6/7/2009


القدس عاصمة الثقافة ... وأكاذيب اليهود - الحلقة العاشرة


 

 

القدس عاصمة الثقافة ... وأكاذيب اليهود

 

 

الحلقة العاشرة

 

 

 

لله در "المسجد الأقصى" مع أنه أول قبلة للمسلمين ، وثاني مسجد وضعاً في الأرض ، وثالث المساجد التي يشد إليها الرحال ، فقد اجتمع على التقليل من شأنه الباحثون اليهود في مؤلفاتهم، والكتاب العلمانيون في صحفهم ، والفرق الباطنية في أقوالهم ؛ لأن شأنه عظيم ومكانته راسخة في قلوب المسلمين ، ومهما عملوا وسطروا إلا أن دفاع المسلمين الصادقين يؤرق مضاجعهم ، وتضطرب أمامها أقوالهم وكتاباتهم . وسنتطرق في الحلقة العاشرة لأكذوبة طالما قالها المشككين وأصحاب الأقلام المسمومة ، وسنرد عليها بعشرة نقاط مختصرة :

 

يزعمون : أن قدسية القدس والمسجد الأقصى في الإسلام حديثة العهد !! وأن معاوية بن أبي سفيان هو الذي أسمى القدس وبلاد الشام الأرض المقدسة !!

 

ونقول: هناك شبه إجماع بين المستشرقين اليهود - خاصة - على أن ظاهرة الاهتمام بالمسجد الأقصى والأرض المقدسة، وتأكيد مكانتهما في الإسلام إنما نمت وترعرت مع قيام الدولة الأموية، وذلك لغايات ومكاسب سعى حكام الأمويين لتحقيقها !!

فقد أشاع الأكاديميون اليهود أن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه – هو الذي ابتدع هذا الوصف لأرض القدس وفلسطين نكاية بمعارضيه وتثبيتاً لأركان حكمه في بلاد الشام!! ؛ يقول إسحق حسون - الباحث اليهودي- : " إن معاوية الذي بويع بالخلافة في القدس هو الذي أسمى القدس وبلاد الشام الأرض المقدسة !! وأشاع عن القدس أنها أرض المحشر والمنشر"(1)

ورَدد تلك المقولة بعض الكتاب الذين قالوا : "أن قدسية القدس والمسجد الأقصى في الإسلام حديثة العهد جداً ، وأن كتب التاريخ لا تذكر أن أحداً من الخلفاء الراشدين قد فكر أو ادعى قدسية القدس أو تفضيلها على يثرب عاصمة الخلافة"!!

بل البعض منهم ذهب لأبعد من ذلك بقوله : أن مكانتها بدأت بعد أن حررها صلاح الدين الأيوبي؛ وأسماها: الأرض المقدسة !! وأن صلاح الدين لم يخرج بنية تحرير القدس ، وإنما ليحارب جيوش دويلات وممالك فلسطين ، وهي حرب تجارية توسعية لا علاقة لها بالدين ولا بالقدسية!!

 

والرد على تلك الأقوال الواهية نلخصه بالآتي:

( 1 ) تناسى هؤلاء أن المسجد الأقصى والقدس وفلسطين مقدسة منذ القِدم ، ألم يسمعوا أو يقرءوا أن الأرض المقدسة جاء ذكرهما في العديد من الآيات في كتاب الله عز وجل ، قال تعالى : ) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) ( [ المائدة ] . وهو خطاب موسى عليه السلام لقومه ، قبل حلول بني إسرائيل في فلسطين ، وقبل أنبياء بني إسرائيل الذين يزعم اليهود وراثتهم . والبركة كانت قبل إبراهيم عليه السلام قال تعالى عن إبراهيم ولوط : ) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) ( [ الأنبياء ] . وتلك البركة كانت فيها قبل إبراهيم عليه السلام ، ولذلك سكن اليبوسيون بجوارها ، ولم يسكنوا فيها ، لأنها محل للعبادة . وقال سبحانه : )وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) ( [ الأنبياء ] ، وقال تعالى : ) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) ( [ سبأ ] .

( 2 ) ألم يكن من تعظيم موسى عليه السلام للأرض المقدسة أن سأل الله تبارك وتعالى عند الموت أن يدنيه منها . روى مسلم في صحيحه مرفوعاً : " فسأل الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر ، فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر "(2)

قال النووي : " وأما سؤاله أي موسى عليه السلام الإدناء من الأرض المقدسة فلشرفها ، وفضيلة من فيها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم " (3)

وقد أفرد البخاري في صحيحه باب أسماه " باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة " . ومما أجمع عليه علماء الأمة أن فلسطين من الأرض المقدسة وتواتر هذا اللفظ عند المحدثين والفقهاء ، وفي كتب الصحاح والأسانيد ، ولم ينكره أحد .

واستدل بعض المشككين بالأحاديث التي نصت على أن "الأرض لا تقدس أحداً " ، فقالوا هذا من إنكار تلك العبارة وذلك المسمى !! ونقلوا قول صعصعة بن صوحان العبدي حينما قدِم من العراق إلى الشام فقال معاوية : قدمتم الأرض المقدسة ، فرد صعصعة بأن الأرض لا تقدس أحداً .

وجاءت رواية مشابه في مصنف ابن أبي شيبة : " كتب أبو الدرداء إلى سلمان : أما بعد فإني أدعوك إلى الأرض المقدسة وأرض الجهاد ؛ فكتب إليه سلمان : أما بعد فإنك قد كتبت إلى تدعوني إلى الأرض المقدسة وأرض الجهاد ، ولعمري ما الأرض تقدس أهلها ، ولكن المرء يقدسه عمله" (4)

والإنكار هنا على من فهم أن الأرض تقدس الإنسان ، وفي شريعتنا الغراء الأرض لا تقدس أهلها، إنما يقدس الإنسان عمله ، وهذا مما لا خلاف عليه بين المسلمين ، ولا يتعارض مع تسمية بلاد الشام الأرض المقدسة .

( 3 ) وفي الحديث الصحيح أن المسجد الأقصى قدسيته قديمة ؛ فهـو ثـاني المساجد وضعاً في الأرض بعد المسجد الحـرام ، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولاً ؟ قال : المسجد الحرام . قال : قلت : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى قلت : كم كان بينهما؟ قال أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعدُ فصله ، فإن الفضل فيه " رواه البخاري.

وكيف تكون مكانته حديثة وهو أول قبلة للمسلمين ؟!! أخرج  البخاري ومسلم بالسند إلى البراء بن عازب رضي الله عنه قال : صليت مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً ثم صرفنا إلى القبلة ". وتحويل القبلة لم يلغ مكانته ، بل بقيت مكانته عظيمة في قلوب المسلمين وفي الشرع الإسلامي .

( 4 ) وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على فضل المسجد الأقصى وعظم شأنه ؛ وأخبر بتعلق قلوب المسلمين به لدرجة انه يتمنى المسلم أن يكون له موضع صغير يطل منه على المسجد الأقصى أو يراه منه ويكون ذلك عنده أحب إليه من الدنيا وما فيها . فعن أبي ذر – رضي الله عنه – قال : ( تذاكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل :  أمسجد رسول الله أم بيت المقدس ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه ، ولنعم المصلى هو ، وليوشكن أن يكون للرجل مثل شطن (5) فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعا. قال : أو قال خير من الدنيا وما فيها ).أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والألباني .

وبشر النبي صلى الله عليه وسلم بفتحه قبل أن يفتح ، وتلك البشرى من أعلام النبوة ، عن عوف بن مالك قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أَدم ، فقال أعدد ستاً بين يدي الساعة :- ذكر منها -، ثم فتح بيت المقدس " رواه البخاري.

( 5 )  وأجمع أهل العلم على استحباب زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه ، وأن الرحال لا تشد إلا إلى ثلاثة مساجد منها المسجد الأقصى ، وتلك المساجد الثلاثة لها الفضل على غيرها من المساجد فقد ثبت في الصحيحين من رواية أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ،  ومسجدي هذا " . قال النووي في "المنهاج شرح صحيح مسلم " : "فيه بيان عظيم فضيلة هذه المساجد الثلاثة وميزتها على غيرها، لكونها مساجد الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، ولفضل الصلاة فيها، وفضيلة شد الرحال إليها، لأن معناه عند جمهور العلماء: لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها، وقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: يحرم شد الرحال إلى غيرها" .

وقال الحافظ في "الفتح" (3/603) : وفي الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم، والثاني كان قبله الأمم السالفة، والثالث أسس على التقوى.

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله عن حكم زيارة بيت المقدس والصلاة فيه فقال: ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تشد الرحال .... وهو في الصحيحين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وقد روي من طرق أخرى، وهو حديث مستفيض متلقى بالقبول، أجمع أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول والتصديق، واتفق علماء المسلمين على استحباب السفر إلى بيت المقدس للعبادة المشروعة فيه، وكان ابن عمر يأتي إليه فيصلي.

( 6 ) والصلاة في المسجد الأقصى  لها فضل كبير ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس  سأل الله ثلاثاً: حكما يصادف حكمه ، و ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أما اثنتان فقد أعطيهما ، وأرجو أن يكون أعطي الثالثة " . رواه النسائي وابن ماجه .

( 7 ) وشد الكثير من الصحابة الرحال للصلاة في المسجد الأقصى ، ودخله من الصحابة رضي الله عنهم جمـع كثير ، شـدوا الرحال إليه وقصدوه بالسكن والعبادة والوعـظ والإرشاد ، منهـم : أبو عبيدة بن الجراح ، وكان القائد العام لجيوش الفتح في الشام ، وبلال بن رباح ، شهد فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب ، وأذن في المسجد الأقصى ، ومعاذ بن جبل ، استخلفه أبو عبيدة على الناس بعد موته ، وخالد بن الوليد ، سيف الله المسلول شهد فتح بيت المقدس ، وعبادة بن الصامت وهو أول من ولي قضاء فلسطين سكن بيت المقدس ودفن فيها ، وتميم بن أوس الداري ، وعبد الله بن سلام ، قدم بيت المقدس ، وشهد فتحها ، وهو من المشهود لهم بالجنة ، وغيرهم الكثير الكثير (6).

( 8 ) وتميز المسجد الأقصى وموطنه عن كل المدائن التي فتحها المسلمون ؛ فهي البلدة الوحيدة التي خرج الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المدينة لاستلام مفاتيحها ، وبنى المصلى في ساحات المسجد الأقصى - سنة 15هـ - بعد أن يَسَر الله للمسلمين فتح بيت المقدس ، وأوقف أرضها المباركة لتكون أمانة في عنق الأمة إلى قيام الساعة . بذل أتباع رسول الله محمد e أرواحهم لطرد الروم والصليبيين منه ، ودفعوا تسع حملات صليبية عنه ، بقيادة نور الدين محمود بن زنكي ، وصلاح الدين الأيوبي  رحمهم الله وغيرهم من الحكام المسلمين الذين قادوا المجاهدين المسلمين حتى تحقق على أيديهم تحرير بيت المقدس بعد 91 عاماً من اغتصابها ، لأن مكانة الأقصى والقدس في القلوب ، وأرض المسلمين المباركة ، وهذا من عقيدتنا ، ولن ينجح الأعداء في انتزاع هذه المحبة مهما أشاعوا من الأكاذيب.

( 9 ) والأدلة والأقوال التي اعتمدوا عليها المشككين تتأرجح ما بين تأويل فاسد لآية كريمة، أو حديث موضوع لم يصح ؛ أو رواية من مؤرخ حاقد منافس لم يذكرها غيره من المؤرخين، أو عبارة غير مسندة اقتطعوها من هنا أو هناك ؛ وتفتقت قريحة أحدهم وكتب: "أنه لم يكن له – أي : للمسجد الأقصى - وجود قبل عمارة عبد الملك " !! وكتب غيره : "أنه لم يكن له – أي للمسجد الأقصى- وجود قبل عمارة عبد الملك"  فقد ورد في الصحيحين العديد من الأحاديث النبوية التي تؤكد وجود المسجد الأقصى في بيت المقدس وقبل الإسلام !! فنحن لن نبحث عن علل التقديس في فلسطين فقداستها ربانية، ولن نبحث عن علل تبريك فلسطين فبركتها ربانية، ولسنا نحن من الذين سمينا المسجد الأقصى بالمسجد الأقصى وإنا الذي سماه هو الله السميع البصير ، ولسنا نحن الذين نزعم أن الرسول الأعظم جاء إليه ليلاً مع أحد من الملائكة راكباً دابةً سماوية، إنما هي الحقيقة الناصعة في القرآن الكريم وفي السنة الشريفة كما وسبق إثباته .

( 10 ) وختاماً نقول للباحثين اليهود ولمن سبقهم من المستشرقين ولمن يلحق بهم من الفرق الباطنية ، إن أحداً من الصحابة ولا التابعين ولا غيرهم من علماء الأمة قال بهذا القول ، وإن ما فهموه من الآية والأحاديث أنه في الأرض المقدسة ، وتلقت الأمة هذا الفهم من بعدهم على مدى أربعة عشر قرناً جميعاً أئمة وأصحاباً وتابعين ومحدثين وفقهاء وعلماء بالقبول ولم ينكر أحد ذلك المُسمى .

فمهما حاولتم دس السم فلن تفلحوا ... فقلوب الصحابة كانت تواقة لفتح بيت المقدس قبل أن تفتح بلاد الشام ؛ وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركون أن الأرض  المقدسة المذكورة في القرآن الكريم هي أرض القدس وفلسطين . ونحمد الله تعالى أننا لسنا نحن الذين أسمينا أرض المسجد الأقصى بالأرض المقدسة ، وإنما الاسم من الله السميع البصير ؛ ولسنا نحن الذين نزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، إنما هي الحقيقة الناصعة في صريح كلام الله تعالى في كتابه الكريم ، وفي السنة الصحيحة المتواترة . والحمد لله رب العالمين ،،،

 

عيسى القدومي



(1)  فضائل بيت المفدس في مخطوطات عربية قديمة ؛ للدكتور محمود إبراهيم ؛ ص 41 .

(2)  صحيح مسلم ،حديث رقم 3474 .

(3)  شرح النووي لصحيح  مسلم ، ح8 ص103 .

(4)  مصنف ابن أبي شيبة ح8ص182 .

(5) الشَّطَن: ( الشَّطَنُ: الحبل، والجمع أشْطان ). وقال في " المعجم الوسيط ": الشَّطَنُ: الحبل الطويل يُستقى به من البئر، أو تشدُّ به الدابة.

(6)  للاستزادة في أسماء الصحابة الذين قصدوا بيت المقدس ، راجع : مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام ، والأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل .

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0