4/22/2009


القدس عاصمة الثقافة ... وأكاذيب اليهود - الحلقة الخامسة


 

 

القدس عاصمة الثقافة ... وأكاذيب اليهود

الحلقة الخامسة

 

 

 

درج اليهود في الآونة الأخيرة تصميم مواقع على شبكة الإنترنت وبثها باللغة العربية، وإنشاء مدونات خاصة للتشكيك في كل ما جاء في الكتاب والسنة حول فضائل المسجد الأقصى المبارك ليصلوا بأن القدس لا مكانة لها، ولا رابط ديني بينها وبين الإسلام! وأن المسجد الأقصى هو مسجد آخر غير مسجد القدس، هو مسجد في السماء!! وأنه لم تكن هناك أي قداسة لبيت المقدس في الإسلام قبل وجود الخلافة الأموية في بيت المقدس، وأن الخليفة عبد الملك بن مروان قد بنى قبة الصخرة ليصرف أنظار المسلمين عن الكعبة؛ ولتكون مبنى يحج إليه المسلمون ينافس الكعبة في مكة المكرمة!!

وأن مكانة القدس في الإسلام، كانت موضع خلاف بين المسلمين الأوائل؛ وما روي من أحاديث عن قداسة مدينة القدس؛ كانت موضع شك عند كثير من المسلمين!! وأن عوامل سياسية -داخلية وخارجية- هي: التي حَفَّزَت على إضفاء صفة القداسة على المدينة، ومن هذه العوامل -مثلاً-: حرص بني أُمية على أن يجنبوا الناس الحج إلى مكة خلال خلافة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه !! وأن الأحاديث التي رُويت في فضائل بيت المقدس وجدت في فترة متأخرة وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، وأن جُلَّ هذه الأحاديث هي: من اختلاق محمد بن شهاب الزهري رحمه الله !!

الغريب أن يترادف مع انتشار كتابات اليهود وباحثيهم ؛ ظهور مقالات لكتّاب يحملون أسماء عربية!! يقتبسون للأسف من مقالات اليهود وكتاباتهم ويعيدوا نشرها بأسمائهم ليشككوا كذلك في مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين ، وبعضهم تجاوز ذلك ليكتب بقلمه بأن المسجد الأقصى هو حق لليهود ولا يجوز منازعتهم في شأنه !! وسيلحظ من غير عناء القارئ الكريم أن اليهود قد وفروا للعلمانيين هؤلاء المادة لكتاباتهم المشككة في مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين !! 

ومن تلك المزاعم التي توافق عليها اليهود مع بعض كتاب بني علمان ، تلك الأكذوبة التي سنعرضها ، وسنرد عليها بإيجاز لنعي حقيقة هذا التشكيك وما وراءه .

 

يزعمون:

أن عبد الملك بن مروان بنى قبة الصخرة ليطاف حولها، لتضاهي القدس مكة في شرعية الحج إليها!!

 

ونقول:

مقولتهم بأن عبد الملك بن مروان هو الذي أشاع قداستها، واستصدر الفتاوى من رجال الدين -كالزهري- مدعومة بأحاديث تسمح بالحج إلى بيت المقدس بدلاً من مكة!! واهية من جوانب عدة أهمها:

لا شك أن بناءها -كما يزعم جولد تسيهر وغيره- لتكون بمثابة الكعبة يحج الناس إليها بدلاً من الكعبة، حادث من أكبر الحوادث وأهمها في تاريخ الإسلام والمسلمين، فلا يعقل أن يمر عليه هؤلاء المؤرخون مَرَّ الكرام، وقد جرت عاداتهم أن يدونوا ما هو أقل من ذلك خطراً وأهمية.

والمستشرقون في جمهورهم لا يخلو أحدهم من أن يكون قسيساً أو يهودياً أو مسيحيّاً متصهين، أو يعمل لمصالح استعمارية في المنطقة!!

فكبيرهم " جولد تسيهر " أشد المستشرقين خطراً، وأوسعهم باعاً، وأكثرهم خبثاً وإفساداً، وأكثرهم تحاملاً على الإسلام والمسلمين، ولتحقيق غرضه سعى لتشويه الحقائق، وتحريف النصوص، وتأويل الوقائع التاريخية وفق هدفه الذي يسعى إليه!!

فنص الحادثة كما ساقها " جولد تسيهر " بيّن البطلان، لأن بناء شيء ليحج الناس إليه كفر صريح، فكيف يتهم الخليفة عبد الملك بن مروان بهذا، مع أن أحدًا من خصومه لم يتهمه بكفر ولا ردة، وهو الذي كان يلقب بـ "حمامة المسجد " لكثرة عبادته، ومع أن خصومه طعنوا فيه بأشياء كثيرة ولم نجدهم اتهموه بالكفر، ولا شنعوا عليه ببناء القبة، ولو كان الأمر ثابتاً لجعلوه في أول ما يشهرونه به.

والله عجباً جرأة هذا المستشرق على مثل هذه الدعوى!! مع أن النقول الثابتة تكذبه!

وهناك مِنَ المستشرقين مَنْ كتب لدحض هذه الأكذوبة نذكر منهم:  « س. د. جوتين    « S. D Goitein - أستاذ في جامعة برنستون- الذي لم يتقبل هذه الفرضيات والتصورات فألف كتاباً عام (1966) بعنوان: « دراسات في التاريخ الإسلامي والمؤسسات الإسلامية، (Studies in Islamic History and Institutions   ) نفى فيه أن يكون عبد الملك بن مروان قد حاول ببنائه قبة الصخرة أن يحول الحج من الكعبة إلى القدس، وذلك انطلاقاً من كون عبد الملك إنساناً مسلماً ملتزماً بشريعة الإسلام.

ونفى أن يكون استعمال مصطلح « الأرض المقدسة » للدلالة على فلسطين استعمالاً أموياً حركته دوافع سياسية، وأورد الآية القرآنية التي استعملت فيها هذه العبارة للدلالة على فلسطين (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) [المائدة:21].

وأضاف: " أن عبارة الأرض المقدسة استعملت في وقت مبكر للدلالة على فلسطين، وأن فلسطين قد قدست لأنها كانت أرض النبوات ومنزل الوحي، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حث أصحابه على السكن في بلاد الشام، وأن تحول بلاد الشام فيما بعد إلى أرض جهاد طيلة أحقاب متعاقبة ضد البيزنطيين، كان سبباً آخر في إضفاء القدسية عليها باعتبارها أرض مرابطة وجهاد ".

وأوضح في كتابه -أيضاً-: " أن الكتابات الإسلامية الأولى تحتوي قدراً كبيراً منذ القرن الأول عن قداسة فلسطين والقدس، وأنه لا يمكن القبول بأن هذه الأقوال كانت نتيجة للنزاع بين الأمويين وابن الزبير، وأنه لا أساس للقول بأن الصخرة قد بنيت لتحويل الحج إلى القدس، وأنه قد آن الأوان لاختفاء هذه الأسطورة من الكتب، وأن معارضة علماء المسلمين للإفراط في تقديس القدس وفلسطين وقبة الصخرة لم تكن ذات علاقة بأشياء سياسية طارئة، بل كانت نابعة من حوافز دينية أصيلة " .

وقبل ستة عشر عاماً من تأليف جوتين هذا الكتاب كان قد نشر مقالاً في مجلة الجمعية الشرقية الأمريكية بعنوان: ( الخلفية التاريخية لبناء قبة الصخرة):  The Historical Background of Erection of the Dome of the Rock أورد فيها قسماً كبيراً مما ورد في كتابه اللاحق، ووصف فيه روايتي اليعقوبي وابن البطريق عن دوافع عبد الملك لبناء قبة الصخرة، بأنهما قد قصدا: « تشويه سمعة الأمويين ».

أما " تشارلز ماثيوز " الأمريكي يقول: " إنه لم يكن بالإمكان تحويل الحج عن مكة وعن زيارة المدينة، غير أن الكثيرين من المؤمنين ظلوا ينجذبون نحو فلسطين لزيارة أقل شأناً من الحج ".

ثم يضيف: " أن تعلق المسلمين بفلسطين قد ازداد بعد أن احتلها الصليبيون مؤقتاً، وذلك بسبب جهاد المسلمين من أجل استعادتها، وأن ردة الفعل الإسلامية لحملات الصليبيين، كانت عاملاً في تطور أدب الفضائل الخاص بالقدس وفلسطين ".

وكتبت حواء لاتسروس يافه - البروفيسور في الجامعة العبرية في القدس- تحت عنوان: ( قدسية القدس في الإسلام ) ([1]): إن الأسباب التي دفعت عبد الملك إلى إقامة قبة الصخرة ليست في الواقع سياسية وإنما دينية بحتة، يمكن وضعها في إطارين:

أولاً: تعاظم الهالة القدسية التي أحاطت بفلسطين عامة وبالقدس خاصة بشكل خاص منذ بداية الإسلام.

وثانياً: محاولة لمنافسة الكنائس المسيحية الفخمة التي كان من الممكن أن يعتبرها البعض بمثابة الحط من عظمة الإسلام، فجاءت قبة الصخرة لتفوق الفن المعماري المسيحي.

وتختم مقالها بقولها: " لذلك علينا أن نقبل الحقيقة التي تقول أن القدس لها حرمة ومكانة خاصة في الإسلام ".

ولا شك أن الباحثين اليهود استعانوا بكل النصوص والأقوال التي حاول الشيعة بها محاربة الخلفاء الأمويين، وإعطاء مكانة لمقدساتهم تفوق مكانة المسجد الأقصى؛ فقد استغل اليهود هذه التهم والأكاذيب لقطع الرابط بين فلسطين والمسجد الأقصى؛ والأدلة والأقوال التي اعتمدوا عليها تتأرجح ما بين رواية من مؤرخ حاقد منافس لم يذكرها غيره من المؤرخين، وعبارات ناقصة... أو تأويل فاسد لآية كريمة، أو حديث نبوي شريف خارج عن النص والفهم السليم.

وقد اعتمد " جولد تسيهر " في الاستدلال على ما ذهب إليه برواية أوردها المؤرخ الشيعي أحمد بن جعفر اليعقوبي على سبيل التحامل والغض من مكانة الأمويين.

ويقول فيها: "ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك أن عبد الله بن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة؛ فحين ضج الناس؛ بنى على الصخرة قبة، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة وأقام بذلك أيام بني أمية "!!

وهذه الرواية وردت -فعلاً-، ولكنها من وضع أحد منافسي بني أمية وهو اليعقوبي في " تاريخه " ولم يذكرها غيره من المؤرخين قط، واليعقوبي ينتسب إلى الروافض وموقفه معروف من بني أمية.

وليس من المعقول أن يقوم عبد الملك – الذي كان من التابعين الورعين - بمحاولة لتغيير أحد أركان الإسلام وهو الحج.([2])

واليعقوبي -كما قال محمود إبراهيم-: لم يكن متحرزاً فيما أورده ولا منسجماً مع نفسه في رواياته المتناقضة، فهو بعد صفحتين فقط من إيراده لهذه الرواية: أنه في سنة (68 هـ) وقفت أربعة ألوية بعرفات: محمد بن الحنفية في أصحابه، وابن الزبير في أصحابه، ونجدة بن عامل الحروري في أصحابه، ولواء بني أمية.

وقد أكد غويتاين هذه الحقيقة بقوله: " إن المصادر القديمة باستثناء اليعقوبي لم تشر إلى هذه الرواية ولم تذكرها، بل على العكس نصت المصادر على أن عبد الملك شخصياً بعث مجموعات من الحجاج إلى مكة.

والمنصف من المؤرخين يرى: أن السبب في بناء قبة الصخرة هو رغبة عبد الملك بن مروان بناء مسجد للمسلمين يضاهي في جماله وروعته وحسن تنسيقه ما لكنائس النصارى من الروعة، ولا سيما كنيسة القيامة.

وفي ذلك يقول المقدسي: « أنه -أي: عبد الملك- عندما رآى قبة كنيسة القيامة، وكان المسيحيون يحجون إليها من كل صوب، خشي أن تؤثر بفخامتها وروعتها على قلوب المسلمين، فاعتزم أن يبنى في القدس قبةً

مثلها، أو أحسن منها؛ وفعل »([3]).

وغالبية المستشرقين لم يلتزموا بهذه المنهجية العلمية، ولم يطبقوها في أبحاثهم ودراساتهم، وإنما لجأوا إلى التعميم، وحرصوا -كما فعل كستر- على إيراد مجموعة من الأحاديث النبوية والروايات المتناقضة دون التثبت من صحتها، بهدف إثارة الشكوك حولها، والطعن في الثابت المجمع على صحته منها، وخاصة تلك التي تؤكد قداسة القدس، وتنوه بمنزلتها السامية والمميزة في الدين الإسلامي.

فهل يصح الاعتماد بدون تمحيص على كتب الأخبار والتاريخ فيما يتعلق بالأمويين ؟!!

وأما رواية منع عبد الملك الناس من الحج إلى مكة إبان خلافة ابن الزبير؛ فهي رواية متهافتة منقوضة، حتى في كتابة المؤرخ الذي كان أول من أوردها وهو اليعقوبي، وروايته تقول: إنه منع الناس من الحج إلى مكة خشية أن يأخذهم ابن الزبير بالبيعة، وأنه أقامه بذلك أيام بني أمية.

ولكن اليعقوبي نفسه يقول بعد صفحتين فقط من إيراده هذه الرواية: إنه في سنة (68هـ) وقفت أربعة ألوية بعرفات: ...، ثم ينقل عن المساور بن هند بن قيس قوله: وتشعبوا شعباً، فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين، ومعروف أن حكم ابن الزبير في مكة امتد من عام (66- 73 هـ) وهو عام مقتله.

بل إن اليعقوبي يورد بعد ذلك: أن عبد الملك نفسه قد حج سنة (75 هـ)، مما يخالف روايته الأولى عن منع حكام الأمويين الناس من الحج أيام بني أمية.

ويقول اليعقوبي -وهو يتحدث عن حج عبد الملك في السنة المذكورة-: إنه بدأ بالمدينة، ولما أراد الانصراف بعد الحج وقف على الكعبة وقال: « والله إني وددت أني لم أكن أحدثت فيها شيئاً، وتركت ابن الزبير وما تقلد»، فهو هنا -إذن- يشعر بالندم لأنه أباح لقائده الحجاج أن يضرب الكعبة بالمجانيق خلال اعتصام عبد الله بن الزبير بها.

ويعدد لنا اليعقوبي نفسه -بعد ذلك- الذين أقاموا الحج للناس من رجال الأمويين خلال السنوات من (72 - 85 هـ)، ومنهم عبد الملك نفسه، وابنه سليمان، وأبان بن عثمان بن عفان، والحجاج بن يوسف.

فاليعقوبي يقدم لنا في « تاريخه » قائمة برجال بني أمية الذين أقاموا الحج زمن الوليد، ويحدثنا عن اهتمام خاص للوليد بن عبد الملك بمقدسات الحجاز في مكة.

ورواية اليعقوبي هذه تؤكدها رواية مؤرخ يعتبر من أقدم من أرخوا لمكة: وهو أبو الوليد محمد بن عبد الله -أو ابن عبد الكريم- بن أحمد الأزرقي، فقد ذكر الأزرقي في كتابه " أخبار مكة ": أن الوليد بن عبد الملك عَمَّرَ المسجدَ الحرام، وعمل عملاً محكماً.

وهذا دليل واضح على أن اليعقوبي ناقض نفسه! واعترف بأن الوليد بن عبد الملك كان من عمار المسجد الحرام، وبهذا تنتفي فرية تحويله الناس من حج بيت الله الحرام إلى القدس. ومع ذلك ما يزال هناك من يعتمد أقوال المستشرقين واليهود للتقليل من قيمة القدس في الإسلام، وإبعاد المسلمين عن نصرتها، ولكن هيهات أن يُصَدّق المسلمون مثل تلك الأباطيل.

 

عيسى القدومي

 



([1])« القدس دراسات في تاريخ المدينة » تحرير البرفسور أمنون كوهين.

([2])« بيت المقدس وما حوله » للدكتور محمد عثمان شبير، مكتبة الفلاح، الكويت (ص13).

([3])« أحسن التقاسيم »  للمقدسي (ص 166).

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0