4/1/2009


القدس عاصمة الثقافة ... وأكاذيب اليهود - الحلقة الثانية


 

 

القدس عاصمة الثقافة ... وأكاذيب اليهود

 

الحلقة الثانية

 

 

بمناسبة الاحتفالية بالقدس كعاصمة للثقافة العربية للعام 2009م ؛ لا بد أن نسلك الطريق الذي ينبغي أن يسلك، بعيداً عن العواطف والأنشطة الفلكلورية - من دبكة ورقصة وهزة – التي لا تثبت حقاً ولا ترد شبهة !! لقدسٌ منكوبة وتهويد طال الحجر والبشر !!

العمل للقدس والمسجد الأقصى وفلسطين لا يكون بأهازيج أو أشعار أو نثر يُلقى! أو مشهد فني يُعرض ، أو لقاءات ورسميات ، تتبعها بيانات وتنديدات ؛ لا تدفع ظلماً ولا ترد "بلدوزراً" داس الواقع والتاريخ !!  فالمشروع اليهودي مشروع متماسك متكامل محدد الأهداف ... أمام "لا مشروع عربي أو إسلامي" يواجه ولو بالقليل الاندفاع اليهودي لتهويد القدس وما حولها .

وأقل القليل أن نتمسك بثوابتنا - وإن سلبت وشوهت - التي لا حياد عنها في حقنا بأرضنا ومقدساتنا ؛ فالباحثون والأكاديميون اليهود ومن قبلهم المستشرقين الذين سلكوا طريق التشكيك وإشاعة الأباطيل في مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين بالكثير من المزاعم والأكاذيب والتي - للأسف - حملها جهلاء أبناء جلدتنا والمأجورين ليشيعوها بين المسلمين ، بأقلام وكتابات خبيثة جندوها لخدمات يعجز عنها كتّاب الصحف العبرية!!  وفتحت لها صُحفنا العربية الصفحات والزوايا وكأنهم عباقرة عصرهم !!

والدور العلمي في رد تلك الشبهات وتبيان هزلها وسخافتها هو مدخل في الدفاع عن القدس والاحتفاء بها كعاصمة للثقافة العربية ، فكل شبر في القدس والمسجد الأقصى شاهد على أنها كانت وستعود بإذن الله تعالى منارة العلم والعلماء ؛ والأوقاف التي أوقفت في القدس على حلقات العلم ولكل فن من العلوم، ستبقى شامخة في حجج الوقف والوثائق التاريخية ؛ وأن هودها سرّاق الأرض والمقدسات!!

 

وسنطرق في هذا المقال الباب لشبهة ثانية من شبه وأكاذيب اليهود حول القدس والمسجد الأقصى؛ حيث يزعمون:" أن المسجد الأقصى والقدس لم يأخذا في الإسلام قط دور المركز الثقافي" !!

 

ونقول: المسجد الأقصى المبارك كان مركزاً هاماً لتدريس العلوم الإسلامية على مدى العصور، وواحداً من أكبر معاهد العلم في العالم الإسلامي كله، وهو أول معهد إسلامي في فلسطين؛ فبعد أن فتح عمر رضي الله عنه القدس وفد مع عمر وبعده إلى القدس عدد كبير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعمدة العلم والدعوة.

وكان أئمة المسلمين وعلماؤهم حريصين على شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك للصلاة فيه ونشر العلم، ومن أبرز من استقر من الصحابة في القدس وتوفي فيها: الصحابي الجليل عبادة بن الصامت رضي الله عته ، الذي ولي قضاء فلسطين وقد كلفه عمر رضي الله عنه بالتعليم في بيت المقدس إلى جانب مسؤولياته الأخرى.

والصحابي الجليل شداد بن أوس بن ثابت رضي الله عنه ، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأحاديث، وكان ممن أوتي العلم والحلم، وروى عنه أهل الشام، وغيرهم.

وفي القرن الخامس الهجري بوجهٍ خاص كان المسجد الأقصى مركزاً لحياة علمية نشيطةٍ شملت من العلوم - وعلى الأخص - علوم الحديث والفقه، واجتمع بالمسجد الأقصى علماءُ "المقادسة" مع علماءٍ من بلدان العالم الإسلامي المختلفة من المشرق والمغرب. وذكر عارف العارف في "تاريخ القدس" أنه: " كان في المسجد الأقصى ثلاثمائة وستون مدرساً " حينذاك.

وكان المسجد الأقصى المعهدَ العلميَّ الكبيرَ الوحيد في القدس في القرون الأربعة الأولى للهجرة، واشتهر المسجد الأقصى بحلقاتِ قراءةِ القرآنِ وحفظه وتدارسه.

وكان فيه من المحدثين الثقات الذين درسوا واهتموا بعلم الحديث وروايته من أمثال: عبد الله بن فيروز الدّيلمي، خرّج له أبو داود والنسائي وابن ماجه. وأبو سلاّم الحَبَشِـي: كان يقدم بيت المقدس ويقرأ على عبادة بن الصامت ويروي عنه، وقد أخرج له الستة إلا البخاري.

وكان من أعلام الفقهاء الذين درسوا في المسجد الأقصى: أبو الفرج عبد الواحد بن أحمد الشيرازي ثم المقدسي، المتوفى سنة (386 هـ)، وهو الذي نشر مذهب الإمام أحمد في القدس.

وكانت علوم العربية من نحو وصرف وأدب وبيان، تُدَرَّسُ في المسجد الأقصى إلى جانب العلوم الشرعية، وكان كل مدرس من المدرسين يختار عموداً من أعمدة المسجد يجلسون عنده ويتحلق حولهم الطلاب، حتى كان يعرف العمود بالمدرس الذي كان يجلس عنده.

ولم ينقطع التدريس في المسجد الأقصى عبر القرون إلا في فترة الاحتلال الصليبي ( 492 - 583 هـ )، وبعد الفتح الصلاحي سنة (583 هـ): عني صلاح الدين رحمه الله بإعادة الحياة العلمية إلى المسجد الأقصى: فرتب له إماماً، وعين على خدمته من يرعاه، ونقل إليه عدداً من المصاحف، ووقف على المسجد الأوقافَ للإنفاق على ذلك كله، وأجريت فيه بعض التعديلات والتعميرات، وأضيف إلى مبانيه وأروقته في العهد الأيوبي والمملوكي الكثير؛ حتى بدا المسجد درةً تتلألأُ من جديدٍ في سماء القدس.

وبدأت جماهير العلماء تَفِدُ من جديد إلى الأقصى للصلاة فيه وإحياءه من جديد بالعلم والعلماء وحلقات التدريس، وقرّب صلاح الدين رحمه الله العلماء، وأحسن إلى عدد كبير منهم، وحضر مجالسهم في القدس، وكان منهم وزيره القاضي الفاضل، والقاضي بهاء الدين بن شداد، ووصف صلاح الدين رحمه الله بحسن الاستماع والمشاركة في مجالس العلم المنعقدة في رحاب المسجد الأقصى المبارك.

وقد أورد مجير الدين الحنبلي في الجزء الثاني من «الأنس الجليل» سيراً مختصرة لحوالي (440) عالماً وقاضياً وخطيباً ومؤلفاً ممن عاشوا وعملوا في بيت المقدس منذ الفتح الصلاحي وحتى سنة (900) للهجرة، أي: خلال (300) سنة، وهذا بالطبع لا يشمل إلا جزءًا يسيراً من العلماء والفقهاء الذين عملوا في القدس والمسجد الأقصى في تلك القرون الثلاثة حيث لا يمكن إحصاؤهم جميعاً.

وفي أواخر القرن السادس الهجري: أخذت المدارس في الظهور وقاسمت المسجد الأقصى التدريس، فأصبحت الدراسة أكثر نظاماً من حيث عدد الطلاب والمدرسين المتخصصين والمشرفين على تلك المدارس، ومع ذلك استمرت حلقات العلم في المسجد الأقصى، ومسجد قبة الصخرة، وفي ساحات المسجد الأقصى، وكان بعضهم يدرس صباحاً في مدارس المسجد الأقصى، وبعد صلاة العصر يجلس في زاوية ليلقي دروسه المعتادة. وازدادت المدارس حتى أصبحت بالعشرات، وأحاطت بالمسجد الأقصى من جهته الغربية والشمالية، وكان بعضها داخل أسوار المسجد الأقصى.

وفي القرن التاسع الهجري - على الأخص- : أصبحت بمثابة "جامعة القدس الكبرى" في عدد مدرسيها وعدد طلبتها وفقهائها ونشاطها العلمي، وكانت أروقة المسجد الأقصى والدور التي فوقها تستخدم للتدريس وكمساكن للطلاب؛ وأضيفت إلى المصاطب- أماكن هُيِّئَتْ ليجلس عليها طلاب العلم للاستماع إلى الدروس ، ويقدر عددها في المسجد الأقصى قرابة الثلاثين مصطبة الموجودة مصاطباً جديدةً لتستوعب مئات المدرسين لإلقاء دروسهم على هذه المصاطب.

وقد صار للمدرسين وكل العاملين في المسجد الأقصى رواتب محددة تصرف عليهم من أوقاف المسجد، بالإضافة إلى الهبات التي ظلت ترد عليهم من السلاطين وغيرهم.

وغالبية المدارس الموجودة في بيت المقدس بنيت في عهد المماليك وفي منطقة مجاورة للمسجد الأقصى، ومن أشهرها المدرسة الأشرفية التي أمر ببنائها السلطان قايتباي سنة (875 هـ - 1470م).

وكان المسجد الأقصى بمثابة جامعة تدرس فيها العلوم الشرعية وغيرها، ويفد إليه الأساتذة والطلبة من شتى أرجاء العالم الإسلامي، وقد قدم لنا أبو بكر بن العربي المعافري الإشبيلي من خلال رحلته التي قام بها إلى القدس في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي (485هـ - 1092م) صورة حية للحياة الثقافية والعلمية التي ميزت بيت المقدس في مراحلها التاريخية المتعاقبة، فأكد أنها كانت مدينة علم، ومدارس، ومناظرات، وملتقى العلماء الوافدين لزيارتها؛ إما طلباً للعلم، أو المناظرة مع علماءها من الأقطار الإسلامية الأخرى، وقد أثرت في نفسه مجالس الدراسة والمناظرة بين علماء أهل السنة والفرق والجماعات الإسلامية الأخرى. 

وفي العهد العثماني ( 923هـ – 1336هـ ): ضعفت الحركة العلمية إجمالاً، وأخذ الدارسون يتجهون أكثر فأكثر إلى الجامع الأزهر، ولكن التدريس في المسجد الأقصى استمر حتى في تلك الأيام المضطربة.

وعندما زار السائح التركي " أوليا جلبي " القدس في أواخر القرن الحادي عشر الهجري كتب يقول: " هناك ثمانمائة موظف يتقاضون رواتب في المسجد الأقصى، ومن ضمن هؤلاء أئمة للمذاهب الأربعة، ووعاظ، ومدرسون، وخدّام، وكانت رواتب هؤلاء تدفع من جيب السلطان، فإن خازن السلطان كان يأتي سنوياً ليوزع عليهم الهبات والهدايا ".

وفي السنوات الأولى من القرن العشرين الميلادي قامت حركة لإحياء بعض مدارس الأوقاف القديمة وإعادة التدريس إليها، وعندما أُسس « المجلس الإسلامي الأعلى » في فلسطين في أوائل عهد الاحتلال البريطاني تجددت فكرة إنشاء جامعة المسجد الأقصى، فانتدب الحاج أمين الحسيني، وعرقل الانتداب المشروع؛ لأنه يتعارض وسياسة بريطانيا في فلسطين.

 

مما تقدم يظهر لنا بجلاء : أن المسجد الأقصى عاش حياة علمية حافلة على مدى القرون، وكان مركزاً من أهم مراكز تدريس العلوم الشرعية في العالم الإسلامي.

 

عيسى القدومي


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0