3/24/2009


تسرب وعمالة الأطفال الفلسطينيين في لبنان .. واقع صعب.. وأمل في المستقبل


 

 

تسرب وعمالة الأطفال الفلسطينيين في لبنان .. واقع صعب.. وأمل في المستقبل

 

 

منظمة "ثابت"  آذار / مارس 2009

 

 

بعد الارتفاع المتزايد لنسبة المتسربين من المدارس وزيادة نسبة عمالة الأطفال الفلسطينيين في مخيمات وتجمعات اللاجئين في لبنان وتهديد حياة المئات من الأطفال من الموت المحتم أو التسبب بحالات التسمم أو الجروح أو الإعاقة أو الاستغلال والانحراف، نرى – وبمناسبة يوم الطفل العالمي- انه من الضروري تسليط الضوء على الأسباب والدوافع التي تدفع بالطفل الفلسطيني إلى التسرب المدرسي والتوجه إلى سوق العمل الشاق وغير القانوني والمحدق بالمخاطر .. بالإضافة إلى تسليط الضوء على بعض المقترحات والحلول التي من شانها أن تساعد بالنهوض بالمستوى التعليمي والتربوي والثقافي لأطفال المخيمات والتجمعات وتساهم في التخفيف والحد من المشكلة المتفاقمة.

 

إحصائيات

يعيش في لبنان 416.608 لاجىء فلسطيني مسجل وفقاً لإحصاءات الأونروا في شهر حزيران/ يونيو 2008، أما الإحصاءات الفعلية فتتراواح بين 275 ألف و 285 ألف كما يشير الكثير من اللجان الشعبية والمؤسسات الأهلية، يضاف إليهم حوالي 35 ألف لاجىء غير مسجل وحوالي 3500 لاجىء من فاقدي الأوراق الثبوتية.ارتفعت نسبة عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الى ما يزيد عن 314%  منذ نكبة عام 1948 وحتى يومنا هذا حيث وصل عدد اللاجئين المسجلين في سجلات الوكالة الدولية "الاونروا" في سنة 1950 إلى 127.600 لاجىء. يتوزع اللاجئون على 12 مخيم معترف بها بشكل رسمي من قبل "الأونروا" والدولة اللبنانية وأكثر من أربعين تجمعاً آخراً غير معترف بها جغرافياً من قبل "الأونروا" أو الدولة اللبنانية ، يعيش داخل المخيمات ما نسبته 52% من اعداد اللاجئين. ووصل عدد اللاجئين من حالات العسر الشديد إلى 48.538 لاجىء ايضا حسب "الأونروا".

 

تتحمل الوكالة الدولية "الأونروا" العبء الرئيسي والأهم في مجال التربية والتعليم للفلسطينيين في لبنان، فقد وصل عدد المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية في إحصاء "الأونروا" لشهر حزيران 2008 الى 83 مدرسة تضم 36.543 تلميذ وتلميذة بعد أن كان 87 مدرسة تضم 40.549 تلميذ وتلميذة حسب إحصاء حزيران 2005، أي بفارق 4 مدارس و 4006 تلميذ وتلميذة، على الرغم من ارتفاع عدد اللاجئين المسجلين خلال الثلاثة سنوات من 401.071 إلى 416.608 أي بزيادة 15.537 لاجىء، وارتفاع عدد موظفي التعليم إلى 2152 موظف بعد ان كان 1609 موظف في العام 2005 اي بزيادة 543 موظف، وربما يكون سبب خفض عدد المدارس يعود للدمج بين مدرسة وأخرى، أو يعود الى إقفال البعض بسبب أحداث نهر البارد...، وعن مصير ما يزيد عن أربعة آلاف تلميذ وتلميذة، فربما يكون السبب توجه البعض إلى الجامعات بعد النجاح في المرحلة الثانوية، أو بسبب موت عدد آخر، أو عدد من الطلاب قد توجه إلى مدارس خاصة، أوعدد آخر قد سافر للعيش والدراسة في دولة أخرى، وربما يكون السبب تسرباً من المدرسة إما للتوجه الى سوق العمل ومساعدة الأهل وإما عدم الرغبة في الإستمرار في عملية التعليم نتيجة العنف المستخدم داخل المدارس الذي بدأت ظواهره بالانحسار تدريجياً.. وربما يكون هناك أسباب اخرى كما سيأتي في السياق..    

 

وصلت تكلفة الطالب الواحد في المرحلة الإبتدائية 757.1 دولار في حزيران 2008 بارتفاع ملحوظ عن سنة 2005 الذي وصل إلى 517.8 دولار في السنة، وكذلك بالنسبة إلى تكلفة الطالب في المرحلة الإعدادية فقد اصبحت 1.169.1 دولار بعد ان كانت 797.9 دولار في السنة، وقد ارتفعت موازنة التعليم للأونروا في لبنان خلال الثلاث سنوات لتصل الى 35.767 مليون دولار بعد أن كانت 27.518 مليون دولار. ويوجد في لبنان مركز واحد للتدريب والتأهيل المهني، هو مركز سبلين.

         

تتراوح نسبة البطالة في الوسط الفلسطيني في لبنان بين 55% و 60% حسب اللجان الشعبية للمخيمات والتجمعات الفلسطينية وتجمع المؤسسات الأهلية العاملة في الوسط الفلسطيني، أما مستوى الفقر فانه تحت الخط المعترف به دولياً " حسب اللجان الشعبية ".

 

المؤسسات الدولية

من أبرز الحقوق التي أقرها المجتمع الدولي والإتفاقات العالمية والموقع عليها من قبل العديد من الدول العربية والإسلامية والعالمية "حق الطفل بالتعليم والعيش بأمان وعدم الاستغلال .." فهل ينطبق ذلك على الطفل الفلسطيني في لبنان الذي أرغم على ترك مقاعد الدراسة إما ليساهم في تحسين مدخول الأسرة، او بسبب عدم انسجامه مع بيئة المدرسة، او بسبب الضغوط النفسية والإجتماعية والإقتصادية والأمنية التي يتعرض لها الطفل من مختلف جوانب المجتمع المحلي، كثيرون من هؤلاء التلاميذ استحقوا أن يكونوا رواداً في مسيرة العلم والعلماء وتحقيق الذات وأن يقدموا شيئا مميزاً لأبناء شعبهم في أماكن اللجوء الشتات والمنافي ،إلا أن الرياح لم تأت كما تشتهي السفن.

 

يعترف العالم المتحضر -ونحن في بداية الألفية الثالثة- بأن الإنسان هو جوهر الثروات الوطنية في المجتمعات، وهو البناء الصحيح لكل كيان اجتماعي، لذلك يجب بناء الخامات -إذا صح التعبير- وتلك الخامات ليست إلا الأطفال الذين ينبغي بناؤهم بناءاً صحيحاً وسليماً ليكوِّن التقدم الحضاري للمجتمع مضموناً وبشكل تقني سليم، فهل يتماشى ذلك مع الطفل الفلسطيني الذي يتجرع مرارة اللجوء وانعكاساته وبشكل يومي من الفقر والعوز والمرض والبطالة ..وغيرها من الآفات الإجتماعية التي من شأنها أن تكون عاملاً فاعلاً من عوامل انخراط الطفل إلى سوق العمل والإستغلال في مرحلة مبكرة وتعرض ذلك الطفل إلى شتى المخاطر النفسية والجسدية؟.

من أبسط الحقوق التي ينبغي على الطفل الفلسطيني أو غير الفلسطيني الحصول عليها، هو حقه في أن يكون له وطن وهوية إضافة إلى حقه في التعليم ليعيش ضمن مبدأ المساواة مع جميع أفراد المجتمع. وفي عام 1975 صادقت منظمة الأمم المتحدة على إعلان حق الطفل المحروم جسديا أو ذهنيا أو اجتماعيا في العلاج والتربية والعناية الخاصة التي تتطلبها حالته، فعشرات ملايين الأطفال في العالم يعملون اليوم في ظل ظروف قاسية وصعبة تسلبهم طفولتهم وصحتهم وأحيانا حياتهم، ولم تتح البتة لأي من هؤلاء الأطفال أدنى الفرص لتحقيق طاقاتهم الكامنة، ويضاف إلى هؤلاء الملايين من الأطفال، الطفل الفلسطيني الذي لا يجد له مكانا آمنا في بيئته ويعيش مع عائلته في سجن كبير اسمه المخيم أو التجمع ويضطر ليعيش مع بقية أفراد عائلته التي تتألف أحيانا من ثمانية أو عشرة أفراد في غرفة واحدة هي المطبخ والحمام والصالون وغرفة النوم في ظلام الليل والنهار بسبب البناء العشوائي العامودي عدا عن الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي، والرطوبة القاتلة التي تجتاح المكان مسببة الأمراض المختلفة كالربو وغيرها من الأمراض ويكفي الإشارة الى ان 35% من طلاب المرحلة الإبتدائية في مدارس "الأونروا" في مخيم شاتيلا تعاني من مشكلة قصر النظر بسبب ظلمة الليل والنهار.

 

وقد أصدرت معظم البلدان تشريعات تحظّر تشغيل الأطفال وتضع قيوداً صارمة عليه، واستمد عدد كبير منها المعايير التي اعتمدتها منظمة العمل الدولية أو استرشدت بها، ولكن هذا لا ينطبق بأي شكل من الأشكال على الطفل الفلسطيني إن في المخيم أو المدينة المحروم من أية حقوق أو متابعة إن من قبل الدولة او أرباب العمل، باعتبار أن مرجعية المخيمات الفلسطينية هي اللجان الشعبية والفصائل الفلسطينية. ولكن في الوقت نفسه فان كثير من الأطفال الفلسطينيين يضطرون إلى العمل في أسواق المدن وفي مختلف المجالات، إن في التحميل أو أعمال البناء أو تصليح السيارات أو تسلق الأشجار وقطف الليمون وغيرها من المهن الخطيرة، ولكن بشكل غير معروف، إذ يحاسَب رب العمل في المدينة إذا ما تم ضبطه من قبل السلطات اللبنانية على تهمتين الأولى بأنه يسمح لطفل دون السن بالعمل والثانية بتوفير العمل الممنوع للفلسطيني.

 

السبب الرئيس..حالة اللجوء

هناك إجماع فلسطيني بأن السبب الرئيس لتفاقم وتردي الأوضاع الإنسانية للاجئين في لبنان، وارتفاع نسبة التسرب المدرسي وازدياد أعداد الأطفال والمتسربين والعاملين وغيرها من المشاكل، هو حالة اللجوء المركبة، التي يتحمل مسؤوليتها المباشرة الإحتلال الإسرائيلي الذي اغتصب الأرض وطرد السكان مسبباً بذلك أكبر وأطول وأقدم حالة لجوء في العصر الحديث..، اما السبب الثاني لاستمرار معاناة اللاجئين، فيعود إلى تقاعس المجتمع الدولي عن القيام بدوره والذي يقف موقف المتفرج، دون أن يكون هناك تدخل وحراك استراتيجي حقيقي يذكر باتجاه تطبيق حق العودة لللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم في فلسطين وحل جميع مشاكلهم وفقا للقرارات الدولية ذات الصلة، في الوقت الذي تتدخل فيه الأمم المتحدة لدى العديد من الدول لعودة اللاجئين إليها مثل كوسوفا وتيمور الشرقية وموزمبيق وغواتيمالا وغيرها من الدول..، والسبب الثالث يعود إلى حرمان اللاجىء الفلسطيني من حقوقه المدنية والإجتماعية في لبنان الأمر الذي يزيد من حجم البطالة وارتفاع نسبة الفقر والأمية ومزيداً من الإزدحام السكاني الأمر الذي سينعكس سلباً على الأوضاع الإجتماعية والأمنية في المخيمات، وهذا ما قاله وفد مجلس إدارة منظمة "ثابت" الذي زار فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان بتاريخ 25/6/2008 من أن "توفير الحقوق المدنية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين في لبنان فيه فائدة مشتركة للفلسطينيين وللبنانيين معاً ، أما السبب الرابع فيعود الى غياب المرجعية الفلسطينية الموحدة الكفيلة بحل كثير من القضايا الإجتماعية والقانونية والامنية والسياسية بالتنسيق مع الدولة اللبنانية ووكالة "الاونروا".

 

نظام الأونروا التعليمي :

 يكاد يكون دخول الأطفال في السنة الأولى لمدارس "الأونروا" شاملا، تتساوى في ذلك حظوظ الذكور والإناث. لكن التسرب المدرسي يبدأ في سن مبكرة كما يلاحظ مدراء المدارس والمعنيون في العملية التربوية للفلسطينيين في لبنان، ويشير مركز الاحصاء الفلسطيني للعام 2004 بان نسبة 0.8% من الأطفال بعمر 5-9 سنوات خارج المدرسة. وترتفع وتيرة التسرب عند العاشرة من العمر، فيطال التسرب الذكور أكثر من الإناث، وتصل نسبة الأطفال خارج المدرسة إلى 5.1% بين الأطفال بعمر 10-14 سنة، و28% بين الأطفال بعمر 15-18 سنة، أي بمعدل 11.3% للمراحل الدراسية الثلاثة ، وكان مركز الإحصاء الفلسطيني والمصادر الطبيعية قد أعلن في نهاية أيار من العام 2004 أن ما نسبته 23% من الفلسطينيين في لبنان من عمر 15 سنة فما فوق هم أمّيون، في حين بلغت نسبة الحاصلين على الدرجات الجامعية 4,2%. وأن اللاجئين لديهم مستويات تعليمية أقل من اللبنانيين حيث وجد أن 12 % من اللاجئين الفلسطينيين مقابل 22% من اللبنانيين أكملوا المرحلة الثانوية فما فوق.

وأسباب التوقف عن الدراسة واللجوء إلى سوق العمل يمكن إرجاعها – عدا عن الأسباب الرئيسية آنفة الذكر - إلى عدة عوامل أخرى لها تأثيرها الهام ، كالعدد الكبير للطلاب داخل الصف الواحد (أحيانا أكثر من 50)، وهذا قد بدا فعلياً بالتراجع ليصل عدد الطلاب في الصف الواحدالى 40 تلميذاً كحد اقصى، العمل بنظام الدفعتين في كثير من المدارس، صباحاً ومساءاً، الذي يرهق الطالب والمدرّس معاً، المنهجية الجديدة وصعوبة التكيف معها إن من قبل التلاميذ أو المعلمين الأمر الذي يحتاج إلى مزيد من الوقت لكي يتم ملاحظة مؤشرات التغيير الإيجابي، عدا عن ارهاق الطالب ببعض التكاليف المالية، ففي مدارس "الأونروا"، كانت القرطاسية تقدم بالمجان ولجميع التلاميذ، أما اليوم فان جزء من القرطاسية يقدم فقط للتلاميذ المصنفين في فئة "العسر الشديد"، هذا عدا عن أسباب أساسية أخرى، من طبيعة الحياة اليومية للطفل في المخيم أو التجمع وعدم توفر المنزل المناسب واللائق طبياً واجتماعياً، عدا عن كثرة الأولاد في البيت الواحد والبيئة المكتظة من الأهالي وما ينتج عن ذلك من مشاكل اجتماعية، كالبطالة والمشاكل الأسرية ..، التي لها تأثيرها المباشر على تحصيل الطالب المدرسي..

ويرى كثير من المراقبين بأن من أبرز المشاكل التربوية في نظام "الأونروا" التعليمي والذي يساعد على التسرب المدرسي والتسبب بعمالة الأطفال ما بات يعرف بـ "الترفيع الآلي"، وبعد سؤال "ثابت" لعدد من المهتمين والمتابعين، افادوا بأمرين متناقضين الأول بأن موازنة " الأونروا " لا تسمح بترفيع أكثر من عدد محدد من الطلاب في الصف الواحد، وانه " يتم ترفيع التلاميذ في الصفين الأول والثاني ابتدائي إلى الثاني والثالث بدون أن يتم ترسيب أي من الطلاب حتى لو استحق البعض منهم ذلك، وان نسبة 10 % فقط من تلاميذ الصف الثالث ابتدائي عليهم أن يعيدوا سنتهم التعليمية وان أيّ عدد إضافي يرفع "آليا" ولو لم يكونوا يستحقون الترفيع وتزداد النسبة في الصف الرابع والخامس والسادس ابتدائي لتصل إلى 15 % " ، أما صفوف المرحلة الإعدادية فان نسبة الرسوب تتراوح بين الـ 15 والـ 20 % ، وترتفع النسبة أكثر لتصل إلى 30 % في صف الأول ثانوي و 15% في صف الثاني ثانوي، أما في صف الثالث ثانوي (16 و 17 سنة) فيجري الطالب الامتحانات الرسمية الخاصة بالدولة اللبنانية للتأهل لدخول الجامعة، وفيما لو رسب في الامتحان، فلا يحق له بإعادة سنته الدراسية في أي من مدارس " الأونروا "، وإنما فقط يحصل على إفادة رسمية من المدرسة بأنه قد درس سنة الثانوي بنتيجة "ناجح" أو "راسب" ، وعليه أن يعيد سنته الدراسية في إحدى المدارس الخاصة حيث الأقساط المدرسية المرتفعة .. وهذا سيقود تلقائيا إلى ترك الطالب للمدرسة لعدم استطاعة الأهل دفع التكاليف باستثناء البعض الذي يسعى إلى دخول المدارس الحكومية اللبنانية حيث الأقساط المخفضة ولكن يواجه الطالب مشكلة بان نسبة 10% فقط من الطلاب (الأجانب) مسموح لهم بالتسجيل في المدارس والجامعات اللبنانية الحكومية. وبالتالي يلعب الحظ والمعارف والعلاقات الدور الأبرز ليكون أحد الطلاب من العشرة في المائة، باعتبار أن الدولة اللبنانية لا تزال تصنف اللاجىء الفلسطيني على أنه أجنبي مقيم على أرضيها، أما الرأي الثاني في "الترفيع الآلي" بأن "لا علاقة للميزانية في الموضوع وإنما يتم اتباع النظام المدرسي اللبناني الذي لا يسمح برسوب أطفال الأول والثاني ابتدائي وبأن ملكة الاستيعاب والتمييز لدى الطفل تصبح بجهوزية افضل في مرحلة الثالث ابتدائي وما فوق ولهذا ينبغي التركيز على تنمية المهارات الاساسية والحواس في الصفين الاول والثاني تحديداً"، ولكن في المقابل يقول أهالي التلاميذ بانه يتم وضع الدرجات على شهادات طلاب الصفين المذكورين الامر الذي يحفز الاهالي والتلاميذ على التنافس للحصول على الدرجة التعليمية منها على الاهتمام بالحواس والمهارات..، ويزيد الطين بلّة أن منهاج كثير من رياض الأطفال في المخيمات منصب على الجانب التعليمي منه على الجانب السلوكي وتنمية المهارات والحواس.. والمحصلة ضغط تعليمي من الروضة وضغط تعليمي من المدرسة في السنوات الاولى والنتيجة تسرب مبكر خاصة في المرحلة الابتدائية، والتوجه إمّا إلى الشوارع حيث البطالة أو إلى جمع الخردة وبيعها أو التوجه الى سوق العمل المختلفة وتعريض حياة الاطفال للإستغلال والخطر المحدق إن كان من خلال عملية التفتيش بين أكوام النفايات أو التقاط المعادن الصدئة والمهترئة عدا عن إمكانية الإنحراف مع قرناء السوء.. ، والعدد القليل يختار أن يتعلم مهنة في إحدى المعاهد التابعة للمؤسسات الأهلية أو معهد سبلين، ولكن أيضا في النهاية يصطدم بمسالتين رئيسيتين الأولى قرار منعه من مزاولة مهنته خارج حدود المخيم أو التجمع، والثانية تراكم المهن المتشابهة من تصليح راديو وتلفزيون أو الحلاقة أو التمديدات الكهربائية أو التمديدات الصحية والبلاط والالمنيوم وغيرها.. والتي تؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة أو غياب الدافعية والحماس لدى الطلاب للتوجه المهني... خلاصة القول بانه لا يوجد نظام تربوي متكامل تشارك فيه "الأونروا" ومؤسسات المجتمع المدني (رياض الأطفال بشكل خاص) والأهالي والمجتمع المحلي، بحيث ينعكس ايجابا على نمو الطفل بشكل سليم ويساهم في الحد من ظاهرة التسرب والعمالة...  

نتائج دراسة دولية :

أبرزت دراسة قام معهد الدراسات التطبيقية الدولية النرويجي (FAFO  ) وجمعية المساعدات الشعبية النروجية في لبنان بالتعاون مع المكتب المركزي للإحصاء والمصادر الطبيعية الفلسطيني في المخيمات الفلسطينية في لبنان وعرضت للمرة الأولى في مؤتمر اليونسيف الإقليمي الذي انعقد في عمان في حزيران 2000 وفي بيروت في أيار 2003 ما يلي: - " 10% من الأطفال العاملين هم في الرابعة عشر من عمرهم، بينما 30% من الأطفال العاملين هم في الخامسة عشر من عمرهم، وتلاحظ الدراسة بان 35% من الأطفال العاملين هم في السابعة عشر من عمرهم، وان 20% فقط من الأطفال العاملين مسجلين في المدارس والآخرون بالكاد حصلوا على قدر محدود من التعليم . وهناك اختلاف بين وضع الذكور ووضع الإناث ، فالأولاد ( 10 ـ 17 سنة ) بشكل عام يعملون لدعم الأسرة بينما الفتيات تتعرض " للقيود الاجتماعية " و " الزواج المبكر ". وفي نفس الوقت، فان نسبة الفتيات اللواتي تتركن المدرسة مبكرا (اقل من 14 سنة ) لا تعمل فقط في المنزل بل بعضهن ينخرطن في أعمال محلية داخل المخيم "، مع ملاحظة انه لم يصدر بعد ذلك التاريخ أي دراسة محكمة حول التسرب وعمالة الأطفال الفلسطينيين في لبنان، إلا أن جميع المؤسسات الأهلية العاملة في الوسط الفلسطيني واللجان الشعبية والاهالي والفصائل والفعاليات تتحدث عن مؤشرات واضحة للعيان تدل على ارتفاع  ملحوظ بنسبة التسرب المدرسي وعمالة الاطفال، أبرزها انتشار للأطفال في الزواريب والشوارع اثناء الدوام الدراسي، كثرة الطلب للاهالي لتسجيل ابنائهم في معاهد مهنية او للعمل في الحقول وغيرها، الحديث عن انخفاض عدد التلاميذ داخل المدارس، كثرة برامج الاستلحاق الدراسي، وجود اعداد كبيرة من الأطفال تعمل لدى أصحاب الحرف مثل الحلاقة، ميكانيك السيارات، البناء، اعمال البساتين، خدمات التوصيل.. وأعداد أكثر تتخذ من الطرقات مكانا للهو وتعاطي التدخين والنرجيلة، ويجري الحديث عن تعاطي للحشيش والمخدرات عند البعض...

المؤسسة التربوية وترغيب الطفل :

بسبب الظروف الخاصة التي يعيشها الطالب الفلسطيني والهيئة التعليمية وإدارة المدارس في المخيمات والتجمعات والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والبيئية الصعبة التي تحيط بهم من كل جانب وتداعيات هذه الأمور على الوضع النفسي للجميع، بالرغم من جميع تلك الصعوبات فان هناك تحدياً كبيراً ومسؤولية عظيمة ملقاة على عاتق المدرس الفلسطيني، فهو المربي والمعلم والنموذج والقدوة، فالشعب الفلسطيني لم يختر لنفسه اللجوء ولم يختر لنفسه أن يعيش في تلك الظروف الإنسانية القاسية، وبالرغم من ذلك فقد استطاع الطالب الفلسطيني في سبعينيات القرن الماضي أن ينافس الطلاب الآخرين من جنسيات مختلفة ومن مختلف دول العالم على الدرجات الأولى والتفوق وهناك نماذج لا تزال تشكل أعلاما ومنارات يقتدى بها...

بعض المقترحات والحلول

المدرسة هي أهم المؤسسات الإجتماعية بعد الأسرة التي يقع على عاتقها إعداد جيل المستقبل لكل مجتمع ورعايته وتأهيله ليصبح فرداً نافعاً لنفسه ومجتمعه من خلال تحقيق احتياجاته وتنمية قدراته. ولكل طفل من الأطفال طاقات كامنة يمكن تفعيلها، فالأطفال يختلفون في قدراتهم وطاقاتهم التي يمكن أن تساعد على إطلاق وتفعيل مواهبهم أو جمودها، فمنهم من يمتلك مواهب لا تؤهله قدراته وطاقاته على إبرازها كتردده وعدم ثقته بنفسه وهذا النوع بحاجة إلى من يعيد إليه ثقته بنفسه بالتشجيع والتحفيز والترغيب، ومنهم من يقوى على إبراز هذه المواهب لقدرته على التفاعل الذي يفجر الطاقات، ولكنه بحاجة إلى طرف آخر ليوجه خطواته ويستفيد من قدراته بالطريقة الأمثل، فهو بحاجة للتوجيه حتى يستطيع أن يستغل قدراته وطاقاته من أجل تحقيق الذات عنده. وباعتبار أن الطالب محور العملية التربوية التي تهدف إلى تربية الطالب وتعليمه وإخراجه إلى الحياة العملية صالحاً ومستعداً للعمل وتطوير المجتمع، فلا بد أن تدور جميع الفعاليات التربوية التطويرية حول خدمة الطالب والمساهمة في تطوير قدراته ورعاية مواهبه وميوله، ورفع مستوى تحصيله العلمي وتحسين اتجاهاته نحو ذاته ونحو الآخرين، لان المجتمع بشكل عام والمجتمع الفلسطيني بشكل خاص هو المستفيد في النهاية من العملية التعليمية، وينبغي هنا أن يكون الطالب هو أساس التخطيط للعمل التربوي والتطويري ، ليتم العمل على الخروج بجيل واع مدرك لحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه إن كان على الصعيد التربوي أو الاجتماعي أو الوطني في خدمة قضيته الفلسطينية. وبالتالي يتحمل المدرس وفريق العمل داخل المدرسة وبشكل خاص مدير المدرسة كقائد تربوي، مسؤولية الكشف عن هذه القدرات والطاقات وتفعيلها. وإفساح المجال لإظهار مشاركات الطلاب ونشاطاتهم.

وفي الحديث عن الصعوبات في عملية التعلم فمنها ما هو صادر عن التلاميذ أنفسهم ومنها ما يرجع أساسا إلى سياسة وأساليب المعلمين وعلاقتهم مع تلاميذهم ومنها ما له علاقة بالأهل والمجتمع المحلي ومنه من له علاقة بالبيئة والظروف الإنسانية والسياسية المحيطة والخاصة بالوضع الفلسطيني، لذلك نعتقد أنه من الأهمية بمكان اتخاذ خطوات من شأنها أن تسلط الضوء على إيجاد طرق جديدة لتحقيق استجابة التلاميذ الذين يواجهون صعوبات في صفوف الدراسة، من إعداد المعلم الناجح والمنهج التربوي المناسب لجميع التلاميذ مع الأخذ بعين الاعتبار الفروقات الفردية، وأهمية إبراز أساليب وطرق تعليم فعالة مع تأمين المستلزمات والاحتياجات والأدوات والوسائل اللازمة لمساعدة المعلم، وأهمية تحفيز التلاميذ وتشجعيهم لمعرفة قدراتهم ومساعدتهم على تطويرها ..مع استحضار روح التعاون مع التلاميذ لمعرفة مدى صحة ما يقومون به من مهارات. وذلك بأخذ آرائهم في أداء بعضهم البعض وفي إعطاء الرأي بصحة أداء بعض التلاميذ عند أداء مهارة ما وإثارة التلاميذ للتعاون فيما بينهم. إضافة إلى تعاون المدرس معهم لتسهيل أداء المهارة. وبذلك من الممكن وفي ظل أجواء المتغيرات الدائمة داخل المخيمات والتجمعات أن نصل إلى نتائج أفضل. ونعلم بان قضية التسرب المدرسي وعمالة الأطفال قضية معقدة جدا، ولا يمكنها أن تختفي بين ليلة وضحاها لأنها ترتبط بعدة عوامل، وهذا على المستوى العالمي أما الوضع الفلسطيني فله خصوصية إضافية هي حالة اللجوء ونتائجه السلبية المتراكمة.

المهن التي يمارسها الأطفال في المخيمات

تستحوذ المهن المرتبطة بخدمة السيارات وصيانتها على العدد الأكبر من الأطفال العاملين، حدادة سيارات، دهان (بويا) للسيارات، تلحيم إطارات.. ونجد أطفالا يعملون في مهن أخرى كالقصابة (اللحام)، الالومينيوم، تمديدات الكهرباء في المنازل، حلاقة، بناء، تمديدات صحية، بلاط، دهان المنازل، أجراء في محال لبيع المواد الغذائية والخضار، بيع الأحذية والألبسة وتسلق الأشجار وقطف الحمضيات عدا عن أعمال الخردة المختلفة .... وصحيح معظم هذه الحرف تؤدي في النهاية إلى تكوين مهارات يمكن استثمارها في المستقبل ولكن دائما على حساب الحالة النفسية التي يعيشها الطفل في مرحلة يجب أن يشبع فيها بالعطف والحنان والاهتمام والتوجيه والرعاية وبالتالي حرمانه من ممارسة حقه في الاختيار وتحديد معالم مستقبله، ويتحدر الأطفال إجمالا، من عائلات فقيرة يكون فيها الأب إما عاطلا عن العمل أو يعمل في مهن متواضعة، قليلة الدخل وغير ثابتة وربما يعمل في أكثر من مهنة ويضطر إلى التغيّب الطويل عن المنزل والى انحسار رعايته وإشرافه على تربية أولاده عدا عن اضطرار الأم للعمل أيضا بهدف التخفيف من الأعباء الاقتصادية الأمر الذي ينعكس سلباً على اهتمامها المباشر بتربية ابنائها. ولا ننسى في هذا السياق بان بطالة الأب تنمّي عند الابن مشاعر دونية عدائية، قوامها النقمة على الظروف التي سببت الظلم لهذا الأب وألحقت الأذى والإجحاف به وبعائلته، ويخشى في المستقبل أن تترسخ في الطفل مشاعر الظلم والقهر وان يمارس هو لاحقا، ما عاناه سابقا انتقاما لذاته من المجتمع، وبالتالي يكون ذلك الواقع سبباً في تحطيم تدريجي للصورة المثالية التي يكونها الطفل عن والده. فالأب هو القدوة والمثل الأعلى، وهو بالنسبة إلى الابن الأفضل والأبرع والأقوى.

 

راشدون أميون

حالة اللجوء وتراكم التداعيات، أفرزت واقعا سياسيا وتربويا واجتماعيا وصحيا وثقافيا صعبا نعتقد بأنه قد آن الأوان  للتوقف عنده، حيث يقع أطفالنا في ثالوث مترابط يدمّر الطفولة ومستقبلها، الفقر، الجهل والإهمال، حيث يتم دفع عددا كبيرا من الأطفال إلى سوق العمل غير الماهرة. وغالبا يكون هؤلاء الأطفال أمّيين، ويبقون كذلك طوال حياتهم. ومن القواعد الثابتة في العملية التربوية بان الأطفال الذين يخضعون لأقسى أشكال الاستغلال مع ضعف التعليم الأساسي أو غيابه، معرضون لاحتمالات نموهم كراشدين أمّيين، معوّقين جسديا ونفسيا وغالبا ما يتكرر ذلك للأجيال التي تأتي من بعدهم ، فمن يتحمل المسؤولية ؟

 

في تسعينيات القرن الماضي تزايد اهتمام الأسرة الدولية بمشاكل الطفل ورفاهيته عموماً وبعمل الأطفال خصوصا، بشكل لم يسبق له مثيل، ومن أهم التطورات اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني 1989 اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، وهي أكثر المعاهدات التي اعتمدت تكاملاً وشمولاً عن حقوق الطفل، وقد صدّقت عليها كل بلاد العالم تقريبا. ومن أهم ما تطالب به هذه الاتفاقية : حق الطفل في " الهوية والوطن والانتماء، حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أي عمل من شأنه أن يشكل خطراً على حياته أو يتدخل في تعليمه، أو يضر بصحة الطفل وبنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو يؤثر على سلوكه الأخلاقي أو الاجتماعي".

 

"ثابت" زارت أمين سر اللجان الشعبية في مخيمات منطقة صيدا أبو بسام المقدح الذي علّق قائلاً "يعصرنا الألم حين نشاهد صباح كل يوم مجموعات من الأطفال تتوجه إلى مدارسها في مخيم عين الحلوة، بينما مجموعة أخرى تتوجه إلى العمل في مكب نفايات مدينة صيدا وغيرها من الأماكن، طفل يحمل حقيبته المدرسية وآخر يحمل كيس النايلون ليضع ما يلتقطه فيه، طفل يلبس الثياب النظيفة وآخر يلبس ثيابا أخرى..." 

 

ويضيف أبو بسام بان " مشكلة التسرب المدرسي وعمالة الأطفال مشكلة جدية وحقيقية وتتزايد يوما بعد يوم في مخيماتنا وتجمعاتنا، وكثير من المؤسسات المحلية والدولية تعمل على إقامة الأنشطة لملء فراغ المتسرب ومساعدته او اعادته الى المدرسة بالاضافة الى تقديم برامج التوعية، ولكن هذا لا يكفي مقارنة بحجم الحاجة الكبير التي تزداد يوماً بعد يوم، وما نريده من المجتمع الدولي بأن ينظر إلى أطفالنا بعين العدل والمساواة مثل بقية أطفال العالم الذين لهم الحق في العلم والحماية وعدم الاستغلال، وإيجاد مزيدا من برامج التوعية إن كان للأهل أو المدارس أو المجتمع المحلي".

 

ويعتبر أبو بسام بان الشعب الفلسطيني " شعب فقير ولاجىء منذ أكثر من ستين سنة، ولكن هذا ينبغي ألا يثنينا عن التضحية بالغالي والنفيس في سبيل أن يحصل أبناءنا على حقهم في التعليم والتربية والثقافة فهذا هو سلاحنا الأمضى في وجه أعدائنا، وإذا كان هناك تسرب مدرسي وعمالة أطفال متزايدة فهذا يشكل خدمة مجانية إلى العدو الاسرائيلي المحتل الذي له المصلحة الاولى في تجهيلنا وزيادة نسبة الأمّيين بيننا، والحد من قدراتنا والقضاء على إرادتنا وثنيها، ومحاصرة المشكلة والقضاء عليها هي من مسؤولية اللجان الشعبية والأهالي ومدارس "الأونروا" والمجتمع المحلي ومؤسسات المجتمع المدني، ولكن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق المجتمع الدولي الذي يجب أن يسعى إلى إنهاء مشكلة اللاجئين بعودتهم إلى ديارهم في فلسطين كمقدمة لحل مشكلة أبنائنا وشعبنا الفلسطيني بالكامل".

 

منظمة ثابت

آذار/ مارس 2009

 

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0