلاقية والقانونية تجاه السكان المدنيين في القطاع، وتوفير حاجاتهم الأساسية، والحماية الدولية لهم وممتلكاتهم، والعمل على تحريرهم من سجن يعد الأكبر في التاريخ من حيث المساحة وعدد السجناء، وألا تترك بواباته خاضعة لتصرف السجان اليهودي ليقتل ويجوع ويدمر.

هذا ما أرادته القيادة اليهودية لجعل الوضع هو الاخطر منذ قيام الكيان الغاصب، ليعيش الفلسطينيون على أرضهم مناخ السجن والقهر، والمطلوب منهم توزيع الأدوار داخل هذا السجن من خلال الهدنة واجراء بعض الانتخابات ! وادخال الطعام إلى السجن هو الأداة التأديبية لمن بداخله!! فأية تسوية، وأية تهدئة ستكون عندما يسجن شعب بأكمله وعلى أرضه؟ وتسور أرضه ويقتطع جُلها؟ ثم يجوّع ويُحرم من رغيف الخبز، لكسر إرادته وكرامته.

واجب النصرة

ومن هنا فإن الحكومات العربية والإسلامية مطابة اليوم بأداء واجبها في نصرة الشعب الفلسطيني وعونه، وفك ذلك الحصار الشديد المفروض عليه؛ وذلك بتقديم كل وسائل الدعم المادي والاقتصادي والسياسي ، وعدم الخضوع لتلك الإملاءات والتهديدات الظالمة، وعلى الشعوب الإسلامية في العالم أن تقدّم مزيدًا من الدعم والمآزرة لإخوانهم ، فليحذر المسلمون جميعًا في العالم من أن يكونوا سبيًا في التخذيل أو التواني أو النكوص عن دعم فلسطين والمصلحين فيها، فنصرة الشعب الفلسطيني هي نصرة للمسلمين جميعًا.

واجبنا نحو إخواننا في فلسطين

وفي ظل تلك الأزمات التي تمرُّ بإخواننا في فلسطين فإن أهم ما تحتاج إليه في هذا العصر الذي كثرت فيه المصائب وتعددت أوجهها الصبر؛ لأنه دأب الأنبياء والمتقين، وحلية أولياء الله المخلصين، فالصبر ليس حالة جبن أو يأس أو ذل، بل الصبر حبس النفس عن الوقوع في سخط الله تعالى وتحمل الأمور بحزم وتدبر..

والصابرون يوفون أجورهم بغير حساب: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا) (الفرقان: 57 )، وقال تعالى عن أهل الجنة: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد: 24 )، فهو المحك الرئيس، لصدق العبد في صبره وواعدًا بالحسنى:(وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء:104)، ولنبشر جميعًا بنصر الله تعالى، إذا حققنا العبودية لله سبحانه، حينها يصبح الحجر والشجر جند من جنود الله تعالى، ويكون التمكين للمسلمين في الأرض:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55).

ونوصى أنفسنا وإخواننا على أرض فلسطين بما وصَّى به الله عباده المؤمنين في خاتمة سورة آل عمران حيث قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

ما المطلوب منا؟

وقفة أمتنا الإسلامية والعربية مع قضية فلسطين وشعبها مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى... فالحصار اشتد والاعتداءات في ازدياد والآلام تتفاقم والمعاناة ليس لها حدود...ولا بد أن نكسر الحصار المفروض للتجويع والاذلال، ولا نمانع إن وصفونا بالإرهاب... فليتبرع كل منا للشعب المسلم المحاصر، ولنسهم جميعًا في إيصال المال للأيتام الذين انقطعت عنهم الكفالات الشهرية بسبب قطع سبل إيصال الأموال إلى فلسطين ومصارفها ، فالآلاف منهم ينتظرون إيصال مخصصاتهم، أرامل وأسر متعففة ومرضى وطلبة انقطعوا عن جامعاتهم ومعاهدهم ، وبعضهم في السنوات الأخيرة، يأملون أن يرفع الحصار عن الحوالات لإيصال مخصصاتهم الشهرية من المؤسسات الخيرية والتطوعية.

-مطلوب منا وقفة مع المصارف العربية التي تمنع تحويل الأموال والمبالغ للشعب الفلسطيني ومؤسساته الخيرية، والتي ساهمت في حصار الشعب الفلسطيني بعد أن خضعت للضغوط واستجابت للأوامر حتى لا تتهم بمساندة الإرهاب!! أليس لنا الحق بوصفنا أمة إسلامية وشعوب تتابع المعاناة -على الهواء مباشرة- في وضع تلك البنوك في القائمة السوداء، ولنحاسبها حول انهزامها أول مواجهة؟!!

-ومطلوب منا كذلك أن نعي المؤامرات التي تدور حول فلسطين وشعبها، وأن نعرف ما وراء تلك الأحداث، وكيف سخر الإعلام الغربي وغيره لتبرير الحصار وسياسة القتل البطيء للمسلمين في الأرض التي باركها الله للعالمين وفضلها لتكون مقام الطائفة المنصورة الى آخر الزمان.

-ومطلوب منا أيضًا أن نعرف أسباب النصر على أعدائنا، وأن لا نضخم قوتهم ونردد مقولاتهم بأن جيشهم لا يُقهر، فقد بان حالهم وهم أجين خلق الله تعالى وأكثرهم رعبًا وخوفًا إن كانت هناك مواجهة وحرب حقيقية والتي لم تحصل بشكل شامل إلى الآن !!

-مطلوب منا أن نتوحد حول قراراتنا العربية والإسلامية التي تحق الحق وترد الباطل، -وما ذلك ببعيد- كما توّحد الغرب الأوروبي والأمريكي حول رؤاه ومواقفه وقراراته بكل ما يتعلق فلسطين وشعبها، كموقفها من وقف المساعدات على الحكومة الفلسطينية المنتخبة والشعب بأكمله ، وموقفها من الاعتداءات الصهيونية الظالمة، أليس في استطاعتنا ونحن نملك الكثير أن نقابل تلك القرارات، بمواقف وقرارات مماثلة حتى لا نترك إخواننا في فلسطين يواجهون الحصار والموت البطيء وحدهم؟

-ومطلوب منا أن لا نبرر لليهود ممارساتهم بالذرائع التي أرادوا أن يقنعوا العالم بها لإكمال مسيرتهم في ضرب البنية التحية والمؤسسات، وكل مظاهر الحياة على أراضي الضفة والقطاع.

-ومطلوب أولاً وأخيرًا من الشعب الفلسطيني أن يُوحد صفوفه ويتمسك بثوابته الشرعية ويدافع عنها، وينبذ الخلاف ويقف صفًا واحدًا في مواجهة الاحتلال والمتغيرات العالمية والثبات على نهج الوحدة القائم على الشريعة الإسلامية؛ الوحدة التي لا يذّل فيها مظلوم، ولا يشقى معها محروم، ولا يعبث في أرضها باغ، ولا يتلاعب بحقوقها ظالم.

-ومطلوب من الشعوب الإسلامية في العالم أن تقدِّم مزيدًا من الدعم والمؤازرة لإخوانهم، وليحذر المسلمون جميعًا في العالم من أن يكونوا سببًا في التخذيل أو التواني أو النكوص عن دعم فلسطين والمصلحين فيها ، فنصرة الشعب الفلسطيني هي نصرة لأرض المسلمين. . .

والحمد لله رب العالمين

العدد الخامس – مجلة بيت المقدس للدراسات


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0